الاثنين 18 يونيو 2018
كتاب الرأي

أحمد بومعيز:حملة المقاطعة تربك الحكومة وتدفع وزير الحكامة للاحتجاج في الشارع

أحمد بومعيز:حملة المقاطعة تربك الحكومة وتدفع وزير الحكامة للاحتجاج في الشارع أحمد بومعيز
وتستمر بالمغرب حملة مقاطعة منتجات ثلاث شركات كبرى (شركة إفريقيا لتوزيع المحروقات المغربية – شركة سنطرال للحليب ومشتقاته الفرنسية – شركة مياه سيدي علي المغربية ) بعد أن دخلت شهرها الثاني ، وكبدت الشركات المعنية خسائر لم تكن متوقعة ، حتى أن إحداها أقدمت على تسريح العمال والتراجع عن الكميات المطلوبة من الحليب بنسبة ثلث العرض الذي يقدمه 120000 فلاح أي 30000 حصة، مما يندر بأزمة اجتماعية في المجال القروي الذي يعاني أصلا من الهشاشة . وإذا كانت حملة المقاطعة هذه وبشكلها الحالي قد أترث على الشركات المقصودة ، وإذا تم اعتبارها أيضا حركة احتجاجية شعبية يمكن تصنيفها كشكل من أشكال النضال البديل عن الأشكال الكلاسيكية كالإضرابات القطاعية والاحتجاجات عبر الوقفات..، فإنها تعتبر أيضا وبالأساس حاملا وموجها لمؤشرات دالة على تحولات مؤثرة في المشهد السياسي المغربي ، ولممارسات وأداء الأحزاب والنقابات والنخب في إطار تأطير المواطنين وتدبير الشأن العام ، وعلى الأقل مرحليا في علاقة مع الأغلبية كحكومة ، ومع المعارضة ، ومع المكونات التمثيلية والمؤسسات الدستورية الأخرى المرتبطة بالحكامة كالمجلس الاقتصادي والاجتماعي ومجلس المنافسة وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني ...
وكنتيجة مؤقتة لحملة المقاطعة ، والتي يجب التعامل معها كصيرورة لأحداث وتراكمات عدة في سجل الحركات الاجتماعية والتحولات والتفاعلات السياسية والنقابية التي تعرفها البلاد في السنوات الأخيرة ، فقد أدت نتائجها واستمراريتها والتعبئة لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى إرباك العديد من الحسابات السياسية المسبقة والتي بنيت على فرضيات ما قبل المقاطعة ، وبالتالي سيكون المشهد السياسي مرهونا بهذه النتائج و بتداعيات أخرى . وهنا لا بد من قراءة بعض الإشارات الدالة والوقوف على تأثير المعطيات المرتبطة بذلك . فيبدو أن الرهان على حكومة العدالة والتنمية في نسختها الثانية ( 2017/2021) لم يعد مربوحا من طرف الذين راهنوا عليها ، وبدأ التشكيك في قدرة الحكومة على تدبير الوضع والتحكم في المعادلة الاجتماعية والسياسية المتحولة بسرعة ، والدلائل والمؤشرات كثيرة ، وآخرها أو أبرزها هي مشاركة لحسن الداودي الوزير المنتدب لدى الحكومة المكلف بالشؤون العامة والحكامة مساء يوم الثلاثاء 5 يونيوه الجاري في وقفة احتجاجية أمام البرلمان مع العمال الذين تم تسريحهم من طرف شركة " سنطرال " المعنية والمتضررة من الحملة ذاتها. فإذا نظرنا إلى هذا الحدث أو الموقف – الغريب- لوزير الحكامة في حكومة أغلبية يقودها رفيقه في الحزب سعد الدين العثماني، نستنتج مدى الارتباك الذي تعيشه الحكومة ، فاحتجاج الوزير مع العمال يعني احتجاج الوزارة أي احتجاج الحكومة ، لكن على من ؟وعلى ماذا ؟ تحتج على الفئات الشعبيىة التي تقاطع مواد الشركات بمبرر غلاء الأسعار وضعف القدرة الشرائية للمواطنين . وإذا كان الأمر يتعلق بغلاء الأسعار وضبطها والتحكم في تدبيرها وجودة المنتوجات ، فالأمر يعني بالضرورة الحكومة وبالضبط وزارة الحكامة التي يشرف عليها الوزير المحتج ، فهو إذا يحتج على المواطنين المقاطعين ، ويحتج أيضا على نفسه و على الوزارة التي لم تقم بمهامها في مراقبة السوق والمنتوجات وتفعيل الحكامة . كما أنه يحتج علنا على الحكومة التي لم تفعل المؤسسات الدستورية المعنية بالموضوع ، كمجلس المنافسة المجمد منذ 2013 ، إضافة إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي لم يحرك ساكنا بعد موجة المقاطعة .
وإضافة إلى وقفة وزير الحكامة التي تدخل منطقيا في باب "مبدأ الثالث المرفوع " ، وتعاكس كل أبجديات التنظيم والتسيير المؤسساتي المسؤول والسليم ، يمكن التذكير بمعطيات أخرى مرتبطة بالحكومة وبالحكامة والأسعار في علاقة مع الشركات المعنية بالمقاطعة ، فالحكومة السابقة التي ترأسها نفس الحزب – العدالة والتنمية – هي التي حررت أسعار المحروقات وألغت تدخل صندوق المقاصة في المنتجات البترولية في دجنبر 2015 ، ولم تحدد سقف الأثمنة ، والوزير الحالي – المحتج أمام البرلمان - كان ضمن الفريق الحكومي آنذاك ، كما اعترف رئيس الفريق البرلماني لنفس الحزب وأعلن أمام لجنة المالية في البرلمان أن أرباح الشركات الموزعة للمحروقات كانت مرتفعة جدا ، وقد بلغت حسب المعطيات الأخيرة إلى 17 مليار درهم من نهاية 2015 إلى 2018 كربح صاف ، وهذا كان كافيا ومبررا لتدخل الحكومة ووزارة الحكامة لتقييم وتقويم الوضع بشكل استباقي حتى قبل انطلاق حملة المقاطعة ، لكنها لم تفعل ولم تحاول .
هذا فقط بخصوص وزير الحكامة الذي ينتمي لحزب الأغلبية ورئاسة الحكومة العدالة والتنمية الذي أعلن انشقاقه ضمنيا بوقوفه مع العمال ضد الشعب وضد الحكومة . لكن هو ليس المعني الوحيد وحزبه ليس وحده من يتحمل المسؤولية فيما يقع من تداعيات سياسية ، فالشركة الأخرى المعنية بالمقاطعة ، وبموضوع المحروقات هي شركة في ملك وزير نافد في الحكومتين السابقة والحالية ، حتى أن العديد من الأوساط تؤكد هندسته وإخراجه لسيناريو البلوكاج الحكومي بعد انتخابات 2016 ،وإبعاده لبنكيران وتنصيب العثماني ، وهو الزعيم الجديد لحزب التجمع الوطني للأحرار" عزيز أخنوش" ، وحسب الكواليس السياسبة في المغرب ، فإن حزبه يتمرن منذ فشل مشروع حزب الأصالة والمعاصرة في الوصول إلى قيادة الأغلبية في الاستحقاقات التشريعية الماضية 2016 ورئاسة الحكومة ، يتمرن كي يكون الرقم الرابح وقائدا للأغلبية في انتخابات 2021 ، والعديد من المتتبعين يعلمون أن أخنوش يحاول أن يكون الرجل القوي في الحكومة الحالية ، وأنه لن يقبل بالهزيمة في الانتخابات المقبلة ولن يقبل إلا برئاسة الحكومة . لكن حملة المقاطعة دخلت على الخط وبعثرت مشروعه نظرا لكون شركته معنية بالمقاطعة ، ولكونه كان وزيرا في الحكومة السابقة التي سنت التحرير العشوائي لأسعار المحروقات ، ووزيرا قويا في الحكومة الحالية لوزارة عملاقة " وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات " . وهذا دليل آخر على ارتباط السياسة بالمال والأعمال .
وختاما ، فإذا كانت المعطيات الحالية ، تسمح بتقييم جزئي لمسار ونتائج حملة المقاطعة ، فإن الاختلاف في زاوية النظر وتأويل المعطيات ، والمزايدات السياسوية بين عناصر ومكونات الحقل السياسي والاقتصادي ، والتمادي في التنكر لموضوعية وشرعية المطالب الاجتماعية ، والإكراهات والصعوبات والتعقيد الذي تعرفه الظرفية ، قد يقوي فرضية واحتمالات الانفلات والمغامرة نحو المجهول والتي باتت واردة في هذه المرحلة الدقيقة ، مرحلة نزقة تتطلب من المسؤولين والمؤسسات الكثير من الحكمة والحكامة...