الأربعاء 22 مايو 2019
كتاب الرأي

محمد بلمحجوبي: مسيرة المغرب لا تعرف المستحيل

محمد بلمحجوبي: مسيرة المغرب لا تعرف المستحيل محمد بلمحجوبي

إذا كان النموذج التنموي للمملكة اليوم غير قادر على تلبية احتياجات المواطن المغربي، فإن المغاربة يحتجون من أجل تنمية متوازنة ومنصفة تضمن الكرامة للجميع وتوفر لهم الدخل وفرص الشغل، وذلك من أجل الاطمئنان والاستقرار والاندماج في الحياة المهنية والعائلية والاجتماعية، مع ضمان تعميم التغطية الصحية وتسهيل ولوج الجميع إلى الخدمات الاستشفائية الجيدة في إطار الكرامة الإنسانية.. وهذه المطالب تتطلب وضع أسس لتصور جديد لنموذج تنموي ينخرط فيه كافة شرائح المجتمع المغربي كشركاء في الأهداف والتصورات لمستقبلهم التنموي، على إثر التحولات والتقلبات السريعة التي يعرفها العالم.

إن المخططات السابقة التي شهدها المغرب قد تكون في مجملها غير مجدية، وشابها قصور في الرؤيا والوضوح والتراكمات وانعدام الانسجام والتتبع واللاستمرارية، وعرفت تارة اختلالا وإخفاقا رغم بعض النجاحات التي تم تحقيقها على مستوى بعض القطاعات؛ إلا أنها تبقى عاجزة عن تجاوز الإكراهات الحيوية للمواطن المغربي، مما جعل المغرب يسير بسرعتين: مغرب نافع، ومغرب غير نافع..

وفي هذا السياق أوضح صندوق النقد الدولي "أن تحقيق معدل نمو في حدود 5، 4 في المائة في المغرب ليس كافيا، ولا يمكنه التقليص من نسبة البطالة".. وأكد تقرير البنك الدولي أن المستوى المعيشي للمغاربة يعادل حاليا نظيره الفرنسي لسنوات 1950، ودعا إلى الاستجابة لتطلعات الشباب وتعزيز العقد الاجتماعي القائم على النهوض بمجتمع منفتح، وإعادة تركيز الدولة على مهامها السيادية، وتنمية الرأسمال البشري وتعزيز الرأسمال الاجتماعي. ونعلم من جهة، أن المغرب لا يشتغل بخطة اقتصادية واضحة، رغم كونه يتوفر على مخططات قطاعية، فإنه ينقصها الانسجام والانتقالية، رغم توفر المغرب على مندوبية سامية للتخطيط، لكن لا تخطيط لدينا؟

لقد مر المغرب بمراحل صعبة من السكتة القلبية إلى الزلزال السياسي، وهذا راجع إلى ضعف الحكامة والفساد والمفسدين وغياب الرقابة والمساءلة وانتشار اقتصاد الريع، وتهميش شراكة المواطنين في العملية التنموية، وهيمنة المقاربة التيكنوقراطية عوض المقاربة التشاركية، وإخفاقات واضحة للعيان انعكست سلبا على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي، حيث ارتفعت نسبة التفاوت الصاروخي، بين قلة مواطنين يستأثرون بالثروة، وأغلبية الساكنة تراكم البؤس والتفقير والتجويع..

ويبقى التحدي الأساسي هو معالجة هذه التفاوتات من خلال آليات عمومية مبدعة شجاعة وإرادة سياسية لضمان تكافئ الفرص، والقضاء على الانتهازية وأسلوب "الدولة الرزاقة"، والاستيلاء غير المشروع على الثروة، والرجوع إلى العدالة الاجتماعية، لتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية.. نعلم من جهة أخرى أن العدالة المجالية تمر عبر التمركز واللاتمركز، والجهوية الموسعة، والتخطيط الاستراتيجي ذي الأهداف القطاعية الموحدة والمتنوعة، وهذا يتطلب الإسراع في معالجة مشاكل الشباب والبطالة، حيث أنه لدينا 700 ألف في الفئة العمرية ما بين 15 و24 سنة دون شغل ودون تأهيل مهني، كما أن نسبة إدماج المرأة في سوق الشغل تبقى جد ضعيفة.

نحن اليوم في حاجة ماسة إلى العدالة ودولة الحق والقانون في المجال الاقتصادي، وهذا يقتضي من الدولة الصرامة في محاربة اقتصاد الريع والاحتكار والانتهازية، وتقليص الفوارق الاجتماعية، والتحكم فيها، وتفعيل العدالة الضريبية "لمردودية مالية أفضل"، باعتبار أن "كثرة الضرائب تقتل الضريبة". فضمان العدالة المجالية تمر عبر التمركز واللاتمركز حتى نجعل من خصوصيات الجهات أقطابا اقتصادية تنموية (راجع في ذلك البحث العلمي د.محمد بلمحجوبي، المنشور بمجلة الإدارة الترابية).. ولا ننسى ما لنظام الحماية الاجتماعية للمغاربة من تأمين الوضعيات الاجتماعية منها الاحتياط الاجتماعي، والتامين عن فقدان الشغل والمرض والبطالة، وهذا ما يترجم روح التماسك والتضامن والتعاون بين أفراد المجتمع المغربي.

إننا اليوم أمام محطة مهمة جديدة من التحول المجتمعي لبلورة نموذج تنموي جديد يتمحور حول تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية تضع الإنسان المغربي في صلب الاهتمامات الحكومية.. وتجدر الإشارة إلى أن تحقيق النموذج التنموي المنشود هو رهين بانخراط كافة مؤسسات البلاد، وتبقى الجهوية المتقدمة هي الأساس الفقري لتحقيق مسيرة تنمية حقيقية، مثلما وقع في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية من نهضة وتنمية سريعة بفضل مشروع مارشال المتميز بالحكامة والتشاركية.. وإن ما نسعى إليه اليوم من نموذج تنموي جديد لمغرب 2040 يكمن في خطة الطريق المبنية على التوجيهات والمنهجية الواردة في الخطاب الملكي ليوم الجمعة 12\10\2018 في الدورة العاشرة للبرلمان، بحضور مجلسي النواب والمستشارين، والذي يمكن تلخيص محاوره كالآتي:

إرساء العدالة الاجتماعية والمجالية - الاستثمار في التعليم - التجهيزات الاساسية - الخدمات الصحية - ضمان الخدمات الثقافية - الاقتصاد الاجتماعي - التماسك والتضامن الاجتماعي - الاهتمام بالفئات الهشة - إعداد ميثاق اللاتركيز الإداري - ترسيخ نظام الجهوية المتقدمة - بناء علاقات ثقة بين الدولة والمواطن - استرجاع ثقة المواطن بالإصغاء إليه وضمان الشفافية والجودة - تكافؤ الفرص والمساواة بين المواطنين في الاستفادة من الخدمات العمومية - الاستقرار المؤسساتي وانتظام الانتخابات باعتماد مبدأ الاقتراع الحر في اختيار المؤسسات التمثيلية - التعجيل بدينامكية استثمارية جهوية ومحلية ـ ترسيخ الديمقراطية ودولة القانون - العمل على احترام حقوق الانسان وإعطائها طابعا مضمونا دستوريا في بعدها الاجتماعي والمجالي.

وفي الاخير لا يسعني إلا أن أكون متفائلا إذا تكاثفت الجهود والإرادات الحسنة والرغبة الأكيدة لبلوغ هذه الأهداف لبناء مجتمع جديد، متماسك، متضامن، متعاون، وموحد، من أجل تحقيق النموذج التنموي الجديد بشراكة كافة المواطنين في إرساء دعائم صرح البناء الشمولي، والذي نجاحه سيكون مفخرة وطنية تاريخية لكل الأجيال القادمة تضاف لمسيرة خضراء ثانية نحو البناء الديمقراطي الحقيقي.

-  د. محمد بلمحجوبي، عضو هيئة الدكاترة الحقوقيين بباريس (فرنسا)