الخميس 13 ديسمبر 2018
كتاب الرأي

أحمد بلمختار منيرة: دروس من الاتحاد الأوروبي لدول "اتحاد المغرب الكبير".. أمل الشعوب المغاربية

أحمد بلمختار منيرة: دروس من الاتحاد الأوروبي لدول "اتحاد المغرب الكبير".. أمل الشعوب المغاربية أحمد بلمختار منيرة

نقرأ التاريخ، لنستخلص الدروس والعبر. ونقرأ تجارب الدول المتقدمة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، للهدف نفسه. خاصة في عصرنا، حيث لا مكان للدول التي لا تتكتل اقتصاديا وسياسيا مهما تمتلك من ثروات طبيعية.

ولا شك أن الاتحاد الأوروبي، بالرغم من التصدعات التي يعرفها مؤخرا، مازال يمثل نموذج العمل الاندماجي الأكثر تقدما في عالم اليوم. وهو ما يمكننا من استخلاص خمسة دروس على الأقل. 

- الإرادة السياسية الحقيقية

غداة الحرب العالمية الثانية، وفي الوقت الذي كانت فيه صناعات الدول الأوروبية تعرف تدهورا كبيرا، وكذا الأمر بالنسبة لتجارتها، قررت 13 دولة أوروبية تكوين مجموعات دراسية في بروكسيل للبحث عن إمكانيات خلق اتحاد جمركي أو أكثر بأوروبا، لكن باءت هذه المحاولة بالفشل.

وبالرغم من ذلك، بقي إنجاز مشروع الاتحاد الأوروبي، بل الولايات المتحدة الأوروبية، يشكل حلم عدة أجيال تأثرت بنجاح الولايات المتحدة الأمريكية.

ويمكن القول إن هناك ثلاثة أسباب رئيسية دفعت الزعماء الأوروبيين إلى التفكير في تأسيس الاتحاد الأوروبي:

1- التحدي السوفياتي آنذاك، والحقيقة الخوف من المد الشيوعي.

2- الوعي بأن توحيد الجهود هو السبيل الوحيد المؤدي إلى خلق أوروبا القوية اقتصاديا وسياسيا.

3- منافسة أمريكا على المستوى العالمي.

إن بناء الاتحاد الأوروبي لم يتحقق بدون معاناة وأزمات. ولكن، كانت الإرادة السياسية هي الدعامة القوية لكل خطوة في سبيل إنجاز هذا المشروع العظيم، برأي المحللين الاقتصاديين والسياسيين. وبعد "التشاؤم الأوروبي" خلال السبعينيات والثمانينيات، عادت إلى الأدهان فكرة تأسيس السوق الموحدة الكبرى.

وقد عبر الأوروبيون -ومازالوا- خلال لقاءاتهم منذ تأسيس الاتحاد في روما (سنة 1957) إلى يومنا هذا عن تصورات سياسية عميقة الدلالات، هدفها البعيد إنشاء الولايات المتحدة الأوروبية لأنهم أدركوا  من خلال القراءة الواعية في تاريخهم وأزماتهم وحروبهم، أنه لا سبيل إلى التقدم والتنمية المستدامة وعزة الشعوب والأنظمة معا في ظل العزلة.

 وهو ما يوضح أن الاستعداد الأوروبي للعولمة في كل أبعادها تم مبكرا، وما توحيد العملة في أواخر القرن العشرين إلا تأكيد عن أن دول الاتحاد الأوروبي، عازمة على أن تصبح منافسة قوية لأمريكا. ولنجاح هذا المشروع المثالي تم وضع أسس قوية منذ البداية، وهو الدرس الثاني.

- الديمقراطية والليبرالية والسلام

لبناء أوروبا قوية، تعهدت الحكومات منذ تأسيس الاتحاد بما يلي: الحفاظ على الديمقراطية، واعتماد النمط الليبرالي اقتصاديا وسياسيا، والحفاظ على السلام، وخلق أشكال متعددة للتعاون...

وفي حقيقة الأمر، طبق الاتحاد الأوروبي بشكل ملموس منظور الاقتصادي "بيلا بلاسا" (B.Balassa) والذي يرى أن هناك خمس درجات للاندماج مرتبة كالتالي:

1- إنشاء منطقة التبادل الحر.

