الأربعاء 19 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

منير بلغيتي : ثقافة تعظيم الكلفة عبثا لإنتاج المظلومية ابتذالا.

منير بلغيتي :  ثقافة تعظيم الكلفة عبثا لإنتاج المظلومية ابتذالا. منير بلغيتي

 

ثقافة الاحتجاج والتعبير بالوسائل السلمية أمر ضروري في سيرورة التحول الديمقراطي للشعوب، وقد أظهر المغاربة في العديد من الأحداث الوطنية والدولية أن هناك ترسيخ أكثر، وميل مبدع في أشكال الاحتجاج السلمية، ولعل في حركة المقاطعة لبعض المنتجات الاستهلاكية خير مثال وأبرز نموذج عن هذا التمثل لأحد أبرز التعبيرات عن عدم الرضى والسخط على السياسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتبعة.

على أن هذا الإبهار على مستوى الابداع في أشكال الاحتجاج واختيار طرق التأثير والتنبيه، ولم لا بعث الرسائل إلى من يتولى زمام السلطة والتقرير سرعان ما يتحول إلى حيطة وحذر قد يصل إلى درجة الانشغال والقلق من أشكال وطرق مقارعة المخالفين في الرأي، فهذا الميل المتعاظم إلى تحطيم وابتذال كل رأي أو موقف مخالف مؤشر خطير على خلل ما وتناقض واضح.  فبالقدر الذي تتطور فيه أشكال الاحتجاج المشروعة والمطلوبة كشرط صحة وضرورة ضد كل أشكال الحيف والظلم والتعسف فإن عدم تقبل الآخر والعنف الرمزي واللفظي الذي يواجه به، يشكل ارتدادا على مستوى الفكر الحاضن والمؤطر لهذه الثورة الإبداعية في أشكال الاحتجاج، بل أنه علامة فارقة على خلل عميق ومؤثر.

فالأكيد أننا لا نستحم في النهر مرتين، وأنه تبعا لذلك لا يمكن إحياء فكرة تقدمية أو اختزال تصور للمجتمع عبر المشاركة من عدمها في تظاهرة ظاهرها التضامن مع الريف وشباب الريف الذي يؤدي من زمنه ضريبة السجن، وضريبة اندثار الأمل في سياسة عمومية ومجالية منصفة، وباطنها محاولة البعض استنباط بؤرة توتر وتمطيطها زمنيا للبرهنة على صحة عقيدة سياسية تتوهم الحقيقة المطلقة وتصنع أصناما جديدة  باسم الجماهير  والصمود ومواجهة المخزن . إنها محاولات الهروب إلى الأمام   أو التهرب من نقد تجريبية إلى الأمام بالمفهوم الكنطي للنقد أي البحث في حدود الصلاحية.

إن التباس التضامن وحدوده مع الشعار السياسي أو اللاشعور السياسي الذي انفلت من البعض و أضحى يقيم محاكم التفتيش مجددا وهو يستبطن عقيدة الديكتاتورية ولا يهم أن تكون هذه الأخيرة باسم البروليتاريا أو الجماهير هو استمرار في إنتاج شروط الإعاقة الثورية عبر تشجيع وتعظيم الكلفة الإنسانية لأنه لا يستطيع خلق الفكرة السياسية القادرة على الجمع  وعلى أحداث التراكم الضروري لكل انتقال نوعي لخلخلة التسلط الاقتصادي وديكتاتورية السوق ومن ثم يتم الاكتفاء بعمليات الالتفاف ورأسملة جموع التضامن البديهي والعفوي مع كل مسلوب للحرية سواء كان جنفا أو مصادفا للصواب.

الدرس القاسي من كل هذا الدولة وأطرها الاجتماعية والاقتصادية رأت في الملكية التنفيذية ما يحصنها من التغيير واقتسام السلطة والثورة والعدالة المجالية والإنصات لأصوات أجيال الشباب الباحث عن الأمل، والبعض الآخر والذي من المفروض أن يشكل النقيض يرى في فقدان الأمل وأسطورة السجن والسجان وما ينسج حولها من تعاطف ما يقرب إلى الثورة ، في غياب الفكر الوطني التقدمي الذي انشغل قادته باللحاق بأصحاب الثروة وتصفية التركة فساد التيه، والبحث عما يحصن الوطن والممارسة  السياسية من وهم ووهن مرض الطفولة والشيخوخة السياسية.

هذه مجرد أفكار واستنتاجات خاطئة تحتمل الصواب .

ـ الأستاذ منير بلغيتي محام وحقوقي .