السبت 22 سبتمبر 2018
مجتمع

بنعبد الفتاح محمد سالم: تجار الحرب هم الذين حرفوا المقصد النبيل لعادة "العلاكة" في الصحراء

بنعبد الفتاح محمد سالم: تجار الحرب هم الذين حرفوا المقصد النبيل لعادة "العلاكة" في الصحراء بنعبد الفتاح محمد سالم

وصف بنعبد الفتاح محمد سالم، الكاتب والمدون، بمدينة العيون، عادة "العلاكة"، أنها في الأصل "مظهر احتفالي بالدرجة الأولى ينم عن طباع الكرم والبذل والعطاء المترسخة في المجتمعات الحسانية البيظانية عموما، ولدى المجتمع الصحراوي بشكل خاص، كما يدخل في إطار إبداء التقدير والاحترام سواء للشعراء الغنائيين أو ما يعرف تاريخيا بـ "الحركات" أو المغنين والفرق الغنائية المعروفة في الثقافة المحلية بـ "إيكاون"، أو الشعراء الذين يطلق عليهم بالحسانية "المغنيين"، أو المحتفين والمشاركين في الاحتفالات بأداء الرقص التقليدي، إزاء ما يقدمونه من غناء وأشعار تتمحور أساسا حول ثلاثة أغراض رئيسية هي الأمداح النبوية وشعر الحماسة أو "الشكر"، ثم الغزل والنسيب الذي يبقى الأقل تداولا في التجمعات الاحتفالية.."

وأضاف بنعبد الفتاح، في لقاء مع "أنفاس بريس"، أنه قد يكون الغرض من "العلاكة" هو النصرة أو "التحمجي" للقبيلة أو الاسرة، أو لشخص ما يكون في الغالب ذا علاقة اجتماعية بالمقدم على تقديم "العلاكة"، سواء حين يتم ذكره بالاسم في الأشعار الغنائية التي يتم إنشادها في السهرات والحفلات الغنائية، أو حين تتم المناداة عليه أو يتطوع من تلقاء نفسه بأداء الرقصات الاحتفالية التي تكون بدورها نوعا من الدعم والمؤازرة للمحتفى بهم من خلال السهرات والشعر والغناء..

وبخصوص المبالغ المالية التي يجرى رميها على العروس في حفل الزفاف الصحراوي، أوضح المدن بنعبد الفتاح، أن ما يتم بذله من أموال في هذا الصدد لا يعطى للمحتفى بهم، ولا يعود بالنفع عليهم، سواء كانوا المعنيين بالحفل والاحتفاء أو من نُظم الحفل لفائدتهم أو على شرفهم، أو تم ذكرهم في الأشعار والأغاني المؤداة، أو قاموا بأداء الرقص الاحتفائي، أو ساهموا بتقديم قصائد أو طلع بالمناسبة، بل تكون تلك المبالغ بمثابة دعم وتشجيع للفرق الموسيقية وللمدّاحين الذين يحصلون على تلك العوائد المالية السخية، كما يحصلون على مختلف أنواع الهدايا.

واستطرد بنعبد الفتاح وقال: "في العادة لا تكون "العلاكة" بالضرورة عبارة عن مبالغ مالية، بل قد تكون مقتنيات أو هدايا عينية، وقد يحدث على سبيل المثال أن يقوم المرء حين يتم ذكر قبيلته مثلا في الأشعار والأغاني المؤداة، أو شخص ما له مكانة عنده، ولا يكون في حوزته ما يقدمه من أموال أو مقتنيات عينية، قد يقدم حتى على إعطاء عمامته أو "دراعته" التي يرتديها في حال كانت ذات قيمة مالية معتبرة..

وحول الممارسات الجديدة لعادة "العلاكة"، وكيف أصبحت مجالا للتباهي والتفاخر، وتقاسم صورها على مواقع التواصل الاجتماعي، أكد بنعبد الفتاح، أنه مع التحولات التي لحقت بالمجتمع المحلي خاصة، منذ تدشينه لعصر المدينة، خاصة ما يتعلق بانفتاحه على العديد من الممارسات والسلوكات الغريبة والدخيلة عليه، حيث بدأت الفوارق الاجتماعية والطبقية تتجلى، بسبب اغتناء قلة قليلة من الأشخاص والأسر تتمثل في أغنياء الحرب أساسا، الذين استطاعوا أن يتسلقوا على ظهر الساكنة والمتاجرة بمعاناتها، كما وظفوا الوضع السياسي الخاص للأقاليم الصحراوية لصالحهم، على حساب عموم الساكنة، بالإضافة إلى استفادتهم من الريع ومن الامتيازات بعد سيطرتهم على المواقع السياسية والتمثيلية في المنطقة بمباركة من الجهات الرسمية، إلى جانب ظهور وانتشار عصابات تجارة المخدرات والتهريب العابرة للحدود والذين يرتبطون بشكل وثيق بالفئة الأولى، إذ بدأت تظهر بعد الممارسات التي تدخل في إطار البذخ المبالغ في الحفلات والأعراس، خاصة ما يتعلق بالإسراف والمغالاة في المهور، والتبذير في الولائم والحفلات، حيث يتم تداول فيديوهات وأشرطة لأشخاص يقومون برمي كميات كبيرة من الأموال في حفلاتهم الخاصة بما في ذلك مختلف العملات الأجنبية، الأمر الذي يدخل المجتمع في دوامة من التنافس المظهري، ويساهم في إنهاك مقدرات الأفراد، كما يكرس مجموعة من الظواهر الخطيرة التي تهدد استقرار المجتمع، والتي باتت منتشرة أصلا بشكل لافت في المجتمع الصحراوي، خاصة العزوف عن الزواج والطلاق والعنوسة..

(تفاصيل اوفى عن عادة "العلاكة" الصحراوية، ضمن العدد المقبل من أسبوعية "الوطن الآن")