الاثنين 23 يوليو 2018
كتاب الرأي

مصطفى المتوكل الساحلي : هكذا هي خدمة قضايا الشعب بدل المصالح الخاصة

مصطفى المتوكل الساحلي : هكذا هي خدمة قضايا الشعب بدل المصالح الخاصة مصطفى المتوكل

عرف الوهن في القواميس بأنه:  " ضعُف في الأمر أو العمل أو "

قال ابن القيم الجوزية : "من استطال الطريق ضعف مشيه."  

إن من نتائج الابتعاد عن الواقعيَّة والموضوعية وعن التحليل الملموس للواقع الملموس، والإسراف فيما يجب عقلنته وضبطه، والتقشف في كل فيه مصلحة للعامة في جميع القطاعات، أن تختل الموازين ويتأبط كل واحد رأيه وهواه لا يهمه من حيي أو هلك عن بينة .

كما أن عدم الوضوح في الأهداف والارتجال والتردد في اتخاذ القرارات وفي التخطيط ، يعلن عن جهوزية لفشل بعض الاستراتيجيات منذ بداياتها وتعثر أخرى، مرة بسبب استصغار بعض المشاكل والإكراهات، ومرة بسبب التضخيم والتهويل، مما يكون معه الخبراء والراي العام مدركين لوجود وهن وضعف في أية حكومة انطلاقا من أقوالها وأعمالها وتنزيلها لبرامجها ، وهذا يوسع دائرة عدم الثقة والتحفظ من الآخر. إن قوانين العقل والمنطق والصالح العام يفترض أن تكون قوية ومحصنة حتى لا تنجر مع الترضيات وخدمة مصالح معينة وتوازنات ريعية ونفعية حتى لو أطرها عرف أو قانون أو سطرتها مؤسسات، فكثيرا ما يتبين بفضل ترجيح المصلحة العامة ويقظة الضمير، أن العديد من المواد التشريعية لم تكن موفقة في صياغتها وتوقيت وضعها، بل وكانت معيبة وخاطئة ترك أمر معالجتها لفقهاء القانون والاجتهاد القضائي بتجنبها وتعطيل العمل بها في انتظار اعتماد تشريع ملائم إن قمة نباهة الإنسان تتجلى في إدراكه لأخطائه واعترافه بها وتصحيحه لها والقطع مع شعار "ولو طارت معزة ". ومن باب أولى وأحرى أن تكون المؤسسات سباقة لتقييم وتقويم ومعالجة الاختلالات التي تقع فيها بتدبيرها، أو بسبب بعض التشريعات المعتمدة، أو لغموض في الفهم والتأويل، أو لتعصب للرأي قد يذهب به إلى تحويل غير المجمع عليه إلى مقدس ولو تبث البطلان.

إن المشاكل التي نعاني منها بفعل سلوكنا وتدبيرنا ومعاملاتنا ليست أمرا واقعا لا مرد له ولا مهرب منه، لأنها نتاج سياسات أفراد وجماعات وقوى ومؤسسات، وقد تكون بحسن نية ، أوعن نقص في الخبرات أو جهل، وقد تكون عن سابق معرفة ووعي كإجراء مرحلي يوازن به بين إطلاق واع و موجه لموجات تضخم وتنوع المطالب والحقوق ولم لا تمييعها ومن تم تبخيسها ، وبين تهيئ الناس للقبول بقرارات جديدة وخلق توازنات منضبطة متحكم فيها ومقدور عليها ..

إن أبواب النجاح تكون بإعداد الناس وتكوينهم وتأهيلهم وإدماجهم في التنمية، وأن تكون القرارات والبرامج وأقوال وأعمال الحكومات محفزة للهمم وتبعث على التفاؤل، وأن لا تكون السياسات متناقضة مع مطالب الشعب وإرادته في العيش الكريم، وتشكك في كل شيء بفعل النتائج المحبطة والمسيئة، مما يولد الوهن والضعف عند شباب اليوم و بناة الغد، وعند كل مكونات الشعب في كل القطاعات الإنتاجية والخدماتية ...لهذا تفاؤلنا وإقدامنا وتضحياتنا وعملنا الذي لا يعطل أو يوقف أو يحبط يكون بامتلاكنا لشخصية قوية ورصيد معرفي متميز ورؤية نقدية تقويمية دائمة، ويكون بكفاءات لا هم لهم إلا خذمة الشعب وليس مصالحهم وغرورهم ...

إن انسداد الأفق، والغموض في المستقبل، والعشوائية والعبث في السياسة من طرف بعض الساسة بالحكم وخارجه باستبلاد للناس بظن أنهم لا يشعرون ولا يحسون ولا يميزون، يشجع على أن يذب الوهن في الجسم والفكر والعقل والإرادة والبلد، فتضعف الهمم، ويتعطل إبداع الحلول والمبادرات الرائدة ، وتتسع دائرة المنسحبين من الشؤون العامة، ويتهافت غير المؤهلين على المسؤوليات كَمَا يتَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى القَصْعَة، ويتدخل من لا علم له بالديموقراطية والتنمية والعدالة الاقتصادية والاجتماعية في أمور العامة والخاصة، وتوظف إمكانيات متعددة هائلة في الإعلام بكل أنواعه يختلط فيه فقهاء الريع بدعاة الإرهاب بالرجعيين والإمبرياليين الذين لاهم لهم إلا نشر المزيد من التضليل والتشكيك لدفع الناس إلى ترك الجمل وما حمل لهؤلاء وهؤلاء، للبحث عن ربوة أو خلوة ينقطعون فيها عن رؤية وسماع ومعاشرة من لاهم ولا شغل لهم إلا في إفساد الناس، فيضيع كل شيء بتعطيل وإضعاف كل الإرادات والطاقات الإيجابية ...

إن الدليل على وجود ضعف في الإرادة من أجل الإصلاح العميق والقوي نلمسه في :

العمل والشغل الذي يعتمد أسلوبا هو أقرب إلى التسلط بطعم "السخرة" كشكل من أشكال الظلم الذي أصبح غير مقبول في عصرنا هذا، وجود أجور هزيلة وساعات عمل مرهقة لعمال وأجراء منهم شغيلة الإنعاش كما هو الحال في بعض قطاعات أخرى ، وبعض المعاشات البئيسة التي أفقرت أسرا عديدة قدمت خدمات كبيرة للوطن فتسيئ للحكومة وأنظمة تقاعدها، وتساءل عن جدوى السياسات المعتمدة ودور المؤسسات التشريعية، كما أن " أجور / تعويضات" بعض المكلفين بالمساجد - الأمن الروحي - من مؤذنين ومنظفين وأئمة والذين لا دخل آخر يساعدهم، تحتاج إلى إجابات، ولنا أن نتأمل حقيقة أجور ومداخيل الغالبية العظمى من الشعب كعمال وكادحين يسعون النهار كله من أجل لقمة عيش تكفيهم بعض جوع يومهم ...

إن المشكلة المركبة هي عدم الوعي والإحساس بالوهن الذي يميت الجسم ماديا ومعنويا ويضعف محيطه ويعجل بالفشل الكلي للمجتمع والدولة ..

إن ما كان الناس ينفرون منه، ويتسترون أثناء الإقدام عليه وفعله، ويتنكرون له، أصبح أمرا عاديا وطبيعيا يتباهى به ويتم احتضانه، و يجوز التبجـح به وتثمينه، وجعله سنة مبتدعة فاسدة قد تخصص لها مسابقات ومواسم وحفلات لتصرف الأموال وتوزع المنح والهبات ..إنه كلما كثرت المثبطات والإكراهات إلا ويفترض أن تتقوى الهمم والإرادات وليس العكس فأعراض الوهن يعرفها الفلاسفة وعلماء التاريخ والاجتماع والاقتصاد والسياسة، ويشعر بها الشعب في معنوياته المتردية وبؤسه ومشاكله وإحباطه وقدراته المتدهورة وبتعرضه لضربات الفشل المتتالية للسياسات الترقيعية والارتجالية.

لهذا وجب القول كفى يرحمكم الله ويسدد خطى الجميع لإصلاح أحوال البلاد والناس ..فما بعد الوهن لا يتمناه كل مصلح وصالح ومن نيته سليمة لأي بلد.

من دعاء الرسول ص: "اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد ".

وقيل : "لا تخلط يقينك بالشَّكِّ؛ فيفسد عليك العزم، ولا توقف عملك على الشَّكِّ؛ فيدخل عليك الوَهن"