الخميس 13 ديسمبر 2018
كتاب الرأي

العضراوي: الرقابة القبلية و البعدية وأثرها على مالية الجماعات المحلية

العضراوي: الرقابة القبلية و البعدية وأثرها على مالية الجماعات المحلية ميلود العضراوي

لماذا نستعمل حق الرقابة القبلية والبعدية في مالية الجماعات؟ هل نشك في ذمة المجلس؟ أم هل نخاف على المال العام من المساس والسرقة؟ هل هناك ما يخيف على المال العام، كي نطالب بالرقابة الدائمة على الآمر بالصرف الجماعي؟ أكيد أن الإجراء الرقابي مظهر متميز من مظاهر التدبير الشفاف للمالية العمومية ولا علاقة له بالفساد أو الطهارة فلا شك أن الحديث عن الفساد كظاهرة إدارية مرتبطة أكثر بالجماعات المحلية؛ حديث يدور حوله نقاش عمومي واسع النطاق وإدانته صارت متداولة من قبل الحكومة وأجهزتها الرقابية والهيئات والأحزاب والمواطنين. القاعدة تقول دائما "حيث يوجد المال يوجد الفساد"، وهي قاعدة يمكن خرقها بواسطة الشفافية والنزاهة، في حين لا ينبغي لأحد ان يشعر انه المقصود بذلك ما دامت الشبهة بعيدة عنه، وبكل بساطة، على الفاسد أن لا يكون فاسدا كي لا يتضرر من اللوم، وعلى غير الفاسد أن لا يأبه لهذا الكلام، فهو أمر لا يهمه في شيء؟ حيال هذه الوضعية البالغة التعقيد، هناك خوف من فعل الذكاء السلبي الذي غالبا ما يوظف في عمليات النصب والاحتيال للتغطية عن عمليات السرقة الفعلية بطرق مجازية، لذلك فقد أصبح ضروريا تفعيل الرقابة القبلية والبعدية معا لدورهما في تمحيص مالية الجماعة والتدقيق فيها بمقتضى قوانين وصلاحيات تقتضي المراقبة اللصيقة للنشاط المالي للجماعة. يجب تقنين نشاط الآمر بالصرف وتسقيف صلاحياته في الإنفاق، ولهذا السبب اجتهدت اللجنة المالية في البرلمان من أجل إخراج المرسوم رقم 2.17.451 المتعلق بهذا الإجراء وفوضت حق الاختصاص والتفعيل لوزارة الداخلية .

على العموم يتجلى دور الرقابة القبلية بعد وضع الميزانية والمصادقة عليها مباشرة ويأتي دور هيئة الرقابة البعدية حين تباشر الجماعة تنفيذ مشاريعها الاستثمارية. ولعل الهدف من ذلك كله هو حماية المال العام من التبذير أو سوء التدبير سواء كان مقصودا ونسميه فسادا أو غير مقصود ونسميه اخلال بالمسؤوليات وتقصير، وفي كلتا الحالتين يعاقب الرئيس عن نتائج سياسته التدبيرية انطلاقا من معيار الشفافية والمبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة، وبناء عليه وعلاقة بموضوع جماعة سبت جزولة يبدو سؤال الى أي حد تطبق وزارة الداخلية صلاحياتها في فرض الرقابة المالية على خزينة جماعة سبت جزولة وتمحيص المشاريع الجماعية التي يطالها التآكل  ويعاد برمجتها السنة بعد الأخرى؟

أكيد أننا نخاف على مالية الجماعة من الأضرار المحتملة ولا نوجه اي اتهام لأحد ولكن المصلحة تقتضي أن نتعامل بالقانون ؟ فإذا كنا نتحدث عن ملف وصل إلى القضاء يحتسب بالملايير في جماعة فقيرة كخميس نكة، فكيف لا نتصور، افتراضا، المليارات التي قد تتعرض لنزيف محتمل في جماعة كجزولة ؟ فميزانية هذه الجماعة تقدر بالمليارات سنويا، ومجرد مقارنة بسيطة بين ملياراتها ووضعها المزري يحيل مباشرة على سؤال؛ أين تم انفاق هذه الثروة الهائلة؟ لماذا هي البلدة على هذا المستوى المدمر من الاهتراء والخراب؟ لماذا لا توجد بنية تحتية متينة ومعمار في المستوى المطلوب ومجال بيئي سليم ومشاريع استثمارية مفيدة ومؤسسات ومصالح عمومية تشبه باقي المدن الأخرى ؟ هناك الفراغ فقط، والفراغ الكبير، والغريب في الأمر أن المسؤولين في القرار الحكومي لا يطرحون أسئلة حول ما يجري؟

