الأربعاء 14 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

ملف الثغور المغربية المحتلة و ضرورة التخلي عن دبلوماسية الوضع القائم

ملف الثغور المغربية المحتلة و ضرورة التخلي عن دبلوماسية الوضع القائم رضا الفلاح

قدر على المغرب و هو البلد ذو التاريخ الإمبراطوري أن يكون الخط الأمامي المتقدم لمواجهة المد الاستعماري النصراني الذي بدأ منذ بداية القرن الخامس عشر على يد الإسبان و البرتغال، و الذي استمر طوال الخمسة القرون الماضية، إلى أن حصل المغرب على الاستقلال. و قد كان من نتائج هذه الوضعية الجيوسياسية الصعبة أن تعرض المغرب لضياع عدة أجزاء من أراضيه التاريخية، و فرض بالتالي على دولة ما بعد الاستقلال ألا يكتمل استقلالها، و أن تتحمل عبئين ثقيلين في الآن ذاته. أما العبء الأول فيتعلق بتعقيدات بناء الدولة الوطنية الحديثة و ما يرافق ذلك من إشكالات سياسية و اجتماعية و تنموية. و يتمثل العبء الثاني في المسار الطويل و المضني لاستكمال الوحدة الترابية.

في هذا الإطار يشكل ملف استرجاع الثغور المغربية المحتلة سبتة و مليلية و الجزر الجعفرية من الاستعمار الإسباني ملفا عالقا من بقايا الإرث الكولونيالي الذي لم تقوى الدولة المغربية الحديثة على حسمه، أو حتى على تصعيد الضغط بشأنه لاعتبارات قد تبدو بديهية للبعض كما قد تظهر غير مفهومة للبعض الآخر. و هذا ما يفسر تعدد القراءات بشأن تفسير استكانة المغرب و تعاطيه الحذر و الهادئ إزاء قضية لا تقل وطنية عن القضية الوطنية، و مع وضع يمس  جوهر  وحدته الترابية. من الطبيعي إذن أن نتساءل أولا حول أسباب استمرار هذا الوضع الشاذ و المسيء لسيادة المغرب، و ثانيا حول آفاق طي ملف حساس قد يأخذ منحى الصدام العسكري في أسوأ الاحتمالات، كما اتضح من خلال أزمة يوليوز 2002 حول جزيرة ليلى.

التفسير الأول الذي قد يخطر على بال المحللين يتمثل في كون المغرب لا يتوفر في الوقت الراهن على القدرة اللازمة لتدبير استراتيجي لملف بهذا الحجم في ظل حالة الاستنزاف التي تطال قدراته الدبلوماسية و ترتيبات نسقه العسكري على جبهة نزاع الصحراء. و يظل هذا التفسير الأكثر اتساقا و منطقية خصوصا إذا ما ربطناه بحربائية الموقف الإسباني من القضية الوطنية، و اختلال ميزان القوة بين إسبانيا ـ العضو في الاتحاد الأوروربي و في حلف الناتو ـ و المغرب.

من جانب آخر، يقدم لنا التفسير الجيواقتصادي قراءات أخرى تقوم على التوجه الإسباني نحو التركيز على لعب ورقة تعزيز الترابطات الاقتصادية مع المغرب و جعل هذا الأخير في حالة اعتماد اقتصادي مركب  يكون من تداعياته غير المباشرة شل حركيته الدبلوماسية و الرفع من كلفة أي ضغط محتمل قد يقوم به اتجاه إسبانيا بخصوص استرجاع المدينتين. و يقوي من وجاهة هذا الطرح التطور اللافت لحجم التبادلات التجارية بين البلدين و اعتلاء إسبانيا مرتبة الشريك الاقتصادي الأول للمملكة المغربية، بالموازاة مع  ارتفاع الاستثمارات الإسبانية و  تدفق التحويلات المالية للمهاجرين. و علاقة بهذا الجانب، لا يمكن استبعاد وجود تفاهمات غير معلنة بين المغرب و إسبانيا تصب في خانة حل الخلاف بمفاتيح اقتصادية عن طريق تعزيز الشراكة الاقتصادية الثنائية، و ربط اقتصاد الثغرين المحتلين ببيئته المغربية.

تفسيرات مغايرة تطل علينا من نافذة جيوسياسية و أمنية، و تنطلق من نظرية العامل الزمني و ترى أن الورقة الرابحة التي يمتلكها المغرب تكمن في ضغط الإكراهات الأمنية الجسيمة النابعة من تدبير ملف الهجرة السرية على جدران العار المحيطة بالثغرين المحتلين، دون أن ننسى الكلفة المالية و الإنسانية التي يفرضها هذا التدبير الصعب و التي تثقل كاهل إسبانيا و الاتحاد الأوروبي على حد سواء. يعزز من دقة هذا التحليل الاستراتيجية المغربية في مجال الهجرة و اللجوء التي يتبناها المغرب منذ سنة 2013  و التي شجعت المهاجرين الأفارقة بطريقة غير مباشرة على القدوم للمملكة و  تسوية أوضاعهم في انتظار فرصة معانقة حلمهم الأوروربي..

و بالرغم من ابتعاد الموقف المغربي الرسمي عن توظيف ورقة أمواج الهجرة الإفريقية للرفع من درجة الضغط على إسبانيا و الاتحاد الأوروبي، غير أنهم يدركون جيدا أن هذا الملف يمنح المغرب أدوات تأثير مهمة يمكن للمغرب الاستفادة منها في الوقت المناسب.

عموما، تلتقي كل هذه التأويلات حول أمر ثابت يتمثل في الاعتقاد الراسخ و غير المعلن أن لحظة حسم قضية إنهاء الاستعمار الإسباني بالثغور المحتلة هي بالتأكيد مسألة مؤجلة و أن كلا البلدان مع اختلاف دوافعهما  يفضلان استمرار الوضع على ما هو عليه حاليا Statu quo . لكنهما يعيان وعيا تاما أن الاعتبارات الجيوسياسية عائدة من جديد و أنها ستفرض منطقها، وبالتالي سيحين الوقت لمواجهة المشكل و حله بشكل أو بآخر، و هي بالتأكيد مواجهة محفوفة بالمخاطر.

لكن، سيكون من سوء التقدير و الخطأ الاستراتيجي أن يعتقد صناع القرار في المغرب أنه بالإمكان دفع الجار الشمالي إلى طاولة التفاوض بالاعتماد فقط على الأوراق ذات الطابع الأمني، أو باستغلال عامل الزمن عن طريق تعزيز الأهمية الجيواقتصادية للمغرب بمشاريع عملاقة مثل ميناء طنجة المتوسط أو أنبوب الغاز الأطلسي المتوقع انطلاقا من نيجيريا. على العكس من ذلك، فقد أصبح من الواضح أن ضعف اهتمام الرباط بالملف يخدم مصلحة المستعمر الإسباني و يعضد من استناد مدريد لذريعة الأمر الواقع و طرحها « انتماء » الثغرين إلى الفضاء الأوروبي.

بناءا على ذلك، ليس من الصواب أن ترتهن مسألة استرجاع الثغور المحتلة بالنسبة للمغرب إلى اختلال ميزان القوة بينه و بين إسبانيا، و لا أن يتم الاعتذار مؤقتا بكمية الاستنزاف في الجهود و الموارد بفعل نزاع الصحراء. ذلك أن ما قد يمتلكه المغرب من خيارات دبلوماسية لن تبرز و تفصح عن نفسها في ظل حالة الجمود الراهنة  و التعاطي الرخو. فقد بات من الضروري العمل على تحريك الملف على كافة الواجهات و وضعه على رأس أولويات المعارك الدبلوماسية التي يخوضها المغرب من أجل فرض احترام وحدته الترابية.

ينبغي البدء أولا بتكثيف الضغط على إسبانيا في الملفات التي تهم العلاقات الثنائية، أو المجالات التي يستطيع المغرب من خلالها التأثير على الموقف الإسباني. دوليا، حان الوقت لإعادة  طرح القضية على الأمم المتحدة، و كسب تأييد القوى الكبرى، مع التركيز على ربط تصفية الاستعمار الإسباني  بنفس المنطق الذي تقوم عليه إرادة إسبانيا في ما يخص ملف استرجاع السيادة على جبل طارق. غير أن كل هذه الخيارات لن تنفع إلا بارتكازها على تقوية الجبهة الداخلية و تنمية الأقاليم الشمالية و إكمال المصالحة التاريخية للدولة المغربية مع الريف