الجمعة 19 إبريل 2019
فن وثقافة

على هامش المهرجان الدولي للفيلم بمراكش... متى سيتم إحياء تراث القاعات السينمائية وتكريمها؟  

على هامش المهرجان الدولي للفيلم بمراكش... متى سيتم إحياء تراث القاعات السينمائية وتكريمها؟   سينما بلاص 1950

المشهد الأول والأخير: قاعات سينمائية هدمت وأخرى تحولت إلى مواقف للسيارات، كما في فيلم "سينما الجنة" للمخرج تورناتوري؛ في حين أن قاعات ببلادنا نجت من الهدم وإعادة البناء بقوة القانون، فتحولت إلى ملجأ للمشردين، كقاعة سينما بلاص بمراكش نموذجا...

في حديث قصير لـ "أنفاس بريس" مع أحد الصحافيين الفرنسيين المعتمدين لتغطية المهرجان الدولي للفيلم بمراكش في دورته 17، بأحد المقاهي المجاورة لمقر التظاهرة، قال، إن المخرجة الفرنسية المكرمة أخيرا أنييس فاردا سألته عن عدد القاعات السينمائية التي توجد بالمدينة الحمراء...؛ فرد عليها بأن ساحة جامع الفنا هي أكبرهم...! وهو يقصد تماما بجوابه، أنه لولا هذه الساحة الشهيرة لما نجح هذا المهرجان أصلا، لأن الصالات السينمائية التي يمكنها أن تحتضن هذا الزخم  المتنوع من جمهور الشاشة الكبيرة، لمتابعين لخطوات الفنانين العالميين أمثال: روبير دونيرو وغيرهم، قد اندثرت أو هي في  حالة احتضار..

القصة: مدينة سياحية بصيت عالمي، تستقطب نجوما كبارا من عالم الفن السابع، باحتضانها كل سنة مهرجانا دوليا مرموقا، لعرض أجود الأفلام العالمية، يعد من بين أنجح ما يربو عن 25 تظاهرة سينمائية، معظمها ببعد دولي يحتضنها المغرب، لا تتوفر فيها قاعات سينمائية كفاية. وضعية يصفها الباحث في تاريخ السينما المعاصرة مولاي إسماعيل النقاش، في لقائه مع "أنفاس بريس" بـ "المفارقة الفنية العجيبة"، بعد أن كانت المدينة تحتضن حتى العهد القريب 20 قاعة سينمائية، سيتم الإتيان عليها بالكامل، وما سوف يتبقى منها هو عبارة عن خراب ومطارح لرمي الأزبال، ومخبئ للمتسكعين والمنحرفين، ومراحيض، مجرد بنايات محكومة بأول تنظيم تشريعي للقطاع، بتاريخ 22 أبريل 1916، يتم الإقرار به مع أول ميلاد لقاعة سينمائية في المغرب بمدينة فاس عام 1912، لتنطلق معه عمليات استثمار المعمرين واليهود المغاربة في القاعات السينمائية في المدن الكبرى كمدينة مراكش، التي عرفت بناء أول قاعة سينمائية عام 1936، أسسها يهودي مغربي أطلق عليها اسم "EDEN" وتقع بحي القنارية، على بعد أمتار من شارع الأبناك، المفتوح على ساحة جامع الفناء مباشرة، حيث مقر إقامة الكاتب الإسباني الشهير غويتيسولو، حتى وفاته السنة الماضية.. وفي العام نفسه سيؤسس بحي جليز، ذي البنايات الاستعمارية، سينما"REGENT" ، بسقف متحرك يتم فتحه خلال فصل الصيف ليلا. كما سارع رجال أعمال مغاربة إلى تأسيس قاعات أخرى داخل المدينة العتيقة، منها: سينما الأطلس ومبروكة والزهراء ومرحبا وموريطانيا في حي القصبة القريب من باب الرب، والفتح و"الهلال" بالحي العشوائي سيدي يوسف ابن علي، ضاحية المدينة، ثم سينما غزالة والحمراء.. وبحي جليز تم تشييد أول قاعتين سينمائيتين في الثلاثينات، وهما سينما "PARIS" التي هدمت بالكامل منذ سنين، وعلى أنقاضها جثمت عمارة سكنية؛ وسينما "PALACE" التي مازالت تقف شامخة في كبرياء فني عنيد، ضد معاول الزمن.. فإلي جانب عرضها للأفلام المصرية، بالخصوص، كانت تحتضن أيضا العديد من العروض المسرحية الوطنية والمحلية، لتوفرها على خشبة كبيرة، وبقيت صامدة إلى حدود الثمانينيات، حيث يتم إغلاقها نهائيا؛ وبجوارها تربو قاعة سينمائية صغيرة منهكة القوى تسمى"LUX" ، كان لها طعم خاص في الفرجة، لأن مقاعدها كانت محدودة جدا...

ومع التمدد العمراني للمدينة ستشيد سينما الريف، وسينما المسيرة بالحي المحمدي وسينما السعادة بالحي الحسني عام 1970، كلها مقفلة أبوابها منذ سنوات، بشكل نهائي، وبداخلها معدات سينمائية قيمة وبكرات أفلام نادرة وملصقات فنية رائعة من القرن الماضي.

ويسائل مولاي إسماعيل النقاش إدارة المهرجان الدولي للفيلم، عن عدم التفكير في استغلال هذه التحف الفنية والتقنية  النادرة من المعدات السينمائية، بإقامة معرض خاص بتاريخ السينما بمراكش، والتعريف بقاعاتها منذ بداية الاستعمار...

وبعيدا عن ضجيج المدينة الحمراء وتاريخها مع السينما، بادر بعض الخواص إلى بناء مركب  ميغاراما السينمائي بمنطقة أكدال السياحية، لكن ارتفاع أثمان تذاكره، قياسا بالقدرة الشرائية لعموم المواطنين، قلل من شأنه، وبقي دوره باهتا فنيا. وما بقي من هذه الصالات السينمائية، كسينما مبروكة أو كوليزي، مجرد تأثيث لفضاء فني بئيس، تصارعان الزمن التكنولوجي المخادع بعرض مباريات كرة القدم على المباشر!

نهاية القصة: انتقلت حظيرة القاعات السينمائية الوطنية من 238 قاعة عام 1984 إلى 31 قاعة نشيطة عام 2014، معظمها يوجد بمحور طنجة مراكش...