الفساد الجماعي في المغرب لم يعد سرا لأنه ضرب الرقم القياسي في حجم التطاول على المال العام. ففي سنة 2016 أحالت الحكومة على النيابة العامة حوالي 18 ألف قضية فساد تشكل قضايا الفساد الجماعي منها نسبة كبيرة، وخلال هذه السنة ربما ستحيل ضعف هذا العدد وإلى عهد قريب أحال وزير الداخلية 25 رئيس جماعة على القضاء وخمسون آخرون في انتظار دورهم؛ وأكثر الملفات؛ نهب المال العام والترامي واستغلال العقارات التابعة للجماعة والفساد الانتخابي والتزوير في الفواتير وفي التقارير الرسمية ومحاضر الدورات لاتخاذ القرارات الانفرادية وتضخيم نفقات المحروقات والتلاعب في الصفقات العمومية والرشوة وعرقلة المشاريع العمومية والتمويه بمشاريع وهمية وما الى ذلك ؟ وغير بعيد اي بالأمس فقط تم تفعيل شكاية عن طريق النيابة العامة بالرباط ضد رئيس جماعة بإحدى الجماعات ينفق أكثر من 120 مليون سنيتم لحوالي 70 من المياومين الأشباح لا يشتغل منهم سوى 12 عاملا في النظافة(ج الصباح ع يوم الاثنين 5 نونبر 2018 )،كون الآخرين يشكلون جيشا احتياطيا للبلطجة يشتغل في الحملة الانتخابية لفائدة الرئيس، وقس على هذا المنوال في العديد من الجماعات بالمغرب، حيث فضائح التزوير والنفخ في فواتر البنزين ومواد التنظيف والإنفاق العشوائي؛ عمليات مألوفة. سؤالنا هل يمكن استثناء جماعة جزولة من كافة الخروقات السابق ذكرها؟ واستثناء المجلس حتى من إجراء الرقابة المواكبة التي تحدثنا عنها من قبل. فلا شك أننا اذا سلمنا بطهارة المجلس المنتخب لجماعة جزولة من أي من اختلال محتمل؛ سنكون أمام مجلس مثالي برئيس مثالي نموذج في النزاهة والشفافية واحترام القانون ؟

ماذا لو تم فتح كل هذه الملفات بجماعة جزولة فقط من أجل الرقابة المشروعة وبالعودة الى الماضي القريب، علما أن القضايا المالية لا يطالها التقادم؟ ملف المياومين على مدى السنوات الثلاثة الماضية على الأقل؟ هل هو سليم من الشوائب لا يطاله العبث، ليس به مشغلين أشباح سواء كانوا يتقاضون أجورهم من مصلحة الإنعاش الوطني أو من خزينة الجماعة، فهو مال عام على أية حال يجب معرفة طريقة صرفه؟ ماذا لو تم التدقيق في كراسات المحاسبة لاستبيان مصداقية الأرقام التي نصادفها في التقارير الرسمية والمبالغ التي توجد في فواتير المحروقات والصوائر وتكاليف التجهيز والتعويضات عن التنقل وحصيلة الضرائب والرسوم الأسبوعية ومداخيل المرافق الجماعية ووضع المرافق الجماعية والوعاء العقاري للجماعة ؟ علما أن هذه أمور تصغر بكثير أمام الملفات الكبيرة المتعلقة بالمشاريع الجماعية والاستثمارات التي تبدأ وسرعان ما تقف من حيث بدأت؛ حالة المسبح البلدي وإلى حد ما الملعب البلدي الذي تبدأ فيه الأشغال ثم تقف واستغرق ذلك عدة سنوات وأشغال شبكة الربط بمياه الصرف الصحي والماء الشروب وكهربة الأحياء العشوائية وغيرها..؟

لا شك أن نشاط جماعة جزولة المالي يحتاج إلى افتحاص دقيق ومراقبة متواصلة وفي حاجة ماسة لتطبيق الرقابتين معا الرقابة القبلية والبعدية، إجراء الرقابة القبلية وحين تنفيذ المشاريع تطبيق قانون الرقابة البعدية، لأن لذلك فوائد كثيرة منها أولا أن هذا الإجراء يعتبر من أنجع آليات التدقيق في المالية العامة لحمايتها وضمان سلامتها والحفاظ عليها. ثانيا تطبيق إجراء الرقابتين معا تمحيص لمصداقية العمل النيابي وتخليصه من كل الشوائب وتنقيته من المؤثرات السلبية وتعزيز ضمانات الشفافية والنزاهة والمصداقية في العمل الجماعي وتكريس القيمة الأخلاقية للعمل النيابي واعتباره بالدرجة الأولى سلوكا مواطناتيا.