الأربعاء 14 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

مصطفى المتوكل الساحلي: الصوم الحقيقي هو الامتناع عن سياسات التفقير والتجويع والحكرة

مصطفى المتوكل الساحلي: الصوم الحقيقي هو الامتناع عن سياسات التفقير والتجويع والحكرة مصطفى المتوكل الساحلي

قال تعالى في سورة البقرة: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ". وقال تعالى في سورة المائدة: "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ".

ما نزل الوحي الإلهي إلا من أجل أن يجسد الناس عدالة السماء في الأرض، ولتعم الرحمة والأخوة والتكامل والتعاون بين الشعوب والقبائل ولو اختلفت الديانات والمرجعيات، وما قامت الحركات الإصلاحية عبر التاريخ  وبرز مفكرون ومتنورون وثوريون إلا عندما وبعدما بلغ الظلم مداه، وما ضحت البشرية منذ وعت بإطلاق ثوراتها وانتفاضاتها إلا من أجل إصلاح ما فسد بسبب اختلال موازين السياسات أو انحرافها، أو بسبب تسلط بعض الحكام وبعض رجال الدين ومن يواليهم ممن يتنكرون للحق ويميلون لنقيضه. فأتباع الرسالات والمؤمنون يفترض فيهم أن يكونوا ممثلين فعليين لها لأنهم خلفاء الله في الأرض من مسؤولياتهم الكبرى تجسيد الصدق والعدل والحق والإنصاف في كل شيء. فيكونوا في حياتهم  مصلحين ومتضامنين ورحماء وكرماء وعاملين.

إلا أن واقع الحال بين ويبين أنهم في غالب الأمر نقيض ذلك، حيث زاغوا عن المحجة البيضاء وأضاعوا الطريق المستقيم فلا الصلاة والصوم صقل نفسيتهم وسلوكهم، ولا قراءتهم وتدبرهم للقرآن قومهم، ولا سير الأنبياء والرسل ومنهم الخاتم الذي جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، استفادوا  واقتبسوا منهم ما يطور ويصلح احوالهم، فانهزموا وتشتتوا وأصيبوا بكل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والنفسية بما فعلته أيديهم وقراراتهم وهم يعلمون حق العلم أن الله ينصر الأمة العادلة الكافرة والمشركة على الأمة المؤمنة الظالمة، جاء في الأثر أن عمرو بن العاص سمع  المستوردَ بن شدادَ يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: تقوم الساعة والروم أكثر الناس. قال له عمرو: أبصر ما تقول؟ فقال المستورد: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمرو: لئن قلت ذلك؛ إن فيهم لخصالا أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك.. رواه مسلم.

إن تزكية النفس والروح والعمل والمال والعلاقات، مع تهذيب السلوك وترشيده، معناه الحقيقي هو التثمين والتطهير والسمو بحياة الإنسان إلى مدارج المخلصين المنصفين، وتحصينها من الآثار السلبية للاستبداد والغرور والطمع واكتناز الأموال والاستهتار والاستغلال المهين والماس بكرامة الناس. فالتوحيد والصوم والصلاة والزكاة وحتى الحج إن لم تتطهر بهم النفس ويهذب السلوك والعلاقات فلا قيمة ولا مصداقية لمن يدعون الإيمان أو يتقمصون الدعوة له لأن ضررهم وخطرهم يكون كارثيا على مكانتهم وسمعتهم واستقرار أمتهم أكبر من كل المخاطر الخارجية والدخيلة التي تتهددهم .

إن الامتناع في شهر رمضان عن المفطرات عبارة عن تمرين عملي وفكري وروحي يطور فيه الصائم والصائمة القدرات والطاقات النيرة الكامنة فيه بالفطرة لإعمال الحكمة في كل شيء، ولفعل كل ما هو جميل وطيب، والابتعاد المختلف المستويات عن كل ما يفسد صفاء ونقاء الإيمان، وتجنب كل ما يشل التقوى، فإن نجح بأية نسبة في رمضان في ذلك وفشل خارجه بنفس النسبة أو أكثر أو ناقض وعطل أخلاقه الفاضلة فقد نافق وأساء لمبادئ دينه، وتجاهل وصايا الرب وعصاه واعتدى.

إن الامتناع عن فعل وقول ما يسيئ للنفس والمجتمع يجب أن يستغرق أشهر وسنوات العمر ليلها ونهارها، لا يظلم ولا يستغل ولا يأكل أموال الناس بالباطل ولا يحقر، أما إن امتنع عن الفعل لاستحالة القدرة أو لخوف أو عدم تملك مال وسلطة، أو تردد فلا يعتبر ذلك من الإيمان السليم الذي تترتب عليه الصدقية وصفاء النية وصالح الأعمال  .

إن الفقراء والمساكين وأصحاب الدخل الضعيف والمحدود يصومون بكل الصيغ التي جاء بها الصوم في العديد من الأديان والمعتقدات، يصومون عن الكلام، وعن الأكل الطيب، وعن التداوي التام والراحة المباركة، وعن السكن اللائق، ويصومون السنن والتطوع وشهر رمضان، ويصومون عن أكل الأطعمة والألبسة المرتفعة أثمانها، بسبب طغيان القهر الاقتصادي والاجتماعي وانتشار الفقر والجهل وليس زهدا وورعا وترويضا للنفس لتخليصها وتحريرها من "سجن" الماديات. إن الحياة اليومية للشعوب الإسلامية وظروف عيشهم وأحوالهم وأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، وهشاشة مجالات التنمية المستدامة والإنصاف والمساواة وتجليات العدالة، تكشف التناقض المهول والفجوة الكبيرة الحاصلة بين حقيقة ما ينادي به الإسلام وما جاء من أجله، وبين ما يقوم به المنتمون للعالم الإسلامي الذين أصبحت كثرة عددهم كغثاء السيل لا يجتمعون على ما فيه المصلحة، ويفترقون في كل شيء، ويتنافسون في معادات بعضهم بعضا، لا يستمعون للنصح ولا لصوت الحق ولسان حال العديد منهم يقول "علي وعلى أعدائي"  ولو تطلب منهم الأمر إبادة الحرث والنسل وتهديم العمران  .

جاء في الحديث: "فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر؛ فلا صلاة له"، و"مَن لم يَدَعْ قول الزُّور والعملَ به والجهلَ، فليس للهِ حاجةٌ أن يَدَعَ طعامه وشرابه"، و"لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه".

إن المطلوب هو تغليب العقل والمنطق السليم على رغبات ومطامع النفس بالرقي بالإرادة إلى مرتبة يكون فيها الإنسان مالكا ومتحكما في كل ما يصدر عنه من قول و فعل وعمل، فالتربية والتكوين السليم المنبني على الوسطية واحترام الآخر والإقرار بالتعدد والحق في الاختلاف والتنافس الشريف لفعل الخيرات وبناء الوطن بما يحقق مصلحة الشعب، يرفع من مصداقية المجتمع بكل طبقاته ويفتح أبواب التنمية والتقدم، ويغذي الروح والعقل ويحصن الانسان.

إن الصيام المطلوب منا اليوم بالعالم الإسلامي هو الامتناع عن السياسات الفاشلة والكلام المؤذي، وهدر القيم الجميلة، والتنكر لحقوق الناس، ونشر التفرقة والتلاعب بمصالح الأمة، فالإنسان وخاصة السياسي الذي يتعمد الأخطاء والإساءات والإفساد والاستغلال والظلم و...الخ، هو كالمفطر في رمضان وكالذي ضيع ثواب حجه بالرفث والفسوق والجدال، وكالمبطل صلاته بنقضه الوضوء أو إدخال كلام أو أفعال وحركات ليست منها، أما الصيام كركن من أركان الاسلام، وركيزة من ركائز الإيمان كما كتبه الله وفسره رسوله وأنبياؤه فما زلنا ندندن حوله ونصفه ونمدحه ونجامله، ونفتح أبوابه ونغلقها ولم نستطع بعد إلى حد كبير الولوج إلى فضاءاته الرحبة الرحيمة والجميلة.

قال عمر بن عبد العزيز: "ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله، فمن رزق بعد ذلك خيرًا، فهو خير إلى خير".

جاء في الحديث: "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"، مسلم.