الاثنين 24 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

كريم المباركي:السلطة السياسية بين النظام والنضال

كريم المباركي:السلطة السياسية بين النظام والنضال كريم المباركي
إن النظام هو مجموعة من العناصر المتفاعلة والمترابطة فيما بينها، بحيث تصبح في كليتها عضوا واحدا يستطيع القيام بمهمة أو مجموعة من المهام المتباينة.
ومن هنا نلاحظ أن قدرات أي نظام تربط بعناصره التي يتشكل منها بشكل منفرد من خلال قوتها، وكفاءتها، وكذا استطاعتها أداء وظائفها ومهامها بالشكل المطلوب، بالإضافة إلى مدى الترابط بين عناصرها لخدمة النظام بشكل عام. ولقد تعددت أنواع الأنظمة، نجد من أبرزها نظام يعتبر مربط فرس كل الأنظمة ألا وهو النظام السياسي، وهو ذلك النظام الذي يساهم في العديد من المهام والوظائف المتباينة لحد الاختلاف استنادا على سلطة تمنح إليه بشكل شرعي.
ولعل أهم هذه الوظائف، حفظ الحدود الخارجية للمجتمع وحماية الأمن الداخلي، وحل النزاعات بين المواطنين وتقديم الخدمة لهم. ومن هنا تكون السلطة بهذا المعنى قريبة من تصور الفيلسوف ميشال فوكو :الذي يحصرها في مؤسسات وأجهزة الدولة المادية والإيديولوجية، ذلك أن السلطة غير قابلة للاختزال في يد جهاز أو طبقة أو فرد معين، بقدر ما ما هي منتشرة وحاضرة في كل مكان ,وتمارس من طرف الجميع بوعي أو بدون وعي ,يمارسها رجل السياسة والأب والطبيب....فالدولة لا تستطيع القيام بوظائفها اعتمادا على ذاتها وقدراتها الخاصة، بل هي في حاجة لخدمات الأسرة والمدرسة، والشارع، والإعلام والتقاليد والأعراف ومختلف أشكال الإنتاج الأخرى.
وهذا ما يجعل الدول ككل معرضة لخطر الزوال والركود لأن تجليات السلطة تحرمها من مسألة الإنفراد بزمام الأمور، وإن تجاوزت حدود مشرعيتها تجد نفسها في صراع مع العديد من المناضلين المتحررين فكريا .وهذا ما يحيلنا إلى طرح الأسئلة التالية: من هو المناضل الحقيقي؟وما سبب تراجع المثقفين من ساحة النضال ؟ و من هم أبرز المناضلين السياسيين اللذين مروا عبر التاريخ ؟وما سبب عدم تجدر الحركة الماركسية في الجماهير والفلاحين البروليتاريين؟
-إن النضال هو فعل وليس بفكر، وليس وسيلة لاكتساب الشهرة وحب أفراد المجتمع، مثل ما يفعل العديد من الأشخاص الذين لطالما صرخوا على الفقراء وعن المعيشة وحينما امتلكوا زمام الأمور قاموا بإصلاح ذواتهم أولا ومساعدة أبنائهم والمقربين إليهم، وهنالك العديد منهم يختبئون وراء الإسلام والفكر اليساري والجمهوري وأرجعوا النضال طريقة للاسترزاق، وهؤلاء خطر على الدولة ذاتها .إن المناضل الحقيقي يكون عكس كل هذا، إن المناضل هو رجل مواظب على كل المحطات النضالية بدون استثناء ، وساحة النضال تعرفه وتهابه وسلاحه مكبر الصوت الذي لا يفارقه، والذي يرعب به كل وسائل القمع، من أجل تحقيق الكرامة والعيش على طريقة تليق بالإنسانية.إن النضال لا يباع ولا يشترى ، ولا يزرع كمثل البدور في الحقول ,انه غريزة جسمانية مرتبطة بالضمير والفكر اتجاه المتطلبات التي يتخبط بها المجتمع، لذا فنحن في حاجة إلى مناضلين مثقفين يعون خطورة المشاكل التي يعاني منها المجتمع، ومحاولة سبر أغواره .لكون المثقف دائما يكون بمثابة سلطة تسير زمام الأفراد داخل مجتمع معين، فلا يمكن أن يؤمن الفرد بأي كان وإنما دائما يحاول التمسك بالمثقف باعتباره الآلية الوحيدة القادرة على النضال وإرجاع الحق للعامة، إما عن طريق كتبها، وهذا راجع إلى الوضع الذي أصبح يعانيه مثقفونا اليوم مع السلطة الحاكمة.أو عن طريق الانخراط وتزعم المسيرات النضالية كما كان يفعل كل من جون بول سارتر، وميشال فوكو، وجيل دولوز، وآخرون ....لكن لماذا تراجع المثقف إلى الوراء وأصبح يشاهد بصمت؟
بكل بساطة لأن أفراد المجتمع لا يقفوا في جانب المثقف حينما يجد نفسه منغمسا في العديد من المشاكل مع السلطة لأن المثقفين هم من كانوا يتزعمون المسيرات النضالية،ولكن في حين غرة ينقلب الوضع ضدهم .فلهذا فقد المثقف كل ثقته في الفرد ،واختار له طريقا آخر ألا وهو طريق التواطؤ مع الدولة عن طريق التزامه الصمت .وإذا أرادنا إعادة الثقة لمثقفينا فوجب علينا أن نتزعم المسيرات ويبقى دور المثقف مقتصر على التوجيه والمسائلة المنطقية لكل من يحاول التلاعب بأفكار العامة من المجتمع.
وعلى مر التاريخ كان هنالك مثقفين غيورين على أوضاع المجتمع ولكن بسبب عامة الناس وغباءهم فشل نضالهم وحسهم الثوري ,كمثل عبد الكريم الخطابي وتشي غيفارا .إذن فما حقيقة ومنطق فكر هؤلاء؟
سواء اتفقنا أو اختلفنا مع فكرهم وتوجهاتهم السياسية إلا أن بعضهم كانوا بالفعل أساطير الأزمنة التي عاشوا فيها ,ومن أبرزهم :محمد بن عبد الكريم الخطابي :عرف بكونه قائدا عسكريا وسياسيا في حقبة من زمن الاحتلال الفرنسي ولإسباني للمملكة المغربية حيث قاوم هذا الأمير الاستعمار بن عامي 1921 و1926 ميلادية ,ليوصف بقائد المقاومة الريفية، بل اعتبر من أهم قادات الحركة التحررية في النصف الأول من القرن الماضي، واستلهمت سيرته السياسية والعسكرية العديد من الحركات التحررية العالمية المناهضة للاستعمار، وشرع بربط علاقات مع معارضي الوجود الاستعماري بالمغرب في المنطقتين الإسبانية والفرنسية ,خاصة حينما بدأ الاستعمار الإسباني في أعقاب نهاية الحرب العالمية الأولى بنهج سياسة التغلغل العميق ليركز على أهم السواحل الشمالية للمغرب .وذلك بتكتيف التواجد العسكري ونشر عدد كبير من الجنود .تحولت تدريجيا العلاقة بين أهل الخطابي ولإدارة الإسبانية من التعايش إلى القطيعة وبدأ أسلوب حرب العصابات الذي اشتهر به الخطابي يرى النور بين رفاقه في النضال اللذين تلملموا من كافة القبائل المهمشة .وبهذا أصبح الخطابي أكبر مهدد للاستعمار الإسباني.
تشي غيفارا:وهو أحد أكبر الماركسييين في الذين عرفوا في العالم، منذ صغره كان يهوى المطالعة وقراءة الكتب .وما أثار إهمامه كان الفيلسوف النمساوي سيغموند فرويد والإقتصادي والفيلسوف كارل ماركس .
وفي المدرسة أصبح مولوعا بالفلسفة. والرياضيات والعلوم السياسية .وفي أحد الأيام قرر هو وأحد أصدقائه السفر على دراجات نارية في أنحاء. قارة أمريكا وفي طرقه بدأ يدون ما رأته أعينه في أحد المذكرات التي سيسميها في ما بعد : يوميات دراجة نارية. ما رآه لم يكن بشيء العادي, بل رأى الفقر والحرمان والاستبداد وأبشع ممارسات الرأسمالية الاحتكارية .وهذا ما ترك انطباعا لديه، وهو ضرورة توحيد القارة اللاتينية ونزع جذور الإمبريالية الاستعمارية، ومع الوقت تنامى حقد غيفارا على الرأسمالية عموما وأمريكا بالخصوص .وسينتقل فيما بعد إلى المكسيك وهناك إلتقى براؤول كاسترو أخ فيديل كاسترو الذي كان لا يزال في السجن في كوبا.وبعد خروجه. تعرف على إلتشي وضمه إلى حركة 26 يوليو التي خططت إلى الدخول إلى كوبا وإسقاط الحكومة المصطنعة التي سيرأسها الدكتاتور باتستا .في الأخير قتل بوشاية من أحد البرولتاريين الذين طالما دافع عنهم، بسبب أن غيفار يقوم بإخافة غنمه، ومن هنا نجد أنفسنا أمام سؤال جوهري وهو :لماذا لم تتجذر الحركة الماركسية في الطبقة العاملة وجماهير الفلاحين؟
إن الجواب على هذا السؤال قد يتطلب منا دراسة تفصيلية لكل أعمال الحركة الماركسية اللينينية بالخصوص،ومواقفها في ارتباط بالتطور الملموس للصراع الطبقي خلال المرحلة المعنية .لكن التحليل الحالي سيقتصر بشكل موجز على عرض أبرز الأخطاء والإنحرافات التي منعت الحركة من التقدم في إنجاز بلورتها .وهي أساسا ثلاثة:
1)خطأ توجيه أغلبية المناضلين من طرف الحركة الماركسية للعمل وسط الشبيبة المدرسية اللينينية بدلا من التركيز على توجيههم نحو الطبقة العاملة ونحو جماهير الفلاحين .
2) خطأ توفير نوع واحد غير كافي وغير ملائم ,من الهيئات التنظيمية الوسطية، بدلا من توفير أنواع متعددة ومختلفة منها، تكون قادرة على استيعاب وتوظيف كل الطاقات النضالية المتوفرة لدى الجماهير.
3)وجود أخطاء أخرى متنوعة في أساليب ومضامين العمل مع المناضلين ومع الجماهير عموما.
-زبدة القول هي أننا لا يمكن أن نحصل على عدالة ,وإن تم ذلك فستكون عدالة جائرة كما يثبت واقعنا المعاش لأننا نعيش في مجتمع يعاني من انعدام الديمقراطية، وهذا راجع إلى عدم ضخ كل شخص في مكانه المناسب ,وأصبح الجاهل يقوم بأمور المثقف، وهذا الأخير بدوره يشاهد من بعيد ولا يحرك ساكنا .لذا يأتي المناضل بروح كلها وطنية، مدافعا عن الكرامة والعدالة الإجتماعية، وإن كان جاهلا جل هذه المفاهيم والغرد منها .وهذا ما يجعله حاملا لشعبية ساحقة من أفراد المجتمع ,ويصبح عدوا للدولة لأنها ترى فيه أول من يهدد استمراريتها.لذا يتهم بالفساد ونشر الرذيلة .والواقع عكس ذلك ,فالمناضل الحقيقي يحمل هم الأغلبية ويحاول قدر المستطاع تحقيق ولو جزء ضئيل من الحقوق، حتى وإن خسر في ذلك حريته، وحياته في بعض الوهلات.