الأربعاء 14 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

محمد بوبكري: العالم العربي الإسلامي ومخاطر التشبث بـ "الأصل"

محمد بوبكري: العالم العربي الإسلامي ومخاطر التشبث بـ "الأصل" محمد بوبكري

لقد قضت السياسة بمفهومها العربي الإسلامي على مفهوم "الوطن"، وأحلت محله مفهوم "القبيلة" أو "الطائفة"، كما ازدرت الثقافة والفكر والعلم، لأنها تناهض التجديد والإبداع والحريّة، ما جعلها تشلُّ مجتمعات الشرق الأوسط وتتركها جامدة بدون مستقبل، من خلال جعلها عاجزة عن المساهمة في بناء الحضارة الإنسانية. وبالفعل، فقد أصبح العالم العري الإسلامي مجرد جهة جغرافية لا تهتم الأمم بها إلا للاستفادة من مواردها الطبيعية واتخاذها بيدقا في لعبة استراتيجات تلك الأمم، ومن ثمة أصبحت هذه الرقعة من العالم مجرد كرة تتقاذفها أرجل بعض القوى العظمى والإقليمية، وصحنٍ في مطبخ تلك القوى.

لقد نجم عن هذه الوضعية ضمور الطاقة الخلاقة لدى مجتمعات العالم العربي الإسلامي، وساعد على ذلك تمسكه الغريزي والنفسي بـ "الأصل" والتقليد بدعوى أنه يجسد الأصل الكامل الذي لا يعتريه أي نقص، والماضي المثالي الذي لا يقبل التغيٌّر أو الجديد، لأنه يمثل التجديد ذاته؛ فهو لا يحتاج إلى تأمل ولا مساءلة و لا مراجعة، مع أنَّه إذا كان من المتعذر محو الأصل أو التنكر له، فبالإمكان أخذ مسافة منه. وقد أدى ذلك التمسك إلى تكريس الانغلاق والجمود، واستفحال العنف والحروب في العديد من أنحاء العالم العربي الإسلامي اليوم.

تنظر الثقافة السائدة في هذا العالم إلى "الأصل" بكونه هو الحياة والمصير، وباعتباره الحقيقة منها تنحدر كل الحقائق، ومن ثمة فلا حقيقة تعلوها أو تحل محلها. ولهذا تم اختزال الواقع في كونه مجرد مجال لإنجاز دلالات هذا الأصل ومعانيه، فأصبح العنف يمارس في هذا العالم باسم هذا الأصل نفسه، رغم أن العنف، من حيث طبيعته، يتناقض معه جذريا، فصار الأصوليون يعتقدون أن الخلاص كامن في ذلك الأصل كما يفهمونه ويؤمنون به ويدعون إليه، مع أنَّ مجال الاجتهاد في فهم وقائع الماضي وحقائقه يجب أن يظل مفتوحا، والحقائق التي تمَّ التوصل إليها في شأنه والأخرى التي سيُتوصَّلُ إليها لاحقا، سيُتوصَّلُ، ستكون بالضرورة متباينة ونسبية... بل لقد صار الأصوليون يرون المختلف مع فكرهم "كافرا" يجب قتاله وإلغاؤه ومحوه..

لا يدرك الأصوليون أن التفاعل بين الأصل والواقع يقتضي اعتبار المسافة الفاصلة بينهما، إذ يلغيها تفكيرهم وُيحِلُّ الأصلَ محلَّ الواقع. لذلك، فالدين عندهم ليس تجربة روحية وإنسانية، ولا تجربة أعماق، ولا كشوفات إنسانية ولاهوتية وإبداع، وإنما هو على العكس مجرَّد نشاطات طقوسية مشهدية تؤثث فضاء الواقع. ولا نرى وراء ذلك إلا إرادة السلطة، لأننا لا نجد عندهم أي تأمل كياني في الإنسان والوجود، وفِي أحوالهما وأسرارهما، كما يغيب عندهم أي تطلع إلى تحقيق المزيد من الكشف المعرفي.

إضافة إلى ذلك، يعتقد الأصوليون أن الأصل لا يتجدد، بل إنه ثابت لكونه مركز الكون، والمحور الذي يدور التاريخ حوله، ولذلك فهم لا يعون أن الأصل متضمن لبعد الممارسة في نشأته وتكوينه، وأن الممارسة تاريخ، والتاريخ يتغير باستمرار،   لأنه سيرورة وتحول متواصل.

هكذا تحوَّلَ الأصل في الممارسة لدى الأصوليين إلى "صورة" تبعا للطوائف الدينية ونزاعاتها وممارساتها «السياسية»، وهذا ما يفسر نشوء العنف والطغيان لدى هذه الجماعات، وصراع كل واحدة منها مع مثيلاتها ومخالفيها والمختلفين عنها لتتمكن من فرض ممارستها وفهمها الخاصين للأصل، مما يطرح معضلة كبرى.

وتجدر الإشارة إلى أن "التكفير" والعنف والإرهاب والقتل لا يحل هذه لمشكلة، إذ لا حل لها إلا في الحرية وبها. فبدون ذلك، ستدفعُ الثقافة التي تنهض على "الأصل" المجتمعاتِ العربيةَ الإسلاميةَ إلى خارج الواقع الإنساني الموضوعي، وإلى إحلال الوهم محله.

فالله سبحانه في أفكار هؤلاء الأصوليين وممارساتهم مجرد "لفظة" وليس "فكرة" مثلما كان ما سُمِّي بـ «التغيير» في "الربيع العربي" مجرد "لفظة". وهذا ما يدل على أن الأصوليين قد حوَّلوا الأصل إلى مجرد "معتقل"، والعقل إلى مجرد آلة (أدونيس).

مما سبق، يمكن قول إن فهم الأصولية للأصل هو فهم ضيق ومحدود لا يفضي إلا إلى العنف والحروب. وهذا ما جعل بعض القوى العظمى توظفه لتفتيت الأوطان بالعالم العربي والإسلامي.