الاثنين 10 ديسمبر 2018
كتاب الرأي

مصطفى المنوزي: تناسل الطقوس الحقوقية وسؤال نجاعة الفعل الحقوقي

مصطفى المنوزي: تناسل الطقوس الحقوقية وسؤال نجاعة الفعل الحقوقي مصطفى المنوزي

تضخمت الأنشطة الحقوقية والتوصيات الصادرة والمنبثقة عنها، بقدر تضخم عدد الجمعيات والمنظمات والهيئات الحقوقية.. والغريب في الأمر أنه نادرا ما يتم تذكر القاعدة المأثورة «من يدافع عن من».. فالمدافعون لا يتذكرون أنفسهم كمؤسسة في مسيس الحاجة إلى من يحميهم ويدافع عن حقهم في المرافعة والاقتراح والكفاح من أجل النهوض بحقوق الناس وحمايتهم من الانتهاكات والوقاية من تكرارها، بغض النظر عن حجم جسامتها وخطورتها؛ بل الأغرب أنه عندما تحركت الألة الأمنية المعلومة تمارس الإرهاب الفكري تجاه المناضلين الحقوقيين وتخون أحلامهم، وتمس بمصداقيتهم وبمشروعية أهدافهم ونبلها، وتحركت العقول والحناجر والأقلام هنا وهناك لتطويق إرهاصات «الردة الحقوقية»، تم اعتبار هذه المبادرات، من قبل بعض ضحايا هذه الحملة نفسها، بمثابة وساطة «حق أريد بها باطل».. وليس هذا هو بيت القصيد، إنما المقالة تروم تأكيد حاجة الحقوقيين إلى تأهيل تنسيقهم وتوحيد مجهوداتهم بالتركيز على التفاعل مع الحد الأدنى المشترك الذي يمكن أن يلتئموا حوله وينطلقوا منه لتفعيل "رسالة الدفاع عن حقوق الإنسان".

ونحن في المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف، نعتبر أن التعامل مع المؤسسات الوطنية والعمومية والتشريعية لا ينحصر فقط في لعب دور الوساطة الاجتماعية، بل نطمح إلى الارتقاء بالعلاقة إلى درجة الشراكة الموضوعية مع الحفاظ على المسافات الضرورية لتكريس الحياد مع النجاعة.. فنحن مضطرون بحكم الملفات العالقة، سواء ذات العلاقة بالاختفاء القسري والحقيقة والكشف عن مصائر المختفين والمجهولي المصير، أو تعلق الأمر باستكمال إجراءات جبر الضرر الفردي والإدماج الاجتماعي والتسويات الإدارية للضحايا وملفات التأهيل الصحي والنفسي.. ونحن في المنتدى نتميز عن بقية الجمعيات الأخرى، التي تهتم بالرصد، ليكون المشترك فيما بيننا هو الشق السياسي من توصيات هيأة الإنصاف، وعلى الخصوص تدابير وضمانات عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، كما نعتبر أن الملك هو المخاطب الأول في الملف، عبر مستشاريه، سواء الأشخاص المعنويين أو الذاتيين، فهو الذي صادق على التوصيات وهو الآمر بتفعيلها ودسترتها، أما الحكومة فعلاقتنا بها امتداد متفرع ولاستكمال تنفيذ كافة مقتضيات الممارسة الاتفاقية الدولية، وعلى الخصوص في العلاقة مع الوقاية من التعذيب والحماية من الاختفاء القسري.. فهذه المهام هي موجب ضمن موجبات التنسيق مع «الحلفاء الحقوقيين» المؤمنين بجدوى توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة، وإلى حد ما المقتنعين بأهمية مقتضيات وتجارب العدالة الانتقالية.

هنا لابد من التذكير  أن أسباب نزول الائتلاف المغربي للهيئات الحقوقية، هو  الحراك الفبرايري، والذي بادر المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف، بواسطة نداء ثاني فبراير 2011، إلى الدعوة لتأسيسه لكي يتولى مهمة تأطير الشباب ومرافقتهم قانونيا وحقوقيا وإنسانيا، بتبني مقاربة سلمية حضارية في التظاهر وكافة أشكال التعبير.  والآن، وبعد استنفاذ هذه المهمة، كان من المفترض الانتقال من حماية الشباب الفبرايري إلى خلق حزام مدني لحماية المدافعين عن حقوق الإنسان وتحصين المكتسبات، ضدا على ردة وانتكاسة.. فحتى الميثاق الوطني لحقوق الإنسان، الذي تم تحيينه منذ سنة، لم يأخذ حقه في النقاش العمومي، لذلك وجب إعادة هيكلة الائتلاف وتوسيع قاعدته بالانفتاح على مكونات حقوقية أخرى، يكون الضابط فيها «لكل حسب كفاءته وعطائه» وليس «لكل حسب شهرته وقدمه»، وتبلور فيه القرارات  بالتوافق أو الإجماع، ودون أن ينشغل بالمواقف والقضايا المختلف حولها أصليا. وبمعنى صريح، ينبغي أن يكون الائتلاف منبرا للقضايا العظمى التي لا تجد لها موقعا في جدول وخطط الجمعيات، وتحتاج إلى تظافر جهود الجميع للضغط وانتزاع مؤطر بتفكير جماعي، فلا ينبغي أن يكون الائتلاف مجرد  «جمعية» بمكونات جمعوية اعتبارية .

وإذا كان لابد من خلاصة، فالاختلاف في وضوح أفضل من الاتفاق في غموض، ولتكن لنا الجرأة لاعتماد النقد والنقد الذاتي بعيدا عن الحزازات الذاتية؛ فلقد أتخمتنا التجارب السابقة في العمل الجماهيري.. ومثال الاتحاد الوطني لطلبة ساطع في سماء الذاكرة الموؤودة، حيث كان سبب الفشل هو المواقع والمناصب وعدم الحسم في علاقة السياسي بالفكري والنقابي والديني والاجتماعي حتى. ومن حسن حظنا أن الفعل الحقوقي لم يعد يصلح للاحتكار ولا حتى لاستعمال أوراق الضغط الحزبية. وصدق من قال «البحر بجوارنا ولا نقدر على الاستجمام والاستحمام فيه»، وكذلك من قال «رغم وفرة المياه، نعيش استحالة الوضوء»..

هي كلها معان مستنبطة من أغنية «الما يجري قدامي» للفنانة القديرة بهيجة إدريس «كنموت والهوا حدايا».. فاللهم حد الباس؛ وكل التضامن مع ضحايا الانتهاكات الموضوعية، الدولتية، وغيرها من الخروقات الداخلية والحروب الذاتية، وكذا «خيرات» الفيضانات وتضخم الخطاب وحربائية الذكاء اللفظي.