الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

محمد المرابط: هل تتبرأ الدولة من الأحكام المخزنية على قادة حراك الريف؟

محمد المرابط: هل تتبرأ الدولة من الأحكام المخزنية على قادة حراك الريف؟ محمد المرابط

لا يسعني أمام ابتلاءات أحكام الحراك، إلا أن أسأل الله تعالى، الصبر والثبات للمعتقلين، لأمهاتهم، لآبائهم، لزوجاتهم، لذريتهم، لأهل الريف،لعموم المغاربة، في حدود المغرب الحقة. فقد كنت أعتبر نفسي بحكم تداخل علاقات قبيلة أيت ورياغل ووظيفة إمرابضن، ضمن المتابعين في سجن عكاشة. ومع ذلك قمت بواجب التقويم الذاتي، في متابعتي الإعلامية لملف الحراك، ولم أتوقف في ذلك فقط،عند انتقاد المقاربة المخزنية لهذا الملف. لكن أجدني اليوم في حاجة لإعادة ترتيب مشهد الحراك، لتلمس مستويات المسؤولية بشكل أدق،واستشراف آفاق التجاوز الواعي لهذا المأزق، حفاظا على لحمة الآصرة الوطنية، والمصالح "الحيوية" للبلاد.

1-الحراك في مبتدأ أمره أريد له أن يكون تأديبا لإلياس العمري، لمطالبته ساكنة الحسيمة النزول إلى الشارع لمعرفة حقيقة مقتل الشهيد محسن فكري. والجهة التي وقفت وراء ذلك ،حسب دلالة السياق، هي نفس الجهة التي انزعجت من تواجده في أكديم إيزيك، فأرادت أن ترد له "الصرف"، في عقر داره. وهي نفس الجهة الراعية سياسيا لحزب العدالة والتنمية. وحتى دخول جمهوريي الدياسبورا على خط الحراك،زكى هذا الاستهداف، فكانت مناسبة لصقور المخزن للإجهاز على الجميع. وهذا يعيدنا لمشهد انتفاضة الريف في بداية الاستقلال، بين حزب الاستقلال والقصر. فجبهة المظلومين يستوي فيها اليوم المعتقلون وإلياس. ويكفي أن يحسب لإلياس رغم ظلم ذوي القربى، أنه بقي متشبثا بمشروعية الحراك وبراءة نشطائه، ولم ينجر للرد على مستهدفيه. لذلك على جبهة المظلومين أن تتوحد من أجل الحقيقة والإنصاف، في الريف.

2-كان العنوان البارز المؤطر لأحكام المعتقلين السياسيين، هو:" المشاركة في جناية تدبير مؤامرة المس بالسلامة الداخلية للدولة". السؤال الذي يعليه هذا "التكييف"، هو كيف أمكن للجهات الرسمية أن ترعى هذه "المؤامرة"،لسبعة أشهر،لتكتشفها مع نازلة المسجد؟ ما أود أن أخلص إليه، هو أن هذه الجهات يجب أن تقتسم هذه الأحكام مع المعتقلين. شخصيا سبق أن كتبت أنه كانت تجب مساءلة الزفزافي داخل النصف الأول من شهر دجنبر 2016. فهذا التراخي الرسمي ألحق ضررا بالغا بالمنطقة وأهلها وبصورة المغرب عامة. فمن سيتحمل مسؤولية هذا التقصير في إعمال القانون في إبانه؟ حيث يظهر أنه كانت هناك نوايا غير سليمة تجاه المنطقة، أو أخطاء في التقدير، أضعفت المؤسسات، فمن سيتحمل مسؤوليتها الإدارية والسياسية؟

3-كنت أعتبر أن المسار القضائي سيضع المغاربة أمام حقيقة الحراك وفق تكييفات المتابعة. وكنت أتمنى لو أن صاحب الأمر يوقف هذا المسار بمجرد معرفة المغاربة للحقيقة القضائية، لكن مع الأسف فإن هذا المسار صادر فقط على مطلوبه، وليس على مطلب العدالة. وحتى الرأي العام بالحسيمة غير مقتنع بعدالة الشهود، باستثناء الخطيب أبركان،الذي لم يحسن ناصر التعامل مع شهادته. ولمعرفة الحق وتكريسه بالقانون، وبالحكامة في التدبير، على مسؤولينا الوعي أولا بكيمياء مونوغرافيا الريف وجميع الجهات التاريخية للمغرب. لذلك فهذه الأحكام تعبر من وجه، عن أزمة بنية المخزن التقليدية.

4- في كتاباتي كنت أردد أن الخطأ في العفو أفضل من الخطأ في العقوبة، وأن الحياد الإيجابي لصاحب الأمر في الملف، ومكتسبات الإنصاف والمصالحة وآلية المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وروح الوثيقة الدستورية المؤطرة لفلسفة العهد الجديد الحقوقية، والتجاوب المفترض للقضاء مع خطب صاحب الأمر و النقاش العمومي، سيجعل أحكام ملف الحراك مغايرة لأحكام 1984، لكن الحصيلة لم تكن كافية بالمراد. فجاءت الأحكام لتكرس جوهر الاستبداد والاستغلال في البلاد، علما أن سؤال العدالة الاجتماعية والمجالية سيظل مطروحا.

5-نقف في كتاب "الأبحاث السامية في المحاكم الإسلامية"لقاضي الاستئناف الشرعي بتطوان، العلامة محمد المرير،على مسألة "الأخذ بالأخف"، في الأحكام. لذلك، تبقى "المرجحات المعتبرة" في حالتنا، تنتصر للحفاظ على المكتسبات التي بناها صاحب الأمر شخصيا في الريف وفق نهج المصالحة، و فلسفته في الحكم المبنية على الحلم، وبالتالي فالأحكام يجب أن تخدم أفق الإصلاح وليس العقاب. ومن ثم فتكييفات المتابعة الجنائية المخزنية جعلت الدولة في مأزق حقيقي. لهذا يبقى الأمل في تدخل صاحب الأمر لتصحيح هذا الاختلال.

6-الآن تستوجب المرحلة من المعتقلين ودفاعهم و عائلاتهم، والمبادرات المدنية، العمل بقدر من التنسيق، لما يتطلبه العمل الموازي لمحطة الاستئناف، و الأفق واعد بمفارقاته،في ظل توضيح محامي الدولة، الأستاذ طبيح، بـ"أن الدولة لم تطالب بأية عقوبة ضد أي متهم، ولم تعترض على أي طلب للإفراج عن المتهمين، ولم تطالب بأي تعويض، ولم تنتصب ضد الصحفي المهداوي، وأن حضور الدولة للمحكمة من أجل أن تبلغ عن الأضرار التي لحقت برجال الأمن". و"أنه من الطبيعي أن يقابل أي حكم قضائي من شأنه المس بالحرية، بالإحتجاج، وبالتالي فمن المشروع أن يعتبر الناس بأن الأحكام الصادرة قاسية، وهذا من حقهم لأنها تمس بحريتهم".

وفي الختم؛ أنحني تقديرا لمنسق هيئة الدفاع، الأستاذ النقيب الجامعي. اشتدي أزمة تنفرجي