الثلاثاء 14 أغسطس 2018
مجتمع

علي المدرعي: على الدولة أن تعيد للحقل الديني اعتباره قبل فوات الأوان

علي المدرعي: على الدولة أن تعيد للحقل الديني اعتباره قبل فوات الأوان الفاعل المدني علي المدرعي

ظاهرة استغلال المناسبات العائلية سواء كانت مناسبة فرح أو مأتم من طرف المتطفلين فقهاء أبواق خطاب عذاب القبر، تطفو على سطح الظواهر الخطيرة المنتشرة بين مختلف فئات المجتمع، وتهمين بشكل لافت وخطير على ساكنة العالم القروي، حيث المرتع خصب لترويج خطاب الدجل والشعوذة والتخلف، وتغليط الناس في أمور دينهم ودنياهم، واستعمالهم مطية وحطب نار الصراع.

في هذا السياق استضافت " أنفاس بريس " الفاعل المدني الدكتور علي المدرعي الذي أجاب على مجموعة من أسئلتنا نلخصها للفراء في الورقة التالية:

أكد الدكتور علي المدرعي على أن "هناك نوعان من الفقهاء المتخصصين في تقديم دروس دينية، سواء خلال حفلات الفرح كالعقيقة أو خلال حفل التأبين كالمأتم، النوع الأول يقوم بترتيل القرآن والأمداح النبوية وتقديم الدروس الدينية باتفاق مع أصحاب  المناسبة وأهل البيت. والنوع الثاني، متطفل يفاجأ حتى صاحب الوليمة" وأوضح بأن هذا "النوع من المتفيقهين، يستغل الفرصة وينصب نفسه داعية وفقيه عالم بأمور الدين والدنيا، ثم يستحوذ على مجلس الجمع من المدعوين، ويتحول إلى الآمر الناهي دون أن يرف له جفن، بعد أن ينتهي طبعا فريق الفقهاء من قراءة القرآن. وينطلق في فذلكة دروسه والتعسف على الأحاديث إلى درجة استياء وغضب أهل البيت وأصحاب المناسبة من تصرفاته."

وسلط نفس المتحدث الضوء على هذه الفئة قائلا "في الكثير من الأحيان تكتشف أن هؤلاء المتطفلين لا تتوفر فيهم أدنى الشروط الأكاديمية اللازمة  لتحمل مسؤولية الخطابة وتقديم دروس في الوعظ والإرشاد أمام جمع من الناس، خلاف النوع الأول الذي يكون متمرسا ومدركا للعديد من الأمور الفقهية والأحاديث والمواعظ المرتبطة بالتأطير الديني. لأنه محسوب على فريقه من الفقهاء المؤطرين والمكونين". وأضاف في حديثه عن فقهاء الزرود المتطفلين قائلا كذلك "في حضرة الفقهاء المتطفلين يتحول الحضور/ الضيوف الجيران والأهل والقادمين من بعيد إلى رهائن في يد الفقيه المتطفل وأصحابه، ويفرض على ضيوف الحفل أو الوليمة أو المأتم، الإستماع إلى خزعبلاته، وتحمل " قنابله "، والإنصياع إلى ظروف الزمان والمكان، فيصول ويجول دون حسيب أو رقيب ويقول ما يحلو له من الكلام. يحرم ويحلل كيفما يريد ويشاء. يصور جهنم وفق خياله المرعب ويصف عذاب القبر وهول جحيم جهنم بأغرب الأشياء وكأنه كان حاضرا مع الميت في قبره".

واستطرد في وصف هذه العينة التي تمتطي في بعض الأحيان صهوة الإفتاء "هذا النوع يتطفل على أصول الدين والشريعة وعلى الفقه الإسلامي والأحاديث النبوية، ( مكاين غير جيب يا فم وطلق ) ويمكن أن يتحول إلى ركن المفتي، ويخوض في أمور وقضايا الفقه المستعصية والمعقدة، حتى على كبار العلماء والمتخصصين. لذلك أعتقد أنه من اللازم أن تبقى هذه الأمور والقضايا حكرا على العلماء المتخصصين في فقه الشريعة وتفسير الأحاديث. ولا يمكن لأي كان أن يتحدث فيها مثل هؤلاء المتطفلين الذين يسيئون للدين والتدين.

وعن طبيعة دروسهم أوضح الدكتور علي مؤكدا بأن "المواضيع التي يتناولها الفقهاء المتطفلين في الولائم والأفراح ومناسبات المآتم هي مواضيع بعيدة كل البعد عن نوع المناسبة ونوعية الحضور". هنا نطرح السؤال يقول علي " ألا يمكن للفقيه الواعظ والمرشد أن يتحدث في المناسبات العائلية عن القضايا المصيرية التي ترهق كاهل المواطنين ؟ مثل قضايا الفساد والريع والصحة والتعليم والشغل والسكن وغلاء المعيشة والفقر والبيئة والبنية التحتية ؟ على اعتبار أنها حقوق أساسية، ويؤطرها في نفس الوقت بالواجبات كذلك؟؟ ". وباستغراب يضيف متحدثا للجريدة أن "الأغرب من هذا وذاك أن المتطفلين على ميدان الوعظ والإرشاد فقهاء المناسبات العائلية بالأحياء الشعبية الهامشية يحولون دائما الوليمة والفرح ولو كانت المناسبة حفل ختان أو زواج يحولونها إلى شبه مآتم ، من حيث التركيز على أمور لا علاقة لها بموضوع الحفل مثل تحريم إعداد الطعام وتقديم وجبات العشاء للميت، يحرمون زغاريد النساء لأن صوت المرأة عورة، يحرمون الغناء والرقص، وصلوت حتى إلى وصف عذاب القبر، والإتيان بأمور لا علاقة لها بما جاء في القرآن، ويبسطون هيمنتهم على الحفل ويوجهونه كيفما يحلو لهم".

وفي نفس السياق أكد أيضا بقوله " أكيد تقع أحيانا مصادمات بين هؤلاء المتطفلين وبعض أفراد العائلات المتنورة والغيورة خلال الحفلات الدينية، حيث ترفض ولا تقبل بتمرير مغالطات في مجال التدين، وتتدخل أحيانا أصوات متعلمة ومتنورة من أجل تصحيح الأمور، والرد على بعض المغالطات التي يروج لها الفقيه المتطفل دون الحديث على الأخطاء الفادحة التي تتعلق بأحكام الشريعة الإسلامية ". وأعرب عن تخوفه عما يقع بالعالم القروي بخصوص الظاهرة قائلا " الخطير في هذه الممارسات وتداعياتها، هو سيطرة وتغلغل فقهاء آخر الزمن المتطفلين على المجال الديني، وسط مجالات شاسعة بالعالم القروي المفتوح على مصراعيه لفائدة هؤلاء الجهلة والأميين والدجالين المتطفلين على الحقل الديني، حيث نجد المواطن البسيط الذي لا يتوفر على القدر الكافي من المناعة الفكرية والمعرفية للتصدي لمثل تلك الخزعبلات وانتقاء الطيب منها عن الخبيث، والصحيح عن الخاطئ . فيستسلم المواطن ويقع فريسة لرواياتهم وحكاياتهم وفتاويهم . ولما  يستحوذ الفقيه على مجلس الوليمة والحفل المناسباتي، فقد يلجأ إلى تمرير ما يحلو له من رسائل قد تصل في بعض الأحيان إلى تلميع وجوه شخصيات سياسية. لأنه تمكن من السيطرة على ذهنية المتلقي عن طريق الدين وسلطته المقدسة".

وختم حواره مع الجريدة قائلا "يجب على مؤسسات الدولة المختصة بالشأن الديني أن تتحمل مسؤولياتها في ما يقع من تسيب في الحقل الديني من خلال استغلال المناسبات العائلية والحفلات الدينية والمواسم لتمرير خطابات دينية مغلوطة ورسائل سياسية لفائدة جهات معينة. " ونبه إلى ذلك داعيا الجهات الوصية إلى " الإنتباه إلى  خطورة هذا الملف، والعمل على تتبع منح رخص لكل من يريد أن يؤطر مثل هذه المناسبات تفاديا لاستغلال الدين في أمور الدجل والظواهر الغيبية، وتمرير رسائل لا علاقة لها بالمذهب المالكي ".