السبت 17 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

عبد اللطيف برادة: ديستويفسكي والمخاض العسير

عبد اللطيف برادة:  ديستويفسكي والمخاض العسير عبد اللطيف برادة

"إنه لمن المحزن أن يعيش المرء دون رجاء يا أخي''. بهذه المقولة عبر بصدق الكاتب الروسي العظيم ديستويفسكي عن انحيازه للفقراء، وهي العبارة التي تضمنتها رسالته إلى أخيه الذي كان يسانده في محنته وعراكه مع الحياة، وهي الرسالة التي كانت تحمل في طياتها مضامين مشروعه الروائي العظيم.         

بعدها بأشهر قليلة سيطلق عنان مخيلته في روايته الفقراء، حيث عبر فيها ديستويفسكي عن تضامنه مع الفقراء الذين كان يعتبرهم مجرد ضحايا اضطهاد الشر للخير، فكانت الرواية بمثابه البداية الكبيرة لدوستويفسكي.

تدور الرواية في فلك رسائل ثلاث عن حياة بشر لم تتم لهم فرصه الفرار من البؤس، وأحداثها تدور في الإحياء الفقيرة في مدينه سان بطرسبورغ.

هؤلاء الفقراء يعيشون دون رجاء، فليس لديهم سوى الحماسة الجوفاء ورغبه متأرجحة للحياة وهي لا تختلف كثيرا عن الحياة الصعبة التي كان يعيشها الكاتب بنفسه، رغم أن الكتابة كانت تحرره  في أحايين كثيرة من نزعات التوتر والإنفعال التي تجتاحه.

فغورشكوف إنسان بسيط يعيش في غرفه صغيرة مع عائلته، يكبت ألمه ومعاناته عن أقرب الناس إليه زوجته بعد أن فقد ابنه ( نيكيتا ) بسبب عجزه عن معالجته من مرض أصيب به، فصار موت الإبن صاعقا لآخر طاقة له من فرط صبره وتحمله.. فذات ظهيرة بدا يردد اسم ابنه على مسامع زوجته التي كان يرعبها ذلك، فترسم شارة الصليب وتتركه ليرتاح وعندما تعود تجده جثه هامدة.

لكن خيط الرواية المتصل بتلك الرسائل يفتح لنا باب قصه أخرى عن ديف وشكين. ذلك الشاب غريب الأطوار العاجز عن تنظيم مشاعره المشوشة والقلقة، والذي حين يصاب بمرض يعجز والده عن معالجته، فلا مال لديه يستطيع به إنقاذه من براثن الموت. فتتجلى هنا براعة ديستويفسكي في وصف مشهد احتضاره حين يطلب أن تزاح ستائر نافذة الغرفة كي يمتع نظرة بآخر صوره للسماء. لقد أراد أن يمتلك أمل نهار مشمس، لكن السماء كانت تمطر فيهز رأسه بأسى وينظر إلى فرنكا ويمو ! ويتأتى ختام تلك الرسائل عن فرنكا التي تستل من دفتر ذكرياتها جزءا من حياتها. فتكتب إلى ماكار عن نقطه التحول إلهامه في حياة أسرتها الميسورة عندما أفلس والدها التاجر بسبب عجزه عن سداد ديونه.. فينقلب الحال بهم فيلجؤوا إلى إحدى قريباتهم كي يعيشوا في بيتها الصغير، ولتبدأ الخطوة الأولى لهم في مسيره الفقر ومصاعب الحياة التي تتكالب على كل من يسقط من أعلى سلم المجتمع الذي لا يرحم الضعفاء.!

هكذا نجح ديستويفسكي من خلالها رسم صورة واقعيه للحياة عرت الجانب الإنساني المزرى الذي كان يعيشها الفرد في روسيا القيصرية.. فشكلت عالما من لون واحد ذا كينونة خاصة، ففتح من خلالها الباب لكتابة الرواية الاجتماعية على حد وصف الشاعر الروسي الكبير نكراسكوف. إذ استطاع ديستويفسكي من خلال نسق الرواية أن يوجه نقدا لطبيعة الحياة القاسية بعرضه لتلك النماذج البشرية المهمشة تحت دائرة الضوء. فكل من يقرأ الرواية قد تتشكل لديه قناعة أن ديستويفسكي لم يكن يجهل أي شيء من تفاصيل حياة الفئة الهشة من المجتمع التي كان يتطرق إليها، وكيف لا وحياته ككاتب ومواطن عادي جدا كانت تتطابق في عدة جوانب وملامح أبطال الرواية، حيث لم يكن ديستويفسكي وهو يكتب يكتفي بمخيلته أو بما كان يسمع أو يطلع عليه من حكايات الناس أو قصاصات الجرائد، أو بالأحرى محاضر الشرطة أو مرافعات المحاكم كما كان يفعل أترابه كتاب عصره، بل كان يغرف من لسعات الحياة التي كان يعانيها.

وبما أنه كان لصيقا بهذه الطبقة ويقاسمها قساوة العيش، فلم يكن عليه بالعسير أن يأتي بنماذج حية من المجتمع الروسي ما لم يستطع أن يأتي به غيره من الأدباء الروس. فجاء إبداعه متميز كنتيجة لمخاض عسير بعد معاناته هو شخصيا من قهر الحرمان والعوز. فلنتخيل كيف كان لدوستويفسكي أن يأتي بهذا العمل لولا التصاقه بالواقع المرير الذي كان تعاني منه الطبقات المعوزة ديستويفسكي قد استلهم إذن من هذا الواقع المرير الذي طالما عانى منه بنفسه، وبفضل ذلك استطاع أن يفصح بهذا العمل الأدبي الفذ عن موهبة ناضجة. فاستقبلت آنذاك نظرا لواقعتيها ونقدها اللاذع للظلم بترحاب كبير من قبل الأوساط الأديبة الروسية، حيث أثنى عليها الناقد الروسي الكبير بيلنسكي (1811-1848)، وخاطبه قائلا: "يجب أن تعتز بموهبتك وتخلص لها ولسوف تصبح كاتبا كبيرا". هذا الإطراء الذي جعله يشعر بالارتباك فيقول: "انتحيت بنفسي جانبا وانأ في اشد حالات الإنفعال". فالتواضع الشديد هدا والجانب الأخلاقي للأديب الروسي الذي كان كل همه ينكب على تقديم خدمة جليلة، ليس لمجتمعه فقط الذي كان يحلم أن يخرجه من براثن تلاتيه الجهل و البؤس والظلم، بل للإنسانية جمعاء. وهذا ما كان يبوح به لأخيه وهو يترجاه أن يساعده في  تحقيق حلمه ومبتغاه.