الاثنين 19 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

ميلود العضراوي: الديمقراطية والفهم النسبي والعلاقة المبتورة

ميلود العضراوي: الديمقراطية والفهم النسبي والعلاقة المبتورة ميلود العضراوي

الديمقراطية فهم وممارسة ومعرفة، والممارسة تقتضي احترام المبادئ الأساسية للديمقراطية، احترام الأفراد ، احترام الاختيارات ، احترام المؤسسات، وأول مؤسسة ينبغي احترامها هي مؤسسة الشعب ، فهي بالضرورة المحك الذي صقلت عليه الديمقراطية نفسها وهي المؤسسة التي تؤول إليها دينامية الفعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتشريع والتقنين والضبط. الدستور المغربي الذي وضع الإطار العام للأنشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حدد أيضا الوظائف العامة للمؤسسات والوظائف والمسؤوليات، ورسم حدود صلاحيات كل منهما، فرض احترام القوانين وتطبيقها وألزم الجميع باحترام الخيارات السياسية والاقتصادية والحريات وذلك من خلال 12 فصلا في دستور 2011 و43 مادة تتحدث كلها عن الحريات الفردية والجماعية وكرامة المواطن التي تعتبر "خطا أحمر" لا يمكن تجاوزه.

تمارس الديمقراطية ؛ في حدودها المؤسساتية الدستورية، ولا تتعداه إلى ما سواه ولا تقل عنه في شيء، وهي ديدن كل بلد يسعى ليكون بلد المؤسسات والقوانين والنظم المدنية الديمقراطية.الممارسة الديمقراطية تنفي غيرها وبدون ديمقراطية يمكن لأي مسؤول أو حتى موظف صغير في الإدارة العمومية أن يضع شروطه الخاصة وقانونه الخاص، ليصبح فوق القانون نفسه، وتلك حالات ملموسة في الإدارة المغربية على أكثر من صعيد. غياب الديمقراطية الحقيقية يترك الفرصة سانحة للاديمقراطية التي تتحول بفعل احتكار السلطة والغلو إلى ديكتاتورية ، أي إلى ذلقراطية كما قال المرحوم المهدي المنجرة. فالخطاب السياسي المتعالي والمتسلط، الذي بصدر من أي مسؤول حكومي أو عمومي، لا يمكنه إلغاء الديمقراطية ولا يمكن له أن يصادر الحق في ممارستها، فبدون هذه الممارسة التي تعلن الاختيار والحق في الاختيار ، لا يمكن لأي بلد في العالم أن يدعي أنه ديمقراطي، الحكومة نفسها هي نتيجة اختيار ديمقراطي مارسه الشعب وأعلنه واضحا من خلال صناديق الاقتراع وبدون الحق في إعلان الاختيار واضحا جليا، لا يمكن لنظم الدولة المدنية أن تشتغل. فخارج الخيار الديمقراطي يسهل فعلا مصادرة حرية الاختيار بقرار أو بدون قرار حكومي ، فمن شأن ذلك؛ التأثير مستقبلا على باقي المؤسسات الأخرى ، يمكنه مثلا أن يتيح الفرصة لنص قانوني لاحق يجهز على ما تبقى من مظاهر المؤسساتية، ففي العملية الانتخابية قياسا على اختيار السلعة وفرض نوعية الاستهلاك على كل مواطن تحت طائلة الإكراه، يمكن استصدار قانون مماثل ضد رفض التصويت عن لون أو أكثر من الألوان السياسية ومعاقبة المخالفين، وهذا شيء ليس غريبا عن وضعنا العربي الملتبس فقد عشناه عندما كان زين العابدين بن علي، يزج بالمواطنين التونسيين الذين صوتوا ضده في الانتخابات الرئاسية في السجون أو يلقي بهم في المنافي. وفي بلادنا يتم معاقبة الدوائر التي كانت ترمي ورقة المعارضة في صناديق الاقتراع، وتعاقب الان من قبل النواب والمنتخبين الدوائر التي زكت خصومهم ولم تصوت عليهم، فتحرم من الخدمة والمصالح ويحرم ابناؤها من التمدرس والتطبيب.

لنكن موضوعيين ونتقبل ما يلي : إن العلاقة بين الديمقراطية والحرية علاقة جوهرية، وهذا الفهم المنطقي للموضوع هو الذي ينبغي استحضاره عند التفكير في تنزيل القوانين الجزرية، فمسألة الحرية تبقى هي الحد الفاصل في اتخاذ القرار والإيمان به . فالمسؤول الحكومي تحول بمقتضاها من حزبي الى رجل دولة وإيمانه بالمبدأ الديمقراطي هو الذي حقق حريته في التحول، فكيف يتم التنكر لمبدأ حضاري أصيل بواسطته تحققت إرادة الشعب سنة 2011 وارتقى المجتمع المغربي مرتبة جيدة في سلم الحريات والحقوق المدنية لم ينلها مجتمع عربي أو إفريقي قبله ؟ الحرية والديمقراطية صنوان والعلاقة بينهما علاقة مدغمة، اذ لا حرية بدون ديمقراطية ولا ديمقراطية بون حرية، كما يقول "برغسون". فالمسؤول الحكومي ، إذا لم تكن معرفته بالديمقراطية على هذا النحو وإذا لم يستشعر أن الديمقراطية هي التي رفعته إلى سدة الحكم ، فهو متنكر للعقل وناكر للحقيقة وضد اختياراته ومبادئه وهو يدرك ذلك جيدا، ويعرف أن سلوكه عمل يقوض المؤسساتية ، وكونه يستعمل خطاب الخشب ، فهو يعطي الدليل على أنه غير قادر على تخليص نفسه من السفسطة السياسية البعيدة عن خطاب العقل والغارقة في التناقض. يقول وزير في الحكومة " يجد المسؤول الحزبي من خارج الحكومة نفسه أكثر حرية للتصريح بالحقائق منه اذا كان داخل الحكومة." ؟ هذا الكلام بكل صراحة ، يعير القيمة المبدئية لرجل السياسة بين المعارضة والحكومة وإشكالية الممارسة، وهو في نظري كلام تقية وضع مصداقية المسؤول الحكومي وشرفه السياسي على المحك وابرز المراء الذي يطمره الخطاب السياسي المزدوج ونواياه السيئة، التناقض الحاصل بين الخطاب السياسي من خارج الحكومة وآخر من داخلها يبرز الاختلال الكبير الموجود في عقلانية العمل السياسي المغربي وابتعاده عن الواقع. التنافر الحاصل بين الخطابين يوضح جليا مصادرة المصلحة البراغماتية للحرية الذاتية وتسلط الاستبداد السياسي (الوزاري)على الرأي الفردي ووجهة النظر، وبالتالي تحجيم القدرة على تفعيل النقد الذاتي داخل الحكومة بغرض التوجيه والتصحيح الذي يخدم مصلحة تدبير الشأن العام، عمل يكرس التراجع والجمود. قديما قال علال الفاسي ؛علينا ب"النقد الذاتي" ، فإذا خلت الدينامية الحكومية من القدرة على الانتقاد والتصويب، بسبب ميثاق الانسجام والتوافق الممهور ببصمة النفاق السياسي والمخاتلة، ضاعت الحكامة وتنازلت القوى الحية داخل الحكومة عن حقها في الاختيار لفائدة متحكمين نافذين اختبئوا تحت معطف الدولة وفوضوا الكلام لمن ينوب عنهم بمقايضات الربح السياسي والفائدة الانتخابية.فإذا كان قبول السياسي على نفسه الحديث من خارج المشروعية الديمقراطية وقبول الحكومة التشريع مكان المؤسسة (الدستور- البرلمان) فما حاجتنا للديمقراطية اذن ؟