السبت 20 أكتوبر 2018
كتاب الرأي

مصطفى المتوكل : "الكفر "الحقيقي هو ستر وتغطية الحق بتجاهل الفقر والأزمات

مصطفى المتوكل : "الكفر "الحقيقي هو ستر وتغطية الحق بتجاهل الفقر والأزمات مصطفى المتوكل الساحلي
"الهجرة لغة : هجر : الهجر ضد الوصل،والاسم: الهِجْرة، والمهاجرة من أرض إلى أرض: تركُ الأولى للثانية، والتهاجر: التقاطع"
وكلمة "الحريق" والتي تطلق على الهجرة الشرعية تعني : "تفاعل مواد قابلة للاشتعال مع الأوكسيجين وبأي مصدر من مصادر الشرر والحرارة " ..وتذكرنا بما أعقب عبور طارق بن زياد للبحر الأبيض المتوسط حيث أحرق البواخر كما جاء في الروايات ومن بين ما قال في خطابه بعد دخوله غير الشرعي بالنسبة للإسبان إلى أراضيهم : " أيها الناس، أين المفرُّ ؟! والبحر من ورائكم والعدوُّ أمامكم، فليس لكم والله ! إلاَّ الصدق والصبر، "...
إن الخلافات والخصومات والصراعات تتسبب في هجرة الأخ لإخوانه وأسرته ولقبيلته وحتى لشعبه .. وأقصى وأتعس درجات الهجرة أن يهجر الإنسان روحه ونفسه وإنسانيته ، ومن تجلياتها عزلة وابتعاد ضمير وعقل الأمة من المثقفين والعلماء والصالحين ...لهذا وكما جاء في الحديث : "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يـــهجـــر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام". البخاري
الأحداث التاريخية لهجرات الأنبياء، ومواسم الهجرة الشرعية ذهابا وإيابا، وبعد المغامرات والمخاطر الممتدة أغلب أيام السنة التي توصف بأنها غير شرعية أصبح رعب الفكرة و المشهد مؤطرا بفرضيتين : العبور والوصول إلى الضفة الشمالية للمتوسط متأرجحين بين يأس وأمل وملامسة الموت وتشبث بأية قشة للحياة، والعبور الذي تهاجر فيه الروح إلى عالم البرزخ وتبقى الأجساد أو أجزاء منها تتقاذفها الأمواج لتصبح شاهدا على مآسي بالشواطئ يتألم لها الوطن كله والبشرية كافة، كما تنفطر أفئدة أسر شهداء الهجرة ومعارفهم خاصة وتتلاشى آمالهم وأحلامهم وقد تضيع وتتشرد أسر .. قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ : المَطْعُونُ ، وَالمَبْطُونُ ، وَالغَـــــــرِيقُ ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ". البخاري / مسلم
إن مايقع من مآسي بالبحر الأبيض المتوسط، يعتبر إدانة متجددة مستدامة صريحة لواقع بسبب معاناة يتوسع مداها يجعل الباحث والمتقصي وحتى السياسي في سياق استحضار كل الفرضيات يساءل نفسه أنه في حالة لو أعلن عن السماح لكل من يريد الرحيل إلى أوروبا أن يرحل برا وبحرا وجوا بدون تأشيرة ولا قيودوحدد لذلك أجل فكيف سيكون الوضع والمشهد ؟! وكيف سيكون تأثير ذلك على السير العادي للعديد من المرافق والقطاعات والخدمات التي عانت بسبب المغادرات الطوعيةعلى سبيل المثال وتعاني بسبب تقليص مناصب الشغل وعدم تعويض المتقاعدين تقاعدا نسبيا وكاملا ؟. وقد تحدث خللا بسبب هجرة الكفاءات واليد العاملة المتخصصة وحتى غير المتخصصة وسنكون تجعله يبحث عن كفاءات ويد عاملة رخيصة من إفريقيا وغيرها لسد الخصاص الذي سيحصل ...
إن كل الهجرات التي حصلت عبر التاريخ ومنها هجرات الأنبياء والرسل كانت لأسباب مختلفة ..إما بحثا عن رزق واستقرار للإنسان وأنعامه ..أو هروبا من الفقر والبؤس والخصاص ،، وإما فرارا من ظلم وبطش وقهر يطال المبادئ والمعتقدات أو الحريات، وإما بسبب انحباس في آفاق البحث والتميز والتألق والإبداع .... إذن الهجرة اختيار أوضرورة حياتية أولإكراه .. فقبل أن تتحول الأرض إلى مجموعة من الدول لم يكن للجهرة حدود ولا قوانين وتكون في أي زمان وفيأي مكان اذ لاتشريع مقنن يضبط الموضوع ولا عرف سائد يحكم ويؤطر العالم ، بل فقط حب البقاء والبحث عن المكان الأليق بالاستقرار الذي يتوفر فيه العيش والكلأ والمرعى والماء والأمن ، والسعي لامتلاك القوة بالاندماج والتكامل مع مجموعات تشترك نفس التصور والغايات ... فالعديد من المجموعات البشرية القديمة انتهت بها تنقلاتها إلى الاستقرار وخدمة حاجاتها وتحقيق مصالحها فشكلت شعوبها وفقا للمشترك فيما بينها ، وأصبحت على رقع جغرافية ومنتظمة في دول وامبراطوريات ..فعرفت توسعا وتقلصا وتمزقا لأسباب مختلفة منها الاستعمار والخرائط الرأسمالية العالمية المتسلطة ومنها الصراعات الداخلية وإحياء روح القبلية والمذهب حتى أصبحت خريطة العالم كما نرها اليوم والتي ستشهد تكتلات كما ستعرف ميلاد دول جديدة ...
إن الذين لديهم إمكانيات ومن ذوي النفوذ ويمتلكون رصيدا ماليا مغريا بالوطن وخارجه يحصلون على وثائق المغادرة والمرور لدخول أوروبا ولا يمنعهم لا البحر ولا البر ولا الجو، ولا ضرر اقتصادي أو اجتماعي يطالهم بقوا في وطنهم أو رحلوا، أما أبناء الشعب من فقراء وذوي الدخل المحدود فالبعض منهم يصعب عليهم و لايتمكنون من الحصول على الفيزا لمتابعة دراستهم بالخارج حتى وإن تم قبولهم بجامعة ما ، ومادون هذا الصنف فيتعذر بل يستحيل عليهم دخول العوالم الاوروبية بسهولة، إلا بعد رعب ومغامرة خطيرة وهم لا يعلمون ما سيلاقونه في طريقهم من أهوال ويجدونه هناك ، هل ما يحلمون به ؟ أم أزمة أخرى من نوع آخر في عالم الغربة ؟..أم ستهاجر أرواحهم الى عالم آخر أي " البرزخ" تاركون بطونهم ممتلئة بالمياه المالحة و بقايا أجسادهم تتقاذفها الأمواج على الشواطئ ...
إن إكراهات البطالة من جهة ، وبؤس الدخل المحدود بالعمل المرهق عند الشغيلة غير المتخصصة وحتى المتخصصة ، وكذا بالوظائف الصغرى و المتوسطة التي لاتستطيع الصمود أمام التقلبات المالية السلبية بسبب ارتفاع تكلفة العيش فوق الطاقة ، وبفعل أوضاع اجتماعية أسرية مهترئة تزيد الحالة النفسية ألما وتذمرا ويأسا ، ونتيجة لواقع سياسي معتل ، ووضع إداري محبط بالبيروقراطية وعدم الفاعلية ونقص في المردودية ، ومستقبل تعلوه أحيانا ضبابية و تلوث سياسي و فكري لايرى فيه شباب اليوم مستقبلهم الذي يتمنونه ...
إن من الصعوبة بمكان تحويل أي وطن من بلد عبور إلى بلد استقبال وإدماج للمهاجرين وهو نفسه عانى ويعاني الأمرين من هجرة أبنائه بسبب تراكم مشاكل تتعلق بطبيعة السياسات المتبعة ، ومستوى التنمية الذي لايستوعب الطاقات الهائلة في كل المجالات والتي توجد خارج حركية ودورة التنمية رغم وجود خصاص كبير في العديد من القطاعات الأساسية لتحقيق التأهيل والتطور والتقدم من تعليم وصحة وخدمات ...الخ
إن المسؤولية تتقاسمها الدول المتخلفة ، والدول الرأسمالية التي استنزفت الثروات والطاقات والقدرات ، وأضعفت الاقتصاد بسبب تسلط لوبيات جشعة مازالت متمادية في إملاء شروطها الاذعانية التي تعمق الأزمة، وتشرد الشباب، وتضعف الخدمات الاجتماعية، وفي نفس الوقت يطالبون ويضغطون على دول العبور لتتحمل وتستوعب المهاجرين وتبقيهم وتدمجهم عندها ، وتحويلها إلى دول حارسة لاستقرار أوروبا ولو عطل ذلك اقتصاداتها المحلية وتنميتها وتطورها ...
إن المعالجة العادلة لكل مشاكل الدول السائرة في طريق النمو أو المتخلفة تتطلب بناء ديموقراطية حقيقية ببلدان جنوب البحر الأبيض المتوسط، وجعل الثروات وطنية في خدمة الشعب والدولة، وإقرار عدالة مجالية اقتصادية واجتماعية ، وحتمية انتهاج أسباب التقدم التي مرت منها وتفوقت بها دول عديدة بأوروبا وآسيا وغيرهما، وإلا سيزداد الأمر سوءا وتعقيدا ، وستصبح الهجرة فوق طاقة كل السلطات والقوانين، وقد تتسبب في تعطيل التنمية ببلدان الهجرة والعبور ، وخلق أزمات في منظومات الاستيعاب والادماج تنعكس آثارها بشكل كارثي على التربية الديموقراطية والانسانية مما سيتسبب في تضخم الرافضين للهجرة لصالح اليمين المتطرف العنصري ، وتغذية الكراهية ...
إن للهجرة أوجها أخرى منها ترك العديد من ذوي الاحتياجات الخاصة مهملين بسبب سياسات تفتقر إلى الجدية والجودة المستدامة ، فترك المشردين والمشردات يهاجرون عبر الأمكنة والأزمنة بحثا عن الاستقرار والعيش الكريم يتحولون إلى إشهار و شهادات على أننا هجرنا القيم الانسانية والاسلامية ، ولم نعد نهتم ولا نتأثر بمشاهد نتائج تدهور التماسك الاجتماعي والتكافل ..
إن الهجرة بالاختيار والقرار شيء، والهجرة بسبب الضياع والتيه والتهميش والفقر والاضطرار شيء آخر لايجوز استصغارها و تجاهلها ، لأن تضخم أعدادها وتوسع الشرائح التي تراهن عليها يدخل البلدان في دوامة من الترقب والتوقع والتخوف والصدمة ...
إن "الكفر " الحقيقي هو ستر وتغطية الحق بتجاهل الفقر والأزمات والأمراض الفكرية و الاجتماعية والاقتصادية وتجاهل السياسات التي تسببت في كل ذلك ، وهو الذي يؤثر في قيم المواطنة وليس الكفر العقدي الذي هو مسؤولية فردية بين الإنسان وخالقه ..
"وكفر الشئ في اللغة تعني ستَره وغطّاه"، قال تعالى:" اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا"
إن العديد من الناس أصبحوا يروجون ويدعون إلى أنه لاتشد الرحال من أجل الخلاص من البؤس إلا إلى ثلاث مناطق : إلى اوروبا ، أو أمريكا الشمالية ، أو الخليج وهو أضعف الهجرات ...فهل يوجد عبقري يستطيع أن يجد معادلة تضمن تحقيق هجرة من دول شمال إفريقيا تدمج اليد العاملة المغاربية في دول اوروبا ودول العالم وفي نفس الوقت يتحول شمال افريقيا إلى منطقة تستطيع إدماج الطاقات الإفريقية في مجالات تنموية يدا عاملة و كفاءات تطعم بها وتعوض الخصاص الذي حصل وسيحصل بسبب الهجرة ...
إن المراقب والمسؤول الذي ينظر إلى الواقع ولا يفهمه ، ولا يفعل فيه إيجابا، ولايبلور ويقدم بدائل وحلول عملية ،لن يستطيع صياغة أجوبة ناجعة ومقنعة للمعنيين ، وسيتعذر عليه ليس فقط إنقاذ المهاجرين من الغرق في البحر ، بل إنقاد السياسة والثقة من الإفلاس ...