الخميس 15 نوفمبر 2018
فن وثقافة

محمد الوادي : رواية "وداعا رانقة" تمزج الواقع بالأسطورة لتخاطب وجدان المتلقي

محمد الوادي : رواية "وداعا رانقة" تمزج الواقع بالأسطورة لتخاطب وجدان المتلقي الدكتور محمد الوادي وغلاف روايته "وداعا رانقة"

في إطار الاحتفالات بذكرى المسيرة الخضراء، تنظم جمعية "الدعم التضامني للمرأة والطفل في وضعية صعبة" وجمعية "مسرح رمسيس للفن والثقافة" بشراكة مع جمعية "وقف لإحياء التراث العلمي والثقافي والخيري"، ومجلس دار الشباب النجمة بالحي الحسني بالبيضاء، حفل تكريميا، احتفاء بالروائي والمسرحي الدكتور محمد الوادي، وذلك يوم الجمعة 9 نونبر 2018 بدار الشباب النجمة، ومن المنتظر خلال هذا الحفل التكريمي توقيع رواية المحتفى به "وداعا رانقة".

"أنفاس بريس" التقت بمحمد الوادي وأجرت معه حوارا حول روايته "وداعا رانقة"، تحدث فيه عن شكل ونوع روايته وبطليها "رانقة" و"حمدان"، وعن إقبال المغاربة على قراءة الروايات الأدبية. كما تطرق مُحاورنا لواقع الثقافة في منطقة الحي الحسني بالبيضاء.

بقراءة في عنوان "وداعا رانقة" وبحث عن مفهوم ودلالة "رانقة"، يتضح أن هذا الاسم غريب وغير موجود في معاجم وقاموس اللغة العربية. نجد رائقة ولا نجد رانقة بحرف النون .. لماذا "وداعا رانقة" وما مصدر هذا الاسم؟

"رانقة" هي معشوقة "حمدان" في الرواية، وهما بطلاها، وجاء الوداع رمزيا، بعد سلسلة من الإخفاقات، ويمكن الإطلاع من خلال تصفح الرواية على الأحداث والمجريات والمواقف التي سبقت هذه الإخفاقات، لكي لا أفقد الرواية عنصر التشويق. فعلا اسم "رانقة" غريب وغير موجود عالميا، وقد بحثت عنه لكن لم أجده، أنا أعطي دائما للبطلة في رواياتي أسماء قريبة من "ربعاء" و"راء" إلخ .. وهي حروف لها أثر رمزي في مخيلتي. عندما وجدت الإشكال في تعريف هذا الاسم، انسجم هذا الاختيار مع الخروج عن المألوف، والاختلاف عن ما هو متداول، ولعل التساؤل حول معنى "رانقة"، حافزا لقراءة الرواية، للتعرف عليها أكثر، فهي أنثى، لكنها تتعدَّدُ بشكل رمزي وفي الرواية تلبسها شخصية أخرى وهي "جنية" اسمها : "ليليان"، إذ تتمثل "رانقة" أمام حمدان خلال فصول من الرواية في صورة "رانقة"، فحسب الخيال الفني لهذا المصنف الأدبي يقع استلاب بين الشخصيتين، لتراقب "رانقة" في صورة "ليليان" البطل حمدان طول حياته، سعيا منها إلى إحصاء ورصد سكناته وحركاته، في سياق أحداث مشوقة تكشف عنها صفحات الرواية.

تتوسل في روايتك خاصية المزج بين الخيال والأسطورة، لكن تنطلق من أحداث واقعية يمكن أن تحدث في زمن ومكان محددين .. ماهي الغاية من هذه التركيبة السردية الروائية بالنسبة لك ؟

عندما نصوِّرُ الواقع الاجتماعي الحقيقي دون ربطه بالخيال والأسطورة، نرتدي قبعة المُصَوِّر الفوتوغرافي، ذلك أنه عندما يصور الفوتوغرافي بعدسته حديقة أو منزلا أو غابة أو مغارة إلخ .. يعني أنه يعيد إنتاج ما هو موجود فقط، بشكل مادي محض وهنا أقصد القاص أو الروائي في تشبيهه بمهني التصوير، دون المس جوهرا بمهنة التصوير الفوتوغرافي، التي وجدت لهذا الغرض، أي نقل الواقع حرفيا وهذا ما تحتمله، لكن في القصة والرواية والمسرح عندما ننقل القارئ لما هو خيالي وأسطوري، مع الارتباط بالواقع في بداية الحكي أو خلال مراحل موالية داخل نسق أحداث وأمكنة واقعية، نحقق هدفا جميلا وخلاقا وهو نقل المتلقي إلى عوالم أخرى أكثر رحابة، لكي نخاطب وجدان المتلقي، ونحفزه على تشغيل ذهنه وذاكرته، وإنماء خياله وتهذيب ذوقه، لكن وجب في نظري الالتزام بطريقة سلسلة ومفهومة تزاوج بين الأسطورة والواقع والتاريخ والثقافة وعلم الاجتماع والفلسفة والصوفية، وهي تركيبة تحقق الإمتاع والتثقيف وإشباع الفضول الأدبي، لأنها حتما ستكون مصحوبة بتساؤلات فلسفية و روحية ومقاربات لها بشكل أو بآخر، حسب إدراك كل قارئ وحنكة وتمرس كل روائي.. وفي الاختلاف رحمة وتنوع.

لابد أن أشير أن "حمدان" في الرواية هو كاتب و رانقة : مُمثلة، يعني أن الرواية تدور داخل حقل ثقافي وفني، فهي رواية من الثقافة وإلى الثقافة.

انطلاقا من توضيحك أن روايتك "وداعا رانقة" هي من الثقافة وإلى الثقافة.. هل يُمكن أن نصنفها ضمن لائحة الروايات الموجهة للنخبة المثقفة فقط ؟

رواية "وداعا رانقة" موجهة للعموم، في أسلوبها البسيط أو المُبسَّط بمعنى أدق.. في قصتها التي تدور حول مسار حمدان في الحياة، منذ طفولته وخلال تنقله من البادية لاكتشاف مناطق أخرى ورحلاته من مدينة إلى مدينة .. وأيضا في تفاعله مع قصة الحب التي ستجمعه مع طالبة في مرحلة السلك الثانوي. إذن هذه الرواية تهمُّ عموم القرَّاء، وتنطلق من صميم الواقع. القارئ المغربي مثله مثل أي قارئ في العالم، إذ وجد الرواية أو القصة غامضة وكأنها منسوجة بـ "طلاسيم" صعبة التفكيك وإعادة التركيب، سوف يضعها جانبا ولن يتابع قراءتها منذ الصفحة الأولى، وهنا أتحدث عن القارئ العادي، ولكن إذا وجد الرواية أو أي شكل من أشكال الإبداع، سلسا ومشوقا وبحبكة جميلة وجاذبة، تمسُّ واقعه وتساؤلاته وانتظاراته الروحية والمادية، فسوف يتابعها دون ملل. في رواية "وداعا رانقة" يعيش حمدان في طفولته رحلة وإرهاصات التساؤل حول الذات الإلهية، إذ يظن أنه إذا صعد للجبل سيقترب من السماء وسيجد الله سبحانه وتعالى، هنا نلمس البعد الفلسفي في الرواية، لكن بطريقة بسيطة، وهي أمور واقعية تملكت وجدان وروح كل إنسان في طفولته خلال السعي لإدراك وجود الله ماديا.

سوف يتم تكريمك في "دار الشباب النجمة" بالحي الحسني.. وهي مناسبة لسؤالك حول واقع الثقافة في منطقة الحي الحسني، بحكم أنك فاعل جمعوي بالمنطقة وكنت مسؤولا عن الشأن الثقافي في فترة سابقة ..

الحي الحسني زاخر بالطاقات الإبداعية في الثقافة .. المسرح والإعلام إلخ.. واكبت الفعل الثقافي في الحي الحسني منذ سنة 1983 إلى حدود اليوم، يعني رحلة طويلة، اشتغلنا فيها رفقة مثقفين وفنانين بداية من دار الشباب الحي الحسني، وفعلا واكبت الفعل الثقافي كفاعل وكمسؤول بالحي الحسني، وكنت دائما ولازلت أقول داخل وخارج المنطقة، أن الحي الحسني مليء بالطاقات الفنية في الشعر في المسرح في الرواية في القصة إلخ، وهذه ليست مجاملة.. هي حقيقة. المشكل هو غياب فضاءات أرحب لتصريف هذه الطاقات، وإعطاءها فرصة التعبير عن ذاتها، وأشبِّهُ الحي الحسني رمزيا بقرية نائية، مليئة بالمنتوجات الفنية والثقافية. ونحن على مشارف 2019 لازال الحي الحسني، المنطقة الوحيدة التي لا تتوفر على مركب ثقافي، أي نعم تم تشييده بطريق الجديدة، لكن هل أصبح جاهزا أم لا؟ هو سؤال لا جواب عنه منذ مدة طويلة. الحي الحسني يستحق أكثر من مركب ثقافي، نظرا لغزارة طاقاته الإبداعية، وغياب فضاءات لتصريف هذه الطاقات يجعل الثقافة متعثرة بالمنطقة.