الخميس 13 ديسمبر 2018
كتاب الرأي

مصطفى المتوكل الساحلي: بناء الوطن هو بناء للإنسان، وبناء الإنسان هو بناء للوطن..

مصطفى المتوكل الساحلي: بناء الوطن هو بناء للإنسان، وبناء الإنسان هو بناء للوطن.. مصطفى المتوكل الساحلي

"... والواقع أن المغرب يحتاج، اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى وطنيين حقيقيين، دافعهم الغيرة على مصالح الوطن والمواطنين، وهمهم توحيد المغاربة بدل تفريقهم؛ وإلى رجال دولة صادقين يتحملون المسؤولية بكل التزام ونكران ذات". (من الخطاب الملكي أمام البرلمان يوم الجمعة 12 أكتوبر 2018).

"... إن الفكر التقدمي منطلقه ومنتهاه التفاؤل، وإلا فلن يبقى مبرر للنضال. ولن يبقى كذلك مبرر للنضال إذا ادعينا احتكار الحقيقة. لذلك فلزوما أن نعتبر مجهودنا هذا بداية في التوضيح، وأن تبقى عقيدتنا متفتحة وقابلة للتغيير والاستفادة من الدروس والتجارب". (من مقدمة الشهيد عمر بنجلون للتقرير الإيديولوجي بالمؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي، الدار البيضاء 10/11/12 يناير 1975).

قراءة في التركيبة والطبقات الاجتماعية في أية دولة يطرح ويجيب على الكثير من الأسئلة، منها ما يتعلق بطبيعة وحجم الفوارق بين الطبقات، ومستوى درجات الثراء والغنى، ودركات الفقر والخصاص، والمكانة الاجتماعية والقدرات المادية للشغيلة والمنتجين الصغار والمتوسطين، هل تنجذب إلى الأدنى والضعف؟ أم تتقوى بفعل سياسات عادلة بجعل الثروة وفائضها في خدمة صناع الثروة والخدمات وأعمال كل الذين يضمنون دينامية وتقدما في الدورة الاقتصادية، وارتفاع وتحسن إيجابي في مستوى عيش الكادحين والفقراء؟ ...

إن تدبير وإدارة المصالح الاقتصادية المشتركة هي التي تتحكم في البناء الطبقي للمجتمع، لهذا فالصراع الطبقي يتقوى عندما تختل موازين العدالة الاقتصادية والاجتماعية، وعندما تتضرر القيم الإنسانية وتتسع الهوة بين مكونات المجتمع بشكل يجعل المتضررين يشعرون بظلم كبير وعدم اعتراف بهم وبحقوقهم... إن كل سياسة توضع على قاعدة غير معلنة تكرس وترسم وضعية طبقة الفقراء، وتمس بمكتسبات وحقوق الطبقة الوسطى الضامنة للاستقرار والتماسك وتحريك الاقتصاد الصغير والمتوسط..، لا يمكن لها أن تحقق أي تنمية مستدامة ولا أي توازن اجتماعي .

إن القوانين هي التي تضع مساطر وأنظمة تدبير وإدارة الثروة والاقتصاد، والتي تعرف اتجاهاتها وتصوراتها انطلاقا من نتائجها وانعكاساتها على الواقع الاجتماعي ووضعية الإنسان المادية والمعنوية..

إن الإصلاح الزائف، والذي يقوي احتكار الرأسمال وفائض القيمة والثروات بمبررات سطحية للتنمية بنزعة ليبيرالية غير اجتماعية، يوسع الفوارق ويجعل الاستغلال يتخذ أبعادا تساهم في تغدية حقد وعداء طبقي، لأن كل مظاهر الثراء ستعتبر غير مستساغة في مقابل فقر مدقع.. فإذا أردنا أن تكون التعبئة الشاملة ناجحة والعمل الجماعي مستداما، فالأمر يتطلب أن تكون دولة المؤسسات ديناميكية ومرنة وفاعلة ومتفاعلة وممتلكة لبرامج مرحلية قوية ذات بعد استراتيجي، وقادرة على التأطير والإقناع وسباقة للمبادرات الجدية والواقعية.. كما يتطلب قيام كل مواطن ومواطنة بأدوارهم الكاملة، في ظل احترام للقناعات والاختلافات وتظافر للجهود لإنجاح كل المبادرات الإيجابية، وبجعل قيم التضامن إنسانية ومؤسساتية مشبعة بآداب حقوق الإنسان وكرامته، ومحصنة من كل أنواع الاستعمال  المذل والانتهازي المتخفي وراء الدين أو العمل الحزبي الضيق، مع ضمان أن ينخرط الجميع في الإصلاح والتدبير الجيد اقتصاديا واجتماعيا  ..

 إن مبدأ التضامن لا يجب أن ينحرف في اتجاه تكريس التمايز والتفاوت الطبقي وتكريس الدونية، وأن لا يستغل باسم الإحسان المفترى عليه... إن وجود فوارق مجالية صارخة يكون تأثيرها كبيرا على استقرار السكان ومستوى الخدمات.. ويزيد الأوضاع تعقيدا وتناقضا، ويتخذ أبعادا غير معقولة تؤثر في مستوى الوعي والتماسك بين المناطق المهمشة، والتي تعتبر "مستفيدة"، وبين المغرب العميق في الزوايا النائية المفتوحة والمغلقة بالجبال والأراضي القروية بمختلف أنواع تضاريس وجغرافية الأمكنة... إن إنجاح النهوض بالمجتمع يتطلب الإقدام على تغيير جوهري يرجع المصداقية للتعليم العمومي العام والمهني والتقني وربطه بسوق الشغل، كما يتطلب نهضة اقتصادية اجتماعية متنوعة تشمل كل القطاعات في علاقة بسياسة الأجور التي يجب أن تكون مشرفة ومنصفة، والقطع مع نظام الشناقة الوسطاء الذين لاهم لهم إلا احتكار السوق للحصول على الربح الفاحش وزعزعة استقرار الأسعار والإضرار بالمنتجين الصغار من فلاحين وحرفيين، وخلق مؤسسات رسمية قادرة على حماية المنتج الصغير والموزع والمستهلك من الانتهازيين والطفيليين والوسطاء وسماسرة البؤس في عالم السياسة والاقتصاد والمال والإدارة والشؤون الاجتماعية، والذين يشكلون عقبة خطيرة أمام الأوفياء والنزهاء والطاقات الجدية بغض النظر عن موقعهم ومراكزهم ..

إن رهانات التنمية تتقاطع أفقيا وعموديا ومجاليا وقطاعيا، فالمؤسسات الدستورية القاعدية أي الجماعات الترابية المحلية والإقليمية والجهوية -وخاصة المحلية- هي المعيار المرجعي الذي يعتمد ويقاس به التطور وتختبر صدقية العدالة المجالية،، فأغلبية ميزانيات الجماعات المحلية  القروية والمدن الصغرى والمتوسطة، وحتى الأقاليم والجهات، تحتاج سنويا إلى ضخ اعتمادات الموازنة المتعلقة بالميزانيات والتي لا تكفي لتحقيق التسيير العادي في حدوده الدنيا، ناهيك عن الاستجابة لمتطلبات الساكنة لتأهيل وتهيئة وتجهيز النفوذ الترابي للجماعات بما ييسر التنمية، وينهض بالاستثمار ويخلق ظروف التشغيل والاستقرار.

فكيف لنا موضوعيا أن نطالب ممن إمكانياته محدودة أن ينجز ما لم تستطع الحكومة إنجازه على مستوى الطرق والمرافق الاقتصادية والإدارية والاجتماعية والتعليمية والخدماتية..؟

إن وصف الواقع بسيط، كما أن تجميع الاقتراحات والأفكار ووضع البرامج أمر ممكن، لكن هذا يتطلب تجميع ورصد الأموال لإنجاز وإتمام الأوراش المختلفة، وتجنيد القطاعات والمؤسسات بعيدا عن الشعارات والاستهلاك الكلامي، والسعي لتوظيف وتوجيه الثروات الوطنية  لتحقيق الأولويات المسرعة للتنمية وأعمال التشييد والبناء الاقتصادي والاجتماعي، مع تعزيز الثقة وجعل المصداقية والجودة والشفافية من ضوابط المسؤولية والمواطنة، ومشاركة البورجوازية الكبرى وملاك الثروة ضرورية لإذكاء روح المواطنة والتضامن والعطاء والتضحية لرفع منسوب الأمل عند الشعب، ومراجعة الأنظمة المالية الجبائية والضريبية للشغيلة العاملة والمتقاعدة للمساهمة في تحسين مستوى العيش وتحريك الاستهلاك..

إن بناء الوطن هو بناء للإنسان، كما أن بناء الإنسان هو بناء للوطن، وتلازم عمليات البناء وتكاملها يحقق النجاح والتقدم، فبترسيخ النضال والبناء الديموقراطي والحقوقي يتقوى العمل الوطني  ..

كتب الشهيد المهدي بنبركة في مذكرته "الاختيار الثوري" ماي 1962 ".. فلقد كنا حتى الآن، كلما ظهرت الحاجة إلى وضع برنامج، نبدأ التفكير في عدد من الأبواب كالإصلاح الزراعي والتأميم والتخطيط، دون التعرض للظروف التي ستتم فيها هذه التدابير، ولا لتحديد أوقات تنفيذها، بل أحيانا دون ذكر الهدف الذي توضع من أجله، لأن تلك الأبواب إنما ترمز إلى نقط جزئية لابد أن تفضي إلى غاية واضحة. ولذلك فإن أية هيئة كيفما كانت قيمتها تستطيع أن تدخلها في برامجها، مادامت عبارة عن سلسلة شعارات يلوح بها في فراغ"...