2- الاتحاد الجمركي.

3- السوق المشتركة.

4- الوحدة الاقتصادية.

5- الاندماج الاقتصادي الكامل (توحيد السياسات النقدية والضريبية والاجتماعية...).

وقد تم بناء هذه الأرضية الصلبة لتحقيق شيء أساسي: الاكتفاء الذاتي  لأوروبا، وهو الدرس الثالث.

- الاكتفاء الذاتي، هدف أساسي

إن أسمى هدف للاتحاد الأوروبي منذ تأسيسه هو تحقيق الاكتفاء الذاتي. فوسع مجاله عدة مرات، إذ ارتفع عدد الدول من 6 سنة 1957 إلى 9 سنة 1973، إلى 10 سنة 1981، إلى 12 في 1986... إلى اليوم. ولقد شكلت هذه التوسعات إضافة في الأراضي الفلاحية، واليد العاملة، والاستهلاك، ومكنت من الاستغناء عن الواردات من عدة دول. وتطورت التجارة البينية بشكل كبير. لكن تأزمت وضعية المهاجرين. ومن جانب آخر، جرى الاستعداد للاندماج في السوق العالمية مبكرا، وهو الدرس الرابع.

- الاندماج في السوق العالمية

كما تقدم، اتفق الجميع على الاختيار الليبرالي. وقد شكلت توسعات الاتحاد الأوروبي الآلية القوية لاندماجه في الاقتصاد العالمي. ومما يبين الوعي السياسي لدى قادة الاتحاد أنهم فطنوا إلى أن السلاح القوي لمواجهة تحديات العولمة هو التكتلات الاقتصادية القوية، علما أن أمريكا لا ترغب في رؤية تكتلات تنافسها.

إن قراءة متأنية في تجربة الاتحاد الأوروبي تمكن من تسجيل مجموعة من الاستنتاجات منها: أن توفر الإرادة السياسية الحقيقية يمكن من رفع التحديات الاقتصادية والسياسية داخليا وخارجيا. وأن أي تفاوض مع القوى العالمية يفرض وجود تكتلات اقتصادية واجتماعية وعسكرية قوية. وأن دمقرطة المؤسسات، وحرية الإعلام، والعدالة الاجتماعية... تمثل المرتكزات الحقيقية للتنمية في كل بلد، وفي كل تجمع جهوي إقليمي.

لقد خلفنا موعدنا مع التاريخ منذ تأسيس "اتحاد المغرب الكبير" في فبراير 1989 بمراكش. واليوم، أصبحت إعادة بنائه على أسس قوية ضرورة، لأنه لم يعد بإمكان أي دولة لوحدها أن تتجاوز تحديات الأمن والهجرة والبطالة.... كما أن استمرار الصراع حول السلطة في ليبيا يهدد المنطقة برمتها وجوارها الإفريقي.   

ولنبدأ صفحة جديدة، مغاربيا، دعا العاهل المغربي الجزائر الشقيقة، في خطابه للسادس من نونبر 2018، بمناسبة الذكرى 43 للمسيرة الخضراء، إلى فتح باب الحوار لحل المشاكل العالقة بين الدولتين  من خلال آلية سياسية مشتركة من دون شروط مسبقة. وهي رسالة سياسية قوية، مضمونها، دعنا نحل مشاكلنا بأنفسنا ولا نترك فرصة التحكم في مصيرنا المشترك للوساطة كيفما كان نوعها ووزنها الدولي.

نختم بقولة المؤسس الروحي للاتحاد الأوروبي  في مؤتمر روما (1957)  وهو "جون موناي": "إننا لا نؤلف بين دول وحكومات بهذا العمل وإنما نؤلف ونوحد بين بشر".

إن كل النخب في دول المغرب الكبير، مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى، بالقيام بدورها كاملا من أجل إعادة بناء اتحاد المغرب الكبير على أسس قوية، قبل أن تعصف بنا رياح التحولات الخطيرة الجارية انطلاقا من الشرق الأوسط. 

أحمد بلمختار منيرة، إعلامي وباحث