الاثنين 20 مايو 2019
كتاب الرأي

عبدالله جبار:مجلس الجالية..عودة على بدء...

عبدالله جبار:مجلس الجالية..عودة على بدء... عبدالله جبار

نعود في هذه المقالة لنطرح أسئلة تدور حول آفاق وكيفية تشغيل "محرك" مجلس الجالية، في ظل ظهور مقترحات ومعرفة مدى امكانية تحوله إلى نموذج  بعض دول العالم التي قطعت شوطاً كبيراً في القضايا التنموية والتي تمتلك مجالس استشارية تساعد على صنع القرار بناء على مقتضيات المصلحة العامة. لقد انطلقت فكرة إنشاء هذه المجالس الاستشارية في التجربة الغربية، وتحكمت فيها  عدة اعتبارات: أولها  يتعلق بفكرة الديمقراطية التشاركية، والمنطلق الثاني يتعلق بالحوار العمومي حول القضايا الاجتماعية، الحقوقية والاقتصادية، بغية مؤسسة هذا الحوار في حين يهدف المنطلق الأخير إلى تقوية ثقافة الاستشارة وعدم احتكار القرار.

في التجربة المغربية ما زال الكثير من مناطق الظل لم تسلط عليها اضواء النقاش حول مستقبل هذه المجالس وما زال هناك مد وجزر على مستوى الخطاب والممارسة يعيقان تقليص المسافة للانتقال الى مرحلة المؤسسات التشاركية الفاعلة التي تحفظ الحقوق وتساهم في ارساء آليات التدبير المعقلن والديمقراطي لكل القضايا المجتمعية مما يساهم في تشييع ثقافة وقيم  وتفكير يؤثران في طبيعة المرحلة ويسايران روح العصر.بشكل يسمح بتنظيم الصراع وفق أسس ومعايير قانونية ديمقراطية، تضمن المشاركة للجميع،  لاختيار من يعبر عن مصالحهم،  سواء حدث ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ويصبح على الدولة أن تقوم، على مستوى التطبيق، بتنشيط بناء مجتمع مدني، مع سعيها إلى التزود  بشركاء في الحوار، يفترض أنهم يجسدون مختلف المصالح ، ويسمون بذلك "فوق الخصوصيات الجمعية"، حسب تعبير برتران بادي.

من هنا يمكن ان نقارب بكل موضوعية تأسيس مجلس الجالية كمؤسسة استشارية انيط بها ملف ظل يراوح مكانه دونما انفراج يذكر فعلى الرغم من تنصيب هذا المجلس بمقتضى ظهير 2007 والذي كلف المجلس بتتبع وتقييم السياسات العمومية للمملكة تجاه مواطنيها المهاجرين وتحسينها بهدف ضمان حقوقهم وتكثيف مشاركتهم في التنمية السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية للبلاد والاضطلاع بوظائف الإحاطة بإشكاليات الهجرة واستشرافها والمساهمة في تنمية العلاقات بين المغرب وحكومات ومجتمعات بلدان إقامة المهاجرين المغاربة .وعلى الرغم من الارتقاء به الى مستوى مؤسسة دستورية بمقتضى دستور 2011  لم يستطع مجلس الجالية ، أن يمارس قوته الدستورية المشار إليها، بسبب الحسابات السياسية والعراقيل  التي ارتبطت بنشأته وازدادت أثناء "البدايات الأولى للاشتغال" مما أوقف عطاءه المنتظر في بداية طريقه. والسؤال الذي يقض مضجع المهاجر ومعه الرأي العام والمهتمين هو ما السر وراء استمرارية وضعية الجمود؟ ولماذا هذا الاستهتار بمؤسسات الدولة؟

إن الإجابة على الأسئلة أعلاه تجد تفسيرها في الفصل 89 من الدستورالذي ينص على أن الحكومة مطالبة بتنفيذ القوانين الخاصة بالهيآت الدستورية وكذا ما خوله أيضا القانون سواء لرئيس الحكومة او للبرلمان من حق اقتراح القوانين في الفصل 78 . وبالنظر الى وضوح هذين الفصلين فان السياسات الحكومية السابقة لم تعر اي اهتمام للجالية فيما يتعلق بتفعيل مجلسها بالرغم من امتلاكها صلاحيات النظر في هذا الآمر .وحتى ما تم تقديمه ظل خجولا وبقي الغبار يعتريه في رفوف اللجن المختصة دونما مناقشة، وسحبت مقترحات قوانين أخرى مما يبين ازدواجية الخطاب داخل النخبة السياسية المغربية. وهذا ما يثير التساؤل عن  فعالية مثل هذه المؤسسات في تحريك دواليب السياسة في بلدان أخرى وعن سبب عطل و بقاء بