الثلاثاء 20 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

عبد الحميد لبيلتة: على القضاء المغربي أن يبقى بعيدا عن التقييم الايديولوجي للدين

عبد الحميد لبيلتة: على القضاء المغربي أن يبقى بعيدا عن التقييم الايديولوجي للدين عبد الحميد لبيلتة

لابد، في البداية، من التضامن مع الأستاذ رشيد أيلال، صاحب كتاب "صحيح البخاري.. نهاية أسطورة". وفي تقديري هذا اجتهاد في نقد كتب الحديث التي تعد من التراث الثقافي الإسلامي. وهذا اجتهاد بشري قابل للنقد والتشريح.

بخصوص التهم الموجهة للأستاذ رشيد أيلال حول المس بالأمن الروحي للمغاربة، بناء على شكاية من السيد والي جهة مراكش، وبالتالي استصدار حكم قضائي بحجز الكتاب، فهذا الإجراء المعلل قضائيا يمس في الجوهر بحرية التعبير والنشر. وإذا رجعنا لكتاب الأستاذ رشيد أيلال، ماذا انتقد في هذا الكتاب؟ فقد انتقد عملية التقديس الديني لرجل قام بجمع الأحاديث بعد مائتي سنة على وفاة الرسول (ص) وهو محمد بن اسماعيل البخاري. واعتبر أن كتاب الصحيح الذي وصلنا عليه علامة استفهام. لما تضمن من أحاديث تنسب لرسول الله، وهي تتضمن العديد من الفكر الخرافي الأسطوري. علما أن ديننا الاسلامي يدعو لإعمال العقل. وقد علل في نقده للصحيح أن الرسول (ص) نهى عن كتابة الحديث وحث على كتابة القرآن حتى لا يتحول الحديث إلى قرآن ثاني. واستند في ذلك إلى مجموعة من المراجع التي انتقدت صحيح البخاري من الأولين والمحدثين.

وفي نظري، ومن منطلق الدفاع عن حرية التعبير والنشر، فهذا الحكم يجانب هذا المبدأ الحقوقي، والمغرب انخرط سياسيا ودستوريا في ترسيخ حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا. إذن هناك عطب في تأويل مبدأ الحق في التعبير والنشر بحسب هذا الحكم، ما لم يكن هناك ما يدعو للحقد والكراهية. فما قام به الأستاذ رشيد أيلال لا يدعو للحقد والكراهية، بل طرح أفكارا قابلة للرد عليه من داخل نفس المرجعية، وليس بحجز كتابه، وبالتالي خلق نقاش جانبي.

والأمن الروحي للمغاربة لا يمكن أن يتأثر بانتقاد رجل جمع الأحاديث الضعيفة والصحيحة بعد 200 سنة على وفاة الرسول (ص). بل الأمن الروحي للمغاربة يجب توقيته بالتنوير وإعمال العقل والاجتهاد وعدم الارتكاز على الماضي في كل ما يحمل من فكر أسطوري. فالإسلام جاء لهدم الوثنية وهو بنية فكرية قابلة للتطوير التنويري، وهذا ما فعله الفلاسفة المسلمون.

ومن خلال قراءتي للكتاب والجهود التي بذلت فيه لا يمكن إلا أن أحيي الأستاذ رشيد أيلال، وأدخل معه في نقاش فكري وليس في عصبية بغيضة، كما فعل بعض خطباء الجمعة بمراكش الذين ألبوا المصلين على صاحب الكتاب، وهذا لا يليق بخطبة الجمعة التي تحولت إلى حلقة في إطار حوار الصم لأنك لا يمكن أن تقاطع الخطيب حسب تقاليد وأعراف الجمعة عندنا في المغرب، وهذا ما سرع باعتقال الزفزافي.

إذن على القضاء المغربي أن يبقى بعيدا عن التقييم الايديولوجي للدين، وأن ينتصر للمبادئ التي ينص عليها الدستور في أعمال حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا.

- لبيلتة عبد الحميد، فاعل مدني وجمعوي