الأحد 23 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

عبد الحكيم قرمان: طرح موضوع الإرث يتوخى إلهاء الناس لصرف الأنظار عن واقع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية

عبد الحكيم قرمان: طرح موضوع الإرث يتوخى إلهاء الناس لصرف الأنظار عن واقع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية عبد الحكيم قرمان

يعيش المغرب منذ مدة نقاشات وسجالات وتناظر بين أطياف وحساسيات فكرية وسياسية متباينة في المرجعيات والمقاربات. ومن خلال الاستقراء الظاهري العام، يمكن استخلاص جملة من الخلاصات الأولية، ومنها أن النقاش والسجال والتناظر حول موضوعه «المساواة بين المرأة والرجل في الميراث»، ليس ممنهجا ومحددا بالشكل الذي يضفي عليه طابع النقاش العمومي بالمعنى التداولي الذي يفضي إلى توافقات أو تعاقدات أو مقترحات بدائل للإصلاح والتجاوز نحو مرحلة متقدمة في المناقشة ونحو أفق التفاوض والمعالجة. وهذا «المنحى المنهجي المنشود، لم يتبلور بعد بالشكل الذي يجعل كل الفاعلين المؤسساتيين والقوى السياسية والحقوقية والمجتمعية الحية، يعبرون كل من موقعه، عن وجهة نظر واستعداد للتداول والمطارحة للموضوع المثار. وفي اعتقادنا المتواضع، لا تظهر لحد الساعة في الآفاق رؤية ومقاربة منهجية تقودها وتؤطرها حركة أو نسيج مجتمعي بذاته وفقا لمستلزمات الاندراج في صلب «نقاش عمومي ديمقراطي» منفتح على مختلف المكونات والتعابير عن المرجعيات الفكرية والمقاربات المعتمدة في أفق بلورة توافقات مجتمعية وتعاقدات تشريعية وعمليات مرقمة ضمن برامج السياسات العمومية للدولة في هذا الباب.

وهكذا، نتصور بأن المسألة “لا تزال منفلتة”، وربما يوجد من يدفع بهذا النقاش دفعا” وفق رؤيته واستراتيجيته التي قد تتماهى بقصد أو بدونه، مع فئة أو حساسية معينة تريد أن تخلق أجواء مشحونة “بتوترات ومعاكسات ومشاكسات” سياسوية، قصد الإلهاء وتحريف النقاش في اتجاه تركيز الانتباه على مواضيع سجالية، وصرف الأنظار عن واقع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والاحتقان السياسي وتنامي الحركات الاحتجاجية في العديد من مناطق البلاد، التي مازالت تطالب بالحقوق الأولية في الحياة، تطالب بالخبز والماء وتوفير سكن لائق وحطب للتدفئة وحجرة لتعليم الأبناء ومعبر أو مسلك يفك العزلة عن ملايين المواطنين المغاربة في القرى والمداشر والجبال. لذلك، نتساءل بدورنا مهتمين بما يروج ويموج في بلدنا من “مناقشات وسجالات”، محاولين مقاربتها بالموضوعية اللازمة ومحاولين تفكيك إحداثياتها المجتمعية من خلال استقراء منطلقاتها الإيديولوجية وسياقات انبثاقها في علاقاته مع التحولات الكبرى للأحداث السياسية والاقتصادية والثقافية الوطنية، وضمن التموجات والجيوسياسية الدولية وأجنداتها المرسومة للدول النامية مثل بلدنا:

ترى هل موضوع “المساواة في الإرث» بين الجنسين، على أهميته البالغة، يسبق من حيث الأولوية في النقاش العمومي المفترض، مواضيع حارقة تسائلنا في العمق والراهن والمستقبل كدولة وكمجتمع مثل آفة البطالة وسبل النهوض بالاقتصاد وتخليق الحياة العامة لتحقيق النمو، وبالتالي خلق فرص التشغيل والاستثمار في الإنسان من خلال تحقيق كرامته وصيانة حقوقه الأساسية في توفير السكن و الصحة والتعليم والشغل الملائم الذي يحقق العيش الكريم؟!

ترى هل نبدأ النقاش الحقيقي حول تكريس المبادئ الكونية لحقوق الإنسان والمكفولة بمقتضى الدستور المغربي الذي يجعل من سمو المواثيق الدولية على القانون الوطني أحد مقتضياته الأساسية، من خلال انتقاء "موضوعة" بعينها للسجال والتناظر -على أهميتها- أم هناك ضرورة للاعتكاف بجد ومسؤولية ووضوح في المطارحات وتقديم البدائل حول أزمة الاختيارات السياسة للحكومة، باعتبار أنها هي المسؤولة عن وضع السياسات العمومية وبلورتها وتنفيذها؟ من سنحاسب اليوم عما وصلت إليه البلاد من تردي واختلال الأداء الاقتصادي، وضعف نسبة النمو، وبلوغ معدل العطالة نسبا خطيرة؟ من سيجيبنا كمغاربة بالتفصيل والتحليل والإقناع والمنطق حول ما وصلت إليه منظومتنا التربوية والتعليمية من ضمور وتراجع وضعف الجودة والمردودية بالرغم مما صرف عليها من ملايير وما بذل في سبيل تطوير مضمونها وتحديث مناهجها والرفع من جودتها ونجاعتها؟

كيف يمكننا مواصلة النقاش “كنخب فكرية وسياسية وحقوقية ومدنية ترافعية” فيما يشبه "لعبة الغميضة" تارة بين بعضنا البعض وتارة بيننا وما يجري في محيطنا الإقليمي والدولي من “صيحات وصرعات للموضة" ينساق وراءها بعضنا بسهولة وسذاجة دول تمحيص وتقدير للسياق والرهانات المصاحبة. كما أن هناك منا، من ينقب عن هذه الصرعات ويتقمصها مرتديا ملامحها الموحية بالراهنية والجدية والملحاحية، وفي كلتا الحالتين، تضيع البوصلة من أيدي القوى التقدمية الناعمة الملتزمة بقيم الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية الحقيقيين، في زحمة التمزق والتهافت والتناظر في الهوامش، مبعدين من تلقاء تأثيرات خارجية أو داخلية حينا، أو مختارين الابتعاد بأنفسهم عن صلب الحراك والتفاعل والتدافع والنقاشات العمومية الناجعة المؤثرة في السياسات العمومية وعلى "من يصنعون القرار".

لماذا لم يستطع المغرب تحقيق الإقلاع الاقتصادي والتنمية البشرية والنهضة العلمية والثقافية المنشودة، بالرغم من كونه بلدا عريقا له كل المؤهلات الطبيعية والاستقرار السياسي والخلفية الحضارية والتنوع الثقافي وتنوع الموارد الاقتصادية وتعدد مصادر إنتاج الثروة ومؤهلات مؤسساتية وموارد وكفاءات بشرية معتبرة؟

وفي الأخير، متى ستلتفت «نخبنا» المذكورة، إلى أن النقاش الكبير الذي لم تخضه بعد يكمن في مدى قدرتها، مجتمعة بمختلف أطيافها، الديمقراطية الحداثية التقدمية المواطناتية، على الاعتكاف بالدراسة والتناظر والنقد والسجال وتقديم البدائل والمقترحات النوعية الكفيلة بالمساهمة في رسم وبلورة «النموذج التنموي» أو لنقل الترافع والعمل على فرض المساهمة النوعية في تخطيط المستقبل المشترك بين أبناء الوطن ، فيما نصطلح عليه، ببلورة رؤى وأفكار وبدائل تصب في إرساء أسس «المشروع المجتمعي الحداثي الديمقراطي» في شموليته. ومن ثمة، سيظهر للجميع بأن الانزواء في سجالات حول مسائل ليست على رأس قائمة الأولويات الراهنة، أو السقوط في أجندات «الإلهاء» عن القضايا المصيرية للمجتمع، هي مسألة اختيار والتزام بمستلزمات السياق المجتمعي وتطلعات المجتمع، قبل أن تكون «خوضا للسجال والتناظر» في ما يمكن ضبط إيقاعه ومنهجية مقاربته بوضعه في سياقه المطلوب لا أقل ولا أكثر.

- عبد الحكيم قرمان، باحث في علم السياسة، ونائب رئيس مركز الدراسات والأبحاث عزيز بلال