الأربعاء 14 نوفمبر 2018
سياسة

التعيين في المناصب العليا.. سلاح «البيجيدي» للتحكم في مفاصل الدولة

التعيين في المناصب العليا.. سلاح «البيجيدي» للتحكم في مفاصل الدولة رئيس الحكومة سعد الدين العثماني

"انتشروا وتغلغلوا في مراكز اتخاذ القرار، فإني مباهٍ بكم الأمم والعباد والأحزاب، ومعول عليكم يوم الحاجة".

لعل هذا هو حال لسان رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، وقبل ذلك سلفه عبد الإله بنكيران، وهما يخاطبان خلاياهما النائمة واليقظة، عن طريق استغلال بشع لروح ومقاصد القانون التنظيمي المتعلق بالتعيين في المناصب العليا للتغلغل في مفاصل الدولة والتحكم فيها.

ولعل ما يبرز سوء نية والقصد السيء لحزب العدالة والتنمية في السيطرة على مفاصل اتخاذ القرار في الإدارة العمومية، هو أن القانون التنظيمي المتعلق بالتعيين في المناصب العليا، تم استصداره على وجه السرعة، بعد تبني دستور فاتح يوليوز 2011، وعلى أهميته وأهمية باقي القطاعات التي تحتاج لنفس السرعة في استصدار قوانينها التنظيمية، تم التلكؤ في إصدار باقي القوانين التنظيمية من طرف الأصوليين.. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تم شن هجوم قوي ضد أطر المؤسسات العليا ضمن الحرب الاستباقية من لدن بنكيران، متوعدا إياهم بالحساب العسير وكشف ملفاتهم.. والحال أن هذا الهجوم كان من أجل تثبيط عزائم المعينين في المناصب العليا قبل فاتح يوليوز 2011، وهو ما جعل دواليب الإدارة والمؤسسات تتوقف بشكل شبه شامل، ورفض عدد من الأطر ممارسة مهامهم الأصلية، إما تخوفا من تهديدات رئيس الحكومة السابق، أو لتحديه لكشف هذه الملفات، وعرفت الدولة شبه شلل في مرافقها، استمر زهاء ستة اشهر من بداية تولي بنكيران لرئاسة الحكومة.. والحقيقة أن هذه الفترة من الشلل الإداري كانت من أجل وضع الحزب لقواعده وامتداداته في مختلف المناصب السامية، وهو ما تمكن من تحقيقه بعد صدور القانون المتعلق بالتعيين في المناصب العليا..

ويبدو أن زرع حزب العدالة والتنمية لأطره في الإدارة العمومية ومفاصل الدولة، يتوخى منه تكثير سواد حضوره ومن ثم التحكم مستقبلا في القرار، وهذه أبرز الملاحظات في كيفية ضمان ولاء اطره للحزب لا للدولة:

© منذ سنة 2012، عمد الحزب الأغلبي (العدالة والتنمية) إلى تغيير المسؤولين الكبار بمختلف القطاعات الوزارية بطريقة عشوائية وتعويضهم بالأطر العليا التي تعلن ولاءها للحزب، وذلك من أجل إفراغ الإدارة العمومية من الكفاءات وإشاعة التذمر في الأوساط الإدارية.

© إقصاء الكفاءات الإدارية وتعيين الموالين خاصة على مستوى مناصب المسؤولية (رؤساء الأقسام ورؤساء المصالح) من أجل إعدادهم للمرحلة المقبلة لتحمل مسؤولية المناصب العليا (المدراء المركزيون والجهويون)، وبالتالي السيطرة على مختلف مفاصل الإدارة العمومية.

© الالتفاف على المساطر القانونية برفض نتائج المباريات لثلات مرات متوالية مما يمنح للوزير حق التعيين المباشر، وهو حق أريد به باطل لأنه يضرب عرض الحائط التنافسية وتكافؤ الفرص ويتيح المجال للمحاباة والمحسوبية. وقد مارس هذا الباطل الوزير الرباح لما كان يتولى إدارة التجهيز والنقل واللوجستيك.

© اعتماد الولاء الحزبي في تعيين مسؤولين داخل الدواوين الوزارية في المناصب العليا في إطار توزيع الأدوار بين وزراء العدالة والتنمية، والمثال الصارخ على ذلك تعيين مدير ديوان الوزير الداودي، في منصب مدير التعاون والشراكة في قطاع التعليم العالي والبحث العلمي بوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، وهو القطاع الذي يديره خالد الصمدي، الوزير عن حزب العدالة والتنمية.

© اللجوء إلى الحركية الداخلية في ولاية العثماني للمحافظة على وضعية الموالين للحزب الأغلبي الذين تم تعيينهم في ولاية بنكيران دون مراعاة طبيعة التكوين وملاءمته للمنصب، حيث يتم نقل مدير للموارد البشرية إلى منصب مدير للأنظمة المعلوماتية والعكس صحيح، وهي حالة وزارة التجهيز والنقل واللوجستيك والماء، حيث حافظ الوزير اعمارة على نفس المسؤولين الذين عينهم الوزير الرباح.

© اللجوء إلى الحركية الخارجية ومد حبل النجاة للمسؤولين المهددين بترك مناصبهم حيث يتم إلحاقهم بشكل مباشر بقطاعات وزارية أخرى يتولاها الحزب الأغلبي، وقد شكلت حالة عبد المنعم المدني تعبيرا صارخا عن هذا الاستهتار بالكفاءات، حيث تم نقله إلى الوكالة الوطنية للتشغيل على الرغم من مشاركته في مباراة شغل منصب مدير التعاون الوطني التي لم يتم الإعلان عن نتائجها وما أسفرت عنه. وهي نفس حالة الكاتب العام لوزارة الاتصال التي كان يديرها الوزير الخلفي، والذي عين في منصب مماثل بوزارة الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة الذي يشرف عليها الوزير الرباح.

© رسم تحالفات منفعية مرتبطة بالمناصب العليا بعيدا عن منطق الأغلبية الحكومية، أي أغلبية داخل الأغلبية الحكومية وهو ما ظهر مع التحالف المنفعي بين العدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية. فرئيس جامعة أكادير الذي كان أقرب إلى الاتحاد الاشتراكي يغير لون تعاطفه نحو التقدم والاشتراكية الذي تدخل للحفاظ له على منصبه. ونفس الحزب الذي ضمن لعضو سابق بفرعه بمراكش منصب الكاتب العام بوزارة الصحة على الرغم من التحاقه بالتجمع الوطني للأحرار.

(تفاصيل أوفى تقرؤونها في العدد الحالي من أسبوعية "الوطن الآن")