الثلاثاء 20 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

مصطفى المنوزي: المسيرة بميزان التكيف بدل التحول 

مصطفى المنوزي: المسيرة بميزان التكيف بدل التحول  مصطفى المنوزي

نال منا الوقت السياسي حتى نسينا قيمة الزمن الإجتماعي، شغلناه بأحلامنا فاحتوانا برداءته، وتحول هدفنا إلى معارك لحظية وتجريبية تساير جدول سياسة الأمر الواقع، نعلق على الأحداث ونحصي الخسائر، وفي أحسن الأحوال نتضامن مع ضحايا السياسة، دون أن  نبكي على أطلال فكرنا التقدمي، أو على الأقل نشعل شمعة منجزاتنا النضالية، ونثمن تضحياتنا. وها نحن نعبئ المواطنين لمعارك التضامن والإدانة، والحال أن العقل يقتضي  بلورة مشاريع بديلة مقرونة باستراتيجية دائمة لتصريف المواقف، بالنضال اليومي و بأفق دمقراطي، وتقديم عرض سياسي يراعي متطلبات المرحلة؛ وإذا كان لابد من تقييم أولي؛ فإنه من بين الأخطاء الملموسة في التعامل مع الحركية الاجتماعية تردد الفاعل السياسي بين الرغبة في تأطير الشباب ومرافقتهم وبين استقطابهم و احتواء حماسهم، بخلفية القرب أو التأهيل الإنتخابي، حتى لا تتماهى المسؤولية القانونية والسياسية وتتوه.

غير أن ما يؤلم كثيرا هو أنه خلال الوقفات والمسيرات تستغرق القضايا العارضة أو الطارئة كل القضايا المصيرية العالقة، والتي لم يتم الإستعاب أن حلها أو طي صفحتها بالعدل، مهيكل لكل دعائم القطع مع الماضي، وهنا وجب التذكير إلى أن المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف يشارك بإستمرار، ويعتبر مشاركة مناضليه وعائلات المختفين قسريا والمجهولي المصير، بمثابة تذكير بنداء الحقيقة والكرامة وعدم التكرار الذي يصوغه يوميا  كافة المناضلات والمناضلين مؤسسي منتدى الحقيقة والإنصاف وذوي حقوق الشهيدات والشهداء وكذا قدماء المعتقلين والمختفين قسريا الناجين من جحيم الاختطاف السياسي والاعتقال التعسفي، مع التشديد والإلتزام و العمل على جدوى تحويل ملف الانتهاكات الجسيمة إلى قضية مجتمعية، وشأن عمومي يتجاوز مطالب فئة ضحايا سنوات الرصاص المباشرين. وأيضا يدعو ويستدعي  كافة الحقوقيات والحقوقيين إلى تمثل رسالة الحقيقة والعدالة وتبني مطلب عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة ومطلب عدم الإفلات من العقاب، وليست الوقفة الرمزية بساحة الأمم المتحدة بالدارالبيضاء ليوم الثامن من يوليوز، التي تنازلت عنها التنسيقية لفائدة من يجب، سوى تجسيد و تعبير عن هذه الإرادة، فهل كنا جميعا في الموعد وفاء للمشترك الوطني؟

وبكل تواضع وضد كل افتعال، يبدو عنوان ونتيجة المسيرة البيضاوية أنها نظمت من أجل دعم ضحايا الانتهاكات والمطالبة بالإفراج عن المعتقلين ولم  يكن بتاتا في جدول أعمالها  خلق زعماء أو عمداء، وفي نفس الوقت، كانت الرسالة سلمية وواضحة بأن الدولة العاقلة لن تبخس المواطنين مطالبهم، صحيح أنها كثيرة وغير مرتبة، ولكن مسيرة التضامن، بمدينة الدار لبيضاء واضحة في بسط واختزال المطلب الوطني المشترك في تصفية البيئة الحقوقية والأجواء السياسية، فليس عيبا أن تعيش الدولة على أنها المتهم المحتمل  والمقترف الافتراضي لكل ما يقع من انتهاكات، فهذه ضمانة للمواطنين بكون دولتهم دائمة اليقظة والمسؤولية لحمايتهم من بطش موظفيها الوطنيين وكذا من اعتداء الخارج، وذلك بالعمل الدؤوب على إثبات براءتها وبتحميل موظفيها المنفذين للقانون كافة المسؤوليات المدنية والجنائية كتصرفات شخصية وغير مرفقية، هذا هو جوهر التعاقد، وكل توتر في هذا المجال مؤطر بالحكامة الأمنية والأمن القضائي يعتبر قرينة على تطهير الخروقات والانتهاكات من أية إرادة التواتر والمنهجية للدولة، رغما عن تباث جوهر النظام السياسي اللا دمقراطي، مما يقتضي ضرورة الوعي بمحدودية سقف الرهانات، و قد يضايقنا الإمعان في تحويل أوراق التوت إلى وثائق لتبادل الثقة والولاء، ولكن ماذا عسانا نفعل في ظل اختلال موازين القوى لصالح المد المحافظ، وهي بيئة خصبة لمزيد من تصلب مواقف التحالف المصالحي تجاه أي انفتاح سياسي أو انفراج حقوقي. فهلا كنا واضحين تجاه ذواتنا وهشاشة تراصنا و تيه بوصلتنا، حيث لا يعقل أن نجهد في محاولات التوحيد القسري، والحال أن الوحدة نضالية قبل أن تكون تنظيمية.