الأربعاء 19 سبتمبر 2018
مجتمع

عاهات مستديمة وحوادث مميتة: من المسؤول عن أزمة تسيير مجال التبوريدة ؟

عاهات مستديمة وحوادث مميتة: من المسؤول عن أزمة تسيير مجال التبوريدة ؟ تخلف المواسم والمهرجانات التي لا تحترم شروط تنظيم عروض التبوريدة عشرات الإصابات الخطيرة

لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورا مهما في الكشف عن حوادث مرعبة في ميدان الفروسية التقليدية، ( انفجار مكاحل التبوريدة/ سقوط من فوق صهوة الخيول/ إصابات في صفوف الجمهور/ بتر أيدي الفرسان/ إصابات بحروق خطيرة/ موت الفرسان/ نفوق الخيل...). وجعلت رواد الفضاء الأزرق زبناء متتبعين لكل كبيرة وصغيرة تقع وسط محارك التبوريدة سواء للخيل أو للفرسان والجمهور كذلك، وتبين أن ميدان التبوريدة غير خاضع للمراقبة والتأطير والمواكبة القبلية والبعدية من طرف الجهات الوصية الموكول إليها أمر تثمين وتحصين وتأهيل تراثنا اللامادي المرتبط بالفروسية التقليدية.

ما هي الأسباب الحقيقية وراء تنامي وارتفاع منسوب حوادث البارود خلال المهرجانات والمواسم؟ إلى أي درجة يتحمل العنصر البشري مسؤولية ارتفاع عدد قتلى وجرحى ومعطوبي الفروسية التقليدية؟ ما هي درجة مسؤولية الجهات المنظمة لعروض التبوريدة بالمواسم والمهرجانات في حوادث التبوريدة؟ كيف يمكن التقليص من حوادث البارود ؟ هل يكفي التأمين وحده لمواجهة آفة الإصابات الخطيرة في صفوف الفرسان ؟ ما هي المواصفات الحاسمة في منح شخص معين صفة عمار لمكاحل البارود؟.

ـ أرضية من واقع الحال:

حوادث الخيل والبارود يتزايد منسوبها سنة بعد أخرى، وكل عام تخلف المواسم والمهرجانات التي لا تحترم شروط تنظيم عروض التبوريدة عشرات الإصابات الخطيرة والمتفاوتة الخطورة فضلا عن توديع فارس أو أكثر إلى متواه الأخير تاركا وراءه أسرة وأبناء وعائلة تتحسر على فقدان معيلها. لا يمكن أن ننكر أن هناك تسيبا مبالغا فيه من طرف الفرسان أنفسهم على جميع المستويات، سواء تعلق الأمر بشخصية/ بروفايل الفارس الذي أضحى مشبوها بممارسات لا تليق بالفارس فوق صهوة الجواد أو داخل محرك التبوريدة وأمام الجمهور. وهذا الإشكال له علاقة بسلطة لمقدم/ العلام الذي فقد هيبته وشخصيته الصارمة على مستوى القيادة والانضباط والالتزام ، ويرجع ذلك إلى إفراغ مفهوم العلام من محتواه لأسباب تعود أساسا إلى الصراعات داخل العائلة والدوار والقبيلة، واجتثاث جدر وعروق شجرة نسب الفرسان وتشتيتهم من خلال خلق علامة ومقاديم وهميين ( من نفس المجال ) لخلط السياسة بالتراث والبحث عن موقع قدم للأعيان وسط لغط الاستحقاقات السياسوية التي تفوح منها رائحة الانتهازية والوصولية، دون مراعاة للثروة التراثية التي تتعرض للتشويه والتسميم.

ـ مسؤولية الشركة المغربية لتشجيع الفرس قائمة:

لا يمكن أن ننكر أن الفروسية التقليدية في المغرب قد عرفت تطورا ملحوظا، وتمكنت الجامعة الملكية المغربية للفروسية التقليدية أن تثمن تراثها اللامادي، وأن تحقق عدة انجازات تتعلق بتجويد نسل الخيول والجياد المستعملة في فن التبوريدة، وأن تخلق وتصنع محطات رائدة وفضاءات موازية لرياضة التبوريدة ( جائزة الحسن الثاني بدار السلام/ صالون الفرس ..)، لكن لا يمكن كذلك أن ننكر بأن هناك عراقيل توضع في طريق الارتقاء بهذه الرياضة التراثية وتجويد عروضها، ورد الاعتبار لشأنها الثقافي الشعبي، لن نقول أكثر من ذلك لكننا نطرح أسئلة محورية في سياق الإشكالات المعروفة:

ـ هل يمارس الحكام المعينون لتحكيم الإقصائيات الإقليمية والجهوية والوطنية الخاصة بمنافسات جائزة الحسن الثاني بدار السلام إجراءات التحكيم ومراقبة شروط التبوريدة بشفافية وصرامة دون انحياز؟ وهل يضع الحكام مخططا استباقيا لتفادي إشاعة ثقافة التسيب والعشوائية واللاأمن وسط العلامة خاصة، والفرسان وصربات الخيل عامة؟ كيف هي علاقة الحكام ومسؤولي الشركة المغربية لتشجيع الفرس مع علامة الخيل وصربات الفرسان على مستوى الوعي بثقافة تراث الفروسية التقليدية؟. إلى أي حد تتحمل إدارة "لاسوريك" المسؤولية في ما يقع اليوم من مآسي، وتسيب واختلالات وانزلاقات في فن التبوريدة؟

ولننهي أسئلتنا الحارقة نؤكد على أنه قد حان الوقت لإنهاء واقع التسيب في مجال التبوريدة وتقنين عروضها بالمواسم والمهرجانات ووضع كناش تحملات صارم يوازي بين الحقوق والواجبات لضمان صيرورة المحافظة على ترثنا اللامادي وتقديمه في صورة وحلة جديدة تربط بين الالتزام والإلزام.

ـ وجهة نظر مقلقة لكنها واقعية :

على هامش النقاش والتفاعل القائم بين مختلف مكونات حقل التبوريدة بخصوص وفاة وإصابة الفرسان وكذا خيولهم بسبب انفجار مكاحل التبوريدة، أكد أحد الفاعلين " أن الأمر سيتفاقم في السنوات المقبلة، و سيرتفع عدد القتلى و المصابين" . وأرجع السبب في ذلك إلى عدة عوامل من بينها : 

 

ـ أن البارود المستعمل حاليا يحتوي على نسبة كبيرة من الحامض النيتريكي acide nitrique "الماء القاطع"، الذي يتسبب في تآكل البنادق مع الاستعمال المستمر.

 

ـ عامل تشبث الممارسين ببنادق قديمة حيث يعتبرونها "مكاحل أصيلية" ، في حين أن لكل آلة أجل ومدة زمنية لوقف استعمالها.

 

ـ الاعتماد على بنادق، و إن تم صنعها حديثا، لكنها لازالت تصنع بشكل تقليدي و يدوي، في غياب تام لمعايير الجودة والسلامة.

 

ـ  اهتمام الممارسين ، وعلى رأسهم المقدمين ( العلامة)، واستثمارهم في الخيول و السروج و اللباس، و إهمالهم للمكاحل، علما أنها أهم عنصر في اللعبة.

 

ـ الغياب التام للوعي بخطورة الأمر، مقابل عدم الاكتراث لما يقع بالقطاع من طرف المسؤولين عنه ( الجامعة الملكية المغربية للفروسية التقليدية/ الشركة المغربية لتشجيع الفرس ).

 

ـ بروفايل العلام الناجح والمتميز وسط محرك البارود والخيل:

 

يؤكد العديد من المهتمين بحقل التبوريدة بأن مقدم الصربة الناجح هو ذلك الذي "ورث فن التبوريدة أبا عن جد، وله شيخه الذي تتلمذ على يده، وينتمي لأسرة عاشقة للفروسية، فضلا عن إتقانه للطريقة التي يلعب بها على صهوة جواده رفقة كتيبة فرسانه" ويؤكد العديد من المهووسين بلغة البارود بأن لمقدم الناجح هو الذي يعتبر نفسه " قائد صربة جهادية، يستحضر بطولات الأجداد، وشيمهم وأخلاقهم وكرمهم وجودهم " نفس المتحدثين قالوا بأن الحصان مقدس " يحب المحاورة من طرف الفارس، والتعامل معه بلطف، ويجب امتطاء صهوته على طهارة، لأنه يمثل قبر الشهيد المفتوح على كل لاحتمالات ". وفي نفس السياق أكد أحد الفرسان أن كل من " يدخن فوق صهوة الفرس، ويمارس سلوكات غير أخلاقية ، لا يمكن له أن يكون فارسا محترما ..ولن يوفق ضمن مكونات صربة الخيل" وأضاف بأن الفارس ملزم " باحترام لمقدم والانضباط لتعليماته، والانصياع لتوجيهاته ".   

ـ في وطني التراث يوزن بمكيالين متباعدين ومتنافرين.

 

إحدى الفاعلات في التنسيقية الوطنية للفروسية التقليدية أعربت عن قلقها بخصوص الإهمال والتهميش الذي يطال الفرسان الباردية قائلة " عندما تقوم الجهات الوصية بدورات تحسيسية لفائدة الكسابة لإرشادهم الى كيفية التعامل مع الخيل والعناية بها، وترفض رفضا قاطعا القيام بنفس الدورات التحسيسية لفائدة الفرسان والعمارة، فهذا يعني شيء واحدا لا ثاني له، وهو أن قيمة الخيل أكبر وأهم وأثمن عند هذه الجهات من قيمة العنصر البشري، ضاربين بعرض الحائط كل التوصيات التي جاءت في خطابات صاحب الجلالة والداعية إلى إيلاء الاهمية الكبرى للرأسمال البشري، على اعتبار أنه هو القاعدة وأساس قيام واستمرار الحضارات ". وأضافت بسخرية الناقدة لواقع حال فن التبوريدة قائلة " عندما يتجند الفرسان سفرا من مهرجان إلى مهرجان ومن موسم إلى موسم، ويشاركون جنبا إلى جنب مع فنانين ومغنيين في إنجاح التظاهرات، ويحصل هؤلاء الفنانين على الأجر والتأمين من أجل ساعة نشاط، ويحصل في المقابل الفرسان على "نعجة" و "قالب سكر" و "أتاي" والكثير من الإصابات والجروح والموت ... فذلك يؤكد أن المسؤولين ليسوا جديين في تعاطيهم مع تراثنا اللامادي ".

 

ـ بدائل وحلول ممكنة:

 

ارتفعت أصوات جمعوية منذ سنوات وعبرت عن رغبتها في ضرورة تأمين الفرسان وخيولهم وبنادقهم، ودقت ناقوس الخطر من خلال بلاغاتها وبياناتها ورسائلها إلى كل الجهات الوصية والمسؤولة  بعد أن تم تسجيل ارتفاع منسوب حوادث البارود والخيل بالمواسم ( 14 حالة وفاة بسبب حوادث البارود خلال سنتي 2017 و 2018 فقط ). ممارسين للتبوريدة يقولون أن " التأمين وحده لا يكفي ولا يمكن أن يحد من حوادث الخيل والبارود " لكنهم يؤكدون على " أهمية التأمين كآلية إدارية وأمنية تحمي الفارس من سم البارود الاسود". ومع ذلك يطرح العديد من المتتبعين والمهووسين يفن التبوريدة بعض الشروط الإلزامية للتقليص من الحوادث نجملها فيما يلي:

ـ ضرورة خلق جمعيات وفيدراليات خاصة بتراث التبوريدة في جميع الجهات والأقاليم.

ـ شرط التأمين في كل المواسم والمهرجانات في انتظار التأمين الإجباري العام من طرف الجامعة.

ـ التفكير بجدية في توحيد بنادق البارود ( صفقة )

ـ فرض دفتر تحملات إلزامي على جميع المنظمين للمواسم والمهرجانات يضبط شروط التنظيم ومعايير المحرك وأماكن توزيع ووضع البارود، وفرض بطاقة وزي موحد خاص بالعمار، وكيفية تعبئة لمكاحل ومقاييس البارود.

ـ العلام / لمقدم مسؤول عن فرسانه، وعن مراقبة لمكاحل قبل انطلاق عروض التبوريدة.

ـ تحصين محرك الخيل ومنع ولوجه من طرف الجمهور ومرافقي الخيالة.

ـ إلزامية تجنيد وانخراط السلطات المحلية والأمنية ( درك ملكي قوات مساعدة وقاية مدينة وصحية ..)

ـ ضرورة الجمع بين عروض التبوريدة ولقاءات تحسيسية وتأطيرية للفرسان والعمارة وانخراط " لاسوريك" والجمعيات المهتمة بشأن تراث التبوريدة في ذلك.