الخميس 20 فبراير 2020
كتاب الرأي

مصطفى المتوكل :سياسة هجمات " الضباع"، تمزق لتقتل وتفترس

مصطفى المتوكل :سياسة هجمات " الضباع"، تمزق لتقتل وتفترس مصطفى المتوكل :سياسة هجمات " الضباع"، تمزق لتقتل وتفترس

جاء في الحديث :"يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ : وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ"

إن ما حصل باستهداف الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والعديد من مناطق العالم بانتهاج سياسة هجمات الضباع بالمجموعات التي تتلذذ بتمزيق الضحية وتشرع في قضم أطرافها وهي حية لترهب كل من يعلم بوجودها وتحركاتها حتى يخلو لها الجو وتبسط نفوذها على كل من أضاع وفقد قوته وعصبته من السباع والذئاب والكلاب والبشر، حيث تهدف تلك السياسات وتعمد إلى تقسيم دول وتوزيع مناطق للنفوذ والامتياز لتحويلها إلى مراعي خاصة تخضعها لحمايتها المزعومة لضمان استمرار الابتزاز وخدمة ما يصطلح عليه المصالح القومية لذلك الطرف الغربي أو الشرقي، وفي نفس الوقت تنمية واستدامة الخضوع والتبعية العمياء بخلق لوبيات المنافع والريع الذين لايهمهم الوطن ولا الهوية والتاريخ ولا المستقبل القريب و البعيد... فنتائج اتفاقية"سايكس"و" بيكو"، من تفاهمات التواطؤات بين دول تحتاج إلى طبخ أسباب، وإعداد اتهامات، وافتعال خلافات ونزاعات لتبرير هجمات تتعدد أسماؤها، من استباقية إلى احترازية إلى استئصالية، وعمل مشترك لغرس وتكريس سياسات الإضعاف والتفكيك والتفتيت ليسهل شفط ما تحت الأرض، وهضم ما فوقها، وتطويع من يعيش عليها.

إن ما حصل في العراق ويحصل في سوريا واليمن ويتهدد ليبيا ويستهدف مناطق الصحراء والساحل على امتداد عدة دول أمر لاتختلف نواياه وأهدافه عن السياسات الاستعمارية عبر الأزمنة وإلى عصرنا هذا، فمرة يكون التدخل المباشر , وأحيانا بالوكالة , وثالثة بخلق مجموعات بمرجعيات مختلفة منها "السلفية الدينية" , ومنها البعض ممن يطلقون على أنفسهم صفة"الثورية"..الخ. فيدعمون بالأموال والسلاح , وتبسط لهم "أذرع" تحميهم من الفشل والهزيمة الساحقة في تواطؤ مفضوح يعلمه الجميع لكن يتجاهله ويتنكر له من يحتضن الفتن , ومن يعاني منها .

إن نتائج تلك الجماعات والحروب المتعمدة بمرجعياتها المختلفة وأهدافها مشتركة وواحدة، فمثل الذي يدعي إقامة " دولة الخلافة" وهو متناقض في مواقفه وجرائمه وفتاواه وخطبه مع روح الدين وعدالة الله ، مثل من يدعو لزرع وصنع بؤرة يسميها " ثورية" لخلق عدم الاستقرار كطريق للحكم وهو لا يملك ولايستطيع العمل في استقلالية حيث ييسرون للغير وأعدائهم التحكم والسيطرة والبطش، ويتحولون إلى محترفي سياسات الاستنزافوالابتزازالاقتصادي والسياسي ينضافون إلى كيانات مصطنعة تجند وتوظف كلوبيات تشعل المشاكل تبعا لمصالح الفكر الاستعماري في منتديات قارية ودولية لأغراض غير سليمة ولا بريئة تشبه تكتلات مجموعات ضباع البراري التي تنهش اللحم وتأكل العظم ..

إن المبررات والأسباب المبنية على الكذب واختلاق المخاطر للهجوم الإمبريالي واحتلال أراضي دولة العراق واتلاف واستنزاف ثرواتها وتخريب منجزاتها وبنياتها ومصانعها، الهدف منه إضعاف والقضاء على عنصر توازن مهم في الشرق الأوسط والذي كانت تلعبه دولة العراق - مع الاختلافمعها في بعض توجهاتها وسياساتها الداخلية ومع البعض من الجيران ـ وبعد انخراط الدولة المصرية في مصالحة وعلاقات مع الكيان الإسرائيلي منذ "كامب ديفيد "، فأصبحت العراق تشكل بالنسبة لإسرائيل عدوا خطيرا لايؤتمن جانبه وأنه كذلك عقبة في وجه المد الشيعي الإيراني الذي يتواجد كمذهب في مناطق عده بالعراق نفسها والسعودية والكويت والبحرين واليمن والذي سيساهم إن تقوى في زعزعة الأمن والاستقرار بالعالم العربي والإسلامي وخاصة بالشرق الأوسط ..الخ ..

إن استرجاع مسارات الثورة الإيرانية في زمن الشاه ووصولا إلى تولي الشيعة زمام الأمور يبين أن الثورات أحيانا لاتكون كما تصورها مطلقو الشرارات الأولى والمنظرون والمضحون السابقون. حيث تم إقصاء كل الثوار الوطنيين من مختلف الاتجاهات ومحاربتهم ليحصد الغلال الثيار الأصولي الشيعي الذي يعتنق عقيدة ولاية الفقيه ويضمر معادات المخالفين لها بالدول الإسلامية الأخرى ....كما أن قراءة أولية لانحراف "الربيع الديموقراطي" والذي سمي ب "الربيع العربي" حيث تدخلت وتحكمت في مساراته بتغلغل متدرج بعض التيارات الأصولية المتشددة المدعمة بشكل كبير من المروجين لإقامة خلافة وحكم شيوخ السنة أو من يتحالف معهم ويخدم مخططاتهم، بما في ذلك لوبيات دولية من واضعي مشاريع خرائط التقسيم وسياسات التحكم في كل شيء، مع تعمد ضرب وإضعاف وترهيب وإقصاء قوى التجديد والتحديث والديموقراطية لأنها ليست في مصلحة الريع السياسي والاقتصادي والديني. إن الأصولية المتشددة تطلق كذلك على تيارات نافذة في كل من اليهودية والمسيحية وحتى البوذية ..وليس في الإسلام فقط ..إن ما حصل بعد ما أطلق عليه الربيع الديموقراطي من صراعات وتطاحنات بين التوجهات التي هي في مجملها أصولية سلفية تقليدية متطرفة إقصائية من تمزيق للأوطان بستار صنع إمارات ومناطق نفوذ بحكم وبيعة وعسكر وتأطير متخصص في التأجيج حيث تتوهم كل طائفة أنها هي الفرقة الناجية والأخريات في النار , والحال أنهم كلهم هالكون وخالفوا دينهم وأنهم كلهم غير ناجين ..وفي علاقة بقسمة الضباع تحضرنا مسألة في المواريث عند استحالة تقسيم بيت متواضع تركه هالك , فيتم الالتجاء إلى بيعه ليقسم ثمنه على الورثة فتكون النتيجة فقدان المأوى , و ثمنه لا يكفي حاجيات حياة الأسرة في العيش الكريم لأشهر قليلة .. إن هذا ما سعت وتسعى إليه الإمبريالية والتسلط العالمي بكل مرجعياته الدينية والمذهبية والفكرية بتشتيت وتقسيم وتفكيك الأوطان إلى دول ثم دويلات ولم لا إلى مشيخات وقبائل وانتهاء برهن أو بيع مالا يقبل القسمة لمن يمتلك القوة والمال مع إغراقهم في الديون التي تفقدهم إرادتهم واستقلالهم , وتشجيعهم على أن يقتل بعضهم بعضا حتى لاتقوم لهم قائمة ...

قال رسول الله (ص) في حجة الوداع "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض"