السبت 17 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

ميلود العضراوي:التطبيع وحده ليس كافيا..؟

ميلود العضراوي:التطبيع وحده ليس كافيا..؟ ميلود العضراوي
إسرائيل بعد إجهازها على المياه العربية (نهر الأردن وبحيرة طبرية وجزء من مياه دجلة والفرات بالعراق وسوريا، وفي المستقبل القريب ستطالب إسرائيل رسميا بحصتها من مياه النيل..) تقوم الآن بالهيمنة على مصادر الطاقة العربية في البحر الأبيض المتوسط وتبرم مع مصر اتفاقية مهزلة، اتفاقية مهينة للعرب وللمصريين على وجه الخصوص، تزود إسرائيل، مصر بمقتضاها، على مدى عشر سنوات كاملة، بالغاز الطبيعي المسروق من حقول النفط الفلسطينية الموجودة بالمياه الإقليمية لغزة وعيون الغاز البحرية التي تدخل في المياه الإقليمية لمصر. تبلغ قيمة الصفقة 45 مليار دولار وتستمر على مدى عشر سنوات متواصلة تستثمرها شركة من إسرائيل وشركة مصرية معروفة.
كلمة السيسي التبريرية لا محل لها من المنطق والموضوعية وهي بكل المقاييس ديماغوجية وغير مقنعة، قال للحاضرين الذين يستمعون إليه ليلة أمس وهم مطرقون وكأن على رؤوسهم الطير،" نحن نشتري الغازي الإسرائيلي بثمن السوق على الرغم من كوننا نتوفر على حقول الغاز المصري التي تحقق لنا الاكتفاء الذاتي" يزعم السيسي أن نظامه يوفر المخزون الطاقي المصري لأسباب إستراتيجية وهو كلام يبرر به الرئيس المصري فشل سياسته الخارجية وفشله في احتواء الطموح الإسرائيلي المتزايد وشهية الصهاينة في تحقيق المزيد من الانتصارات على العرب.
من يتمثل كلام السيسي يجد بالفعل أن العقل السياسي العربي فقد عقله وأصبح تحت رحمة القرارات الديكتاتورية التي تحمي مصالح الفئات الرأسمالية المنتفعة من كعكة الاقتصاد المصري التي شكلت لوبيا اقتصاديا نفعيا أعاد منظومة الفساد المالي والاقتصادي لما قبل الثورة إلى الساحة المصرية والعربية. سياسة الحكومة المصرية التي تجد كل الدعم من قبل مجلس الشعب المصري سياسة براغماتية تحمي مصالح النبلاء والإقطاعيين والمجموعات الاقتصادية الكبرى التي هيمنت على الاقتصاد المصري ونخب الفاسدين وعملاء الصهاينة، دون إيلاء الأهمية للمصلحة الوطنية العامة وكرامة المواطنين المصريين وحقوقهم المشروعة،إذ كيف يعقل أن تبدل ميزانية هائلة من عشرات المليارات لتعزيز القدرات المالية الإسرائيلية في صفقة غير واضحة الهدف منها شراء الذمة الإسرائيلية لمناصرة الخيار العسكري في المنطقة ضد حماس أو ما تسميه مصر بمحاربة الإرهاب نيابة عن العالم، في حين يعتبر كلامه حول الاكتفاء الذاتي من الغاز كافيا للتصريح بعدم فهم ما يجري في التطبيع الاقتصادي بين مصر وإسرائيل.
السيسي مثال للقادة العرب المهزومين الذين سلموا بتفوق إسرائيل الشامل وقناعة لا جدوى مقاومة الكيان الصهيوني في المنطقة،ما دام العرب جميعا هزموا بالربيع العربي، وصاروا "شدر مذر" تتلاطم بهم رياح المرحلة القاسية.القادة العرب الذين أزيحوا بعد الربيع العربي كانوا مخذولين في مواقفهم العربية اتجاه إسرائيل، والذين جاءوا بعدهم إلى السلطة، سلموا الأرض والثروة العربية على طابق من فضة لإسرائيل وأخذوا نصيبهم منها ولم تعد هناك مطالب أخرى في القضية العربية والفلسطينية، لأن جميع الحلول سقطت من مشروع السلام العربي الإسرائيلي،ولم يعد هناك حل سوى حل الدولة الواحدة فقط، الاندماج أو القبول بوضع اللاسلم واللاحرب الذي امتد لسنين طويلة.
الاتفاقية التي تم توقيعها حاليا بين مصر وإسرائيل خير دليل على غباء وانهيار السلطة العربية، لقد وصفها نتن ياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية قائلا "إن هذا اليوم هو يوم عيد بالنسبة لنا ". لم يخفي رئيس الحكومة الصهيونية شعوره الجارف بالنصر والتمكين، لأن الاتفاقية فتحت أمامه الطريق واسعا للسطو على المزيد على المكتسبات العربية من حقول الغاز والنفط والمياه والأراضي. إن إسرائيل تطمح الآن بشكل مباشر للحصول على شريط إضافي في الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، لتأمين حدوها، ولعل حوادث الطائرات بدون طيران فوق الأراضي السورية والرد السوري الكاذب عن انتهاكات الطيران الإسرائيلي للأجواء السورية ،هي مرحلة إستباقية لما قبل مخطط التنفيذ.
الأكيد أننا وصلنا فعلا إلى زمن التطبيع مع "إسرائيل الكبرى" الذي كان مجرد كلام لا يمكن تصديقه.