الخميس 13 ديسمبر 2018
كتاب الرأي

سعيد الكحل: احذروهم فهم يَكِيدُون

سعيد الكحل: احذروهم فهم يَكِيدُون سعيد الكحل

إلى أين يقودون هذا الوطن؟ سؤال بات يؤرق غالبية فئات الشعب المغربي منذ ترأس حزب العدالة والتنمية الحكومة عقب تصدره نتائج الانتخابات التشريعية سنة 2011 التي قاطعتها نسبة مهمة من الناخبين. وازداد القلق والأرق مع إقدام حكومة البيجيدي الأولى والثانية على تطبيق رزنامة من الإجراءات والقرارات والمراسيم دون اللجوء في غالبيتها إلى المؤسسة التشريعية للمناقشة والمصادقة ضدا على الدستور، الذي ينص على تطبيق الديمقراطية التشاركية في تدبير الشأن العام. باستثناء الباطرونا التي منحتها الحكومة امتيازات مالية وضريبية وافرة، فكل فئات الشعب اكتوت بنار تلك القرارات الجائرة التي تعاملت فيها الحكومة مع جيوب المواطنين وكأنهم مصْدر للثورة؛ إذ وسعت الحكومة من اجتهاداتها، سواء في وضع أنواع جديدة من الضرائب (ضريبة على الوعد بالبيع) أو بالرفع من نسب ضرائب أخرى على عدد من المواد الاستهلاكية وغيرها .

لقد أفلحت الحكومة في خلق مشاكل لا قبل للمواطنين بها من قبل، وآخرها مشكل تثبيت التوقيت الصيفي طيلة السنة رغم الاحتجاجات التي عمّت مدن المغرب وقراه بسبب المخاطر والمشاكل المترتبة عن هذا التثبيت. فكل ما تتقنه الحكومة هو الإجهاز على المكتسبات الاجتماعية للشغيلة والمتقاعدين والذين فرضت عليهم العمل بالتعاقد الذي أبدعته في الوظيفة العمومية حتى تعفي الدولة من مسئولياتها الدستورية ووظائفها السياسية وواجباتها الاجتماعية تجاه المواطنين من حملة الشواهد الجامعية .

هكذا تجتهد الحكومة في خلق كل أسباب التوتر الاجتماعي والاحتقان السياسي والتأزيم المالي بعد أن فاقت ديون المغرب 92 في المائة من الناتج الداخلي الخام دون أن يلمس المواطن أدنى تغيير إيجابي في معيشه اليومي أو تحسن في قدرته الشرائية. من 53 مليار درهم التي كانت ترصدها الحكومة سابقا لفائدة صندوق المقاصة لدعم القدرة الشرائية للمواطنين، لم تعد الحكومة تخصص سوى 14 مليار درهم في انتظار أن تقلصها إلى حد أدنى بعد إلغاء دعم البوطان والسكر الذي تعتزم تطبيقه ابتداء من 2019. فأين ذهبت 39 مليار درهم التي وفرتها الحكومة من صندوق المقاصة وكيف صرفت؟ كل ما سبق ووعد به رئيس الحكومة السابق بنكيران من تحسين أوضاع الفئات الهشة وتجويد الخدمات الاجتماعية (التعليم والتطبيب) لم يتحقق على أرض الواقع، بل العكس هو الحاصل مع تحرير سعر المحروقات وخروجه عن أية مراقبة حكومية .

أمام اتساع قاعدة الفقر وارتفاع نسب البطالة واستشراء ظاهرة الهشاشة الاجتماعية والتهميش المجالي، وتغول الإجرام الذي أفقد المواطنين كل إحساس بالأمن والأمان بسبب خروجه عن الضبط الأمني، فإن التحذيرات المتوالية التي تطلقها جهات رسمية وغير رسمية، وطنية وأجنبية، من انفجار الأوضاع، تستمد مصداقيتها من هذه الأوضاع المتردية التي يعانيها المواطنون على امتداد التراب الوطني. تحذيرات تستوجب من كل المسئولين المغاربة أخذها بكل الجدية والتعامل معها بما يقتضيه الواجب الوطني والدستوري. لقد تحمل المغاربة ما يكفي ويفوق طاقة تحملهم لكل الإكراهات المادية والاجتماعية دون أن تتخذ الحكومة أدنى التدابير للتخفيف من وطأة التكاليف المعيشية أو تكون لها الجرأة السياسية لمحاكمة كل المتورطين في نهب وتهريب وتبذير المال العام، سواء الذين أنجز المجلس الأعلى للحسابات تقارير في حقهم أو لجان التحقيق. ولا شك أن إهمال هذه التقارير يوفر أكبر الفرص للفاسدين من الإفلات من المحاسبة، كما يشجع غيرهم من غالبية المسئولين على تدبير الشأن العام على الاحتذاء بهم طالما ظل القضاء معطلا ولا تطالهم أحكامه .

من هنا وجب التنبيه إلى أن تأزيم الأوضاع السياسية والاجتماعية ودفعها نحو الانفجار لا قدر الله، يخدم بالضرورة أجندة الإسلاميين في عمومهم، مشاركين في العملية السياسية أو معارضين لها. وبينت التجارب التي أفرزها "الخريف العربي" أن القوى السياسية والاجتماعية التي استفادت من هذه الفتن والحروب الطائفية هي التنظيمات الإسلامية باختلاف مشاربها، لما تتميز به من انضباط قواعدها وقوة هياكلها التنظيمية ووفرة موارد تمويلها. فضلا عن إيديولوجية "العنف المقدس" التي تتأسس عليها هذه التنظيمات.

من هنا، وجب على النظام أن يستشعر خطورة الوضع وما يمور فيه وما سيؤول إليه لا قدر الله، في حالة أي انفجار اجتماعي لفئات شعبية باتت خارجة عن كل تأطير ومنفلتة من أية رقابة. إن الوضع العام يستدعي من السلطات العليا أن تستعجل وضع برنامج متكامل لامتصاص غضب الشعب وإزالة أسباب الاحتقان مع إطلاق دينامية سياسية واجتماعية تعيد للمواطنين الثقة في المؤسسات الدستورية وفي العمليات الانتخابية. وليتأكد كل المسئولين من أن الموقع الجغرافي للمغرب وتضاريسه الطبيعية ومحيطه الإقليمي حيث هشاشة الدول وعجزها عن مراقبة حدودها أو حتى الدفاع عن نفسها، كلها عوامل تغري التنظيمات الإرهابية المحلية والدولية.