الأحد 24 يونيو 2018
كتاب الرأي

عبد الرحمان العمراني:تعويم الدرهم وحكاية "دورة سيدي علي" بجامعة فاس !

عبد الرحمان العمراني:تعويم الدرهم وحكاية "دورة سيدي علي" بجامعة فاس ! عبد الرحمان العمراني
سألني الصديق أحمد عن معنى تعويم الدرهم موضحا أن كل ما سمعه حول الموضوع لحد الآن يبين وجود مخاوف غامضة لدى عموم الناس وتشكيكا في حسن نية الحكومة، خاصة حينما يصرح مسؤولوها في قطاع المالية أن التعويم يحمل مزايا وفوائد للمواطنين، كانوا مستهلكين أو ومدخرين أو مستثمرين.
أجبت الصديق أحمد بما أعرفه مما علق في ذهني من دروس الاقتصاد السياسي قديما؛ وما تراكم لدي من معلومات حول تجارب الدول التي سبقتنا في التعويم . وقلت له إنني لا أستطيع أن أتغلب عن انطباع ينتابني بأن إجراء التعويم في حالتنا المخصوصة هو شقيق في الرضاعة لإجراء رفع الدعم عن المواد الغذائية. وربما فهم الناس هذا بنوع من الحدس الطبيعي أو التجربة المتواترة مع الإجراءات الحكومية ولذلك تشككوا في حسن طوية المروجين الرسميين لهذا الإجراء.
ثم أضفت :
يذكرني هذا التشكيك المعمم من طرف عموم الناس في حسن نية المروجين لفوائد التعويم بواقعة كنت شاهد عليها وأنا في قاعة الحراسة بكلية الحقوق بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس أثناء امتحانات دورة يونيو من إحدى سنوات الثمانينيات (لا أذكر السنة بالضبط )، دورة تم نعتها في الأوساط الطلابية وحتى في وسط الأساتذةوقتها بـ "دورة سيدي علي " .
وإليكم الواقعة وسياقها:
كانت سنة إضرابات واضطرابات متكررة بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس .وكنا قريبين من أن نجتاز سنة بيضاء .وبعد جهود قامت فيها النقابة الوطنية للتعليم العالي بدور أساسي انعقد مجلس الجامعة في عز جو الأزمة والاحتقان. دام الاجتماع يوما كاملا أصدرنا على إثره، كمجلس جامعة، بيانا ناشدنا فيه كل الأطراف، وفي مقدمتها المكون الطلابي بإنقاذ السنة الجامعية واجتياز امتحانات الدورة.
وتمكنا فعلا من نزع فتيل الأزمة بعد حوارات مطولة مع ممثلي الطلبة.
وصبيحة اليوم الأول من الامتحانات فوجئ الجميع ب "كاميونات" محملة بمئات قنينات الماء المعدني "سيدي على" وعلب السجائر تم توزيعها على المدرجات والأقسام بالمجان ووضعت رهن إشارة الطلبة .
وفهم الجميع بعد مضي لحظة الاستغراب ان الادارة ،إدارة الجامعة هي التي فكرت في هذا الإجراء السخي والاستثنائي وغير المألوف؛ قصد تلطيف الأجواء أو ربما من باب توظيف سوفت soft للهاجس الأمني الذي كان في أوجه خلال تلك المرحلة .
أذكر أن أحد الطلبة في القسم، الذي كنت مكلفا فيه بمهمة الحراسة نادى علي: "أستاذ، أستاذ لحظة من فضلك" ؛ اقتربت منه وناولته ورقة إضافية اعتقادا مني بأن الطالب أنهى ورقته المزدوجة بالكتابة ويريد إضافة ورقة أخرى. لكنه فاجأني بالقول: "لا، أستاذ ليس هذا ما أريده،أريد فقط أن أسألكم، مشيرا بأصبعه إلى الطاولة في مقدمة القاعة التي تم بها وضع قنينات ماء سيدي على وعلب السجائر ماركيز ومارلبورو، أريد أن أسألكم أستاذ : "زعما هداك الما ما فيه والو ما دايرين فيه والو؟؟".
أجبت وأنا أبالغ ضحكات قوية مكتومة:" وشنو غادي يكون فيه نتا كتشوف القراعي مسدودين" .
أجاب على الفور وبكل الجدية التي يمكن أن تتصورها: "وبزاف على هاذ الظرافة. حنا ما مولفينش على هاد الظرافة كلها".
ابتعدت إلى الخلف قاصدا باب الخروج حتى لا أفسد جو الهدوء المخيم على القاعة لأنني كنت في وضع لم أعد أقوى فيه على مغالبة الضحك.
والشيء بالشيء يذكر، ألا يدعو الأمر ونحن نرى أعضاء حكومة لم تعود المواطنين على المفاجآت السارة وهي تفسر فضائل التعويم على جيوبهم - ألا يدعو الأمر إلى أن نستحضر ما قاله الطالب خلال "دورة سيدي علي" ؛ ونخاطب الحكومة قائلين :
"ايوا زعما هاد التعويم ما فيه والو، فيه غير المزايا ايوا بزاف على هاد الظرافة!؟".