الثلاثاء 20 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

مصطفى المنوزي: لا عدالة مجالية دون جبر الضرر الترابي وطنيا وقاريا

مصطفى المنوزي: لا عدالة مجالية دون جبر الضرر الترابي وطنيا وقاريا مصطفى المنوزي

لسنا من ينساق مع رياح خطاب إعلان النوايا، فمنذ سنوات ونحن ننتقد مقاربة المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان فيما يخص تفعيله لمطلب حفظ الذاكرة وجبر الضرر الجماعي، على اعتبار أن البعد الاجتماعي في هويات الجماعات المناضلة مرتبط أيما ارتباط بالبعد التحرري الوطني، وممتد قاريا بخيار بناء الدولة الوطنية الديموقراطية. فالأمر لم يعد يقتصر على مجرد تحويل بعض المعتقلات السرية، على عهد سنوات الرصاص البائد، متاحف أو  مزارات سياحية وشبه ثقافية، بل إن الأمر كان يقتضي، ولا يزال، أن يتوسع في مفهوم الضحية، لأن الانتهاكات شملت المباشرين وغير المباشرين من الضحايا، من بشر، ومحيطهم من حجر وشجر، وبحكم أن الاستعمار والنظام السياسي في العهد السابق كانا مسؤولين عن عديد من العمليات، تستحق الاعتذار ورد الاعتبار للوطنيين والتحرريين.

ومادام المغرب الرسمي قرر أن يقارب مصيره وانتقاله "الحقوقي" قاريا، أي إفريقيا، نتساءل من جديد: كيف للمغاربة أن ينتقلوا إلى السرعة الثانية في العلاقة مع امتداد مطلب التنمية والتعاون الأمني بمعناه الإنساني والشامل إفريقيا.. والحال أن كل الأوراش ذات الصلة على الصعيد الوطني المحلي لم تستنفذ كل إمكانيات التفعيل والتنفيذ؟

فالمفهوم الجديد للعدل لم يبسط بعد نفوذه على أرض الواقع، بغض النظر عن التعثرات التي ما زال المفهوم الجديد للسلطة يعرفها.. أما مقتضيات العدالة الانتقالية، في شقها السياسي المحض، فحدث ولا حرج، ناهيك عن إعدام البعد الاجتماعي في السياسات العمومية، مما يطرح سؤال جدوى استرداد المقعد الإفريقي مؤسساتيا.. ذلك أن المقاربة التشاركية لا تعني فقط رفع احتكار تدبير القضايا الوطنية والمصيرية والسيادية، بدعوى أنها مجال محفوظ للملك، ولكن المقصود هو تأهيل الوضع الداخلي وتصفية البيئة الحقوقية والسياسية وطنيا.. فلا يعقل أن نرهن مستقبلنا الإفريقي للمجهول، بنفس الإرادة السائدة وتمثلات التوجس والهواجس الأمنية.

فبصرف النظر عن سؤال تحويل خطاب النوايا إلى واقع معيش، فإن إشكالية عدم دسترة ضمانات تحقيق مقتضيات العدالة الاجتماعية تلح كأمر واقع مقلق، حيث تم التراجع عما كانت عليه الإلزامية والضمانات في ظل الدستور البائد، مما يقتضي معه الحال ضرورة ربط الدسترة والتنصيص بالالتزام وضرورة تطبيق الجزاء على انتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وعلى الخصوص في مجال «إرادة» التفقير كانتهاك اعترف به الخبراء الوطنيون في تقرير الخمسينية حول التنمية. أما على مستوى  تدبير الشأن الثقافي فمازالت النفحة المحافظة تلقي بظلالها بسبب العجز عن إقرار فصل حقيقي بين السياسة والدين، خاصة وأن الحكومة التي عهد لها بتفعيل الدستور دمقراطيا، لا تؤمن بدمقراطية الكم التي يقررها عدد قليل من الناخبين المشاركين في اللعبة الانتخابية المطعون فيها سياسيا .

لذلك لا مناص من ملاءمة شروط انفتاحنا الإفريقي مع مؤهلاتنا الوطنية، وذلك بإعادة تكييف هندستنا الدستورية وفق إيقاع ومناخ مواطنينا الأفارقة على مستوى المثاقفة والتدين والتعدد والتنوع والاختلاف والتقاطع والائتلاف. وفي انتظار فك الارتباط مع التبعية المطلقة للسلطات المالية الدولية، لا بأس من تفعيل صلاحيات البرلمان الوطني في مجال تعديل الدستور، وهي فرصة لرد الاعتبار لمطلب الدولة الاجتماعية، بتكريس إلزامية الحق في التعليم والصحة والشغل، من خلال تعديل الفصل 31 من الدستور، وما دام باب التعديل سيفتح، فلا بأس من  إقرار مطلب حرية المعتقد، والذي سوف ييسر الانفتاح السلس على التعدد والتنوع الإفريقي. وبغض النظر عن دسترة مداخل الحكم الذاتي، فإنه لا مناص من إيجاد صيغة لحل إشكالية تشكيل الحكومة حقيقية وفعالة، غير منشغلة بمسائلها الداخلية والتنظيمية، كمخاطب وفاعل مؤهل لتجسيد إرادة قوية ونوعية في تجسير العلاقات المغربية/ الإفريقية بنفس مستدام، وهو ما يتطلب استغلال الفرصة لتعديل الفصل 47 من الدستور، والقطع مع كل التأويلات المضرة والمسيئة.

- مصطفى المنوزي، رئيس المختبر المدني للعدالة الاجتماعية