الجمعة 16 نوفمبر 2018
في الصميم

فرنسا تفضح «عورة» الأحزاب المغربية!

فرنسا تفضح «عورة» الأحزاب المغربية!

لست فرنسيا، ولا أتوفر على بطاقة الناخب بفرنسا. كما أني لست خاضعا للتكليف الضريبي بفرنسا ولا أحمل بطاقة وطنية فرنسية أو جواز سفر فرنسي. ومع ذلك أمكن لي أنا المواطن المغربي أن أعرف من سيكون مرشح اليمين الفرنسي للانتخابات الرئاسية المقرر تنظيمها في ربيع 2017، كما سيكون بإمكاني بعد أسابيع أن أعرف من سيمثل العائلة اليسارية بفرنسا في تلك الانتخابات. وذلك بفضل الانتخابات التمهيدية التي تجري داخل كل عائلة سياسية (وهو تقليد تم اقتباسه من أمريكا) التي يتبارى فيها المرشحون ويقدمون تصوراتهم وبرامجهم والتزاماتهم بما يسمح بتعبئة المجتمع حول قضايا عامة ويسمح أيضا بتنظيم الاصطفاف السياسي والفكري داخل المجتمع بشكل واضح وشفاف.

المفارقة أني مغربي، وأتوفر على بطاقة الناخب بالمغرب. كما أني خاضع للتكليف الضريبي بالمغرب وأحمل بطاقة وطنية مغربية وجواز سفر مغربي. ومع ذلك فلحد الساعة، ورغم مرور حوالي شهرين عن إجراء الانتخابات التشريعية ببلادنا، فإني (ومعي عموم المغاربة) لا نعرف من سيكون وزير هذا القطاع أو ذاك بحكم أن أحزابنا تفضل «الكولسة» و«البيع والشرا» و«باك صاحبي»!! مما يفقدها القدرة على مواجهة المجتمع وطرح التصورات والأسماء وفرق العمل لتتبارى في ما بينها لاختيار الأصلح أو الأقوى في الإقناع. لدرجة أن معايير الاستوزار لا تخضع للكفاءة وللمردودية وللغيرة علىالبلاد بقدر ما تخضع للانبطاح للزعيم الحزبي أو لـ «مول الشكارة» أو "ممون الحفلات الماجنة" لهذا السياسي أو ذاك.

فبإقرار الانتخابات التمهيدية الفرنسية لفرانسوا فيون كمرشح اليمين لرئاسيات ماي 2017، صار يحق لحزب «الجمهوريين» أن يفخر بما حققه من خطوة تنظيمية وتشاركية جبارة، لا فقط لأن التمهيديات جرت بسلاسة انضبط لها قادة الحزب وقواعده، ولكن أيضا لأن الجمهوريين نجحوا في أن يجعلوا تلك الانتخابات حدث كل الفرنسيين، خاصة بعد أن فتحوا صناديق الاقتراع أمام كل المواطنين وليس اليمينيين وحدهم، شريطة تأكيد الانتماء للقيم الجمهورية.

وإذن فنحن أمام درس في بناء الأداة الحزبية، وفي تقوية عرى التشارك إزاء المواطن. وهو كذلك درس يمكن أن يلهم عددا من النخب السياسية حتى خارج التراب الفرنسي، وتحديدا تلك التي لا تزال تتمرن على الفكرة الديموقراطية مثل بلادنا.

في هذا الإطار سيكون من المشروع التساؤل حول مدى استفادة مشهدنا الحزبي المغربي من ذلك الدرس. وفي صيغة أكثر دقة نتساءل: ماذا لو جربت أحزابنا المغربية وصفة الانتخابات التمهيدية خلال محطة 2021؟ إذ لو تحقق ذلك لتوفرت لنا مكتسبات عديدة لا يمكن أن يقرف منها إلااللاديموقراطيين. من ذلك مثلا:

- وجود زعماء الأحزاب المغربية أمام اختبار الشرعية الحقيقية المستمدة من القواعد في حالة اقتصار التمهيديات على الحزب وحده، ومن القواعد وعموم المواطنين في حالة تعميم الاختبار على كل المعنيين بالشأن السياسي. ومعناه قطع الطريق على كل أشكال الإنزال والبيع والشراء التي صارت مستشرية داخل الاحزاب.

- التمهيديات ستسمح ببروز وجوه جديدة يفتح أمامها الباب لتشكيل نخبة جديدة عوض تلك الوجوه التي تجعل من منصب القائد الحزبي وراثة دائمة قائمة على نوع من الريع الحزبي.

إن تحقق هذين المكسبين في تقديرنا كاف لوضعنا إزاء مقدمات لخريطة حزبية جديدة يكون بإمكانها تحقيق قفزة إيجابية في مشهدنا السياسي وفي القطاع الحزبي على وجه خاص. وتتأتى قيمة ذلك من قناعتنا بأن الحزبيين لا يمكن أن يسهموا في بناء الديمقراطية ما لم يكونوا ديموقراطيين أساسا، وبأن هذه المسطرة المقترحة هنا ستمتع القائد الحزبي بالمغرب بشرعية حقيقية عوض وهم الشرعية القائم اليوم، حيث نرى على سبيل المثال قائدا حزبيا يرأس الحكومة وهو لا يحصل سوى على 4 في المائة من أصوات المسجلين في اللوائح الانتخابية تخول له التصرف في حاضر ومستقبل المغاربة. ومع ذلك لا يكف عن ترديد أنه يمثل كل المغاربة، فما بالك بالقادة الآخرين الذين هم قاب قوسين من العتبة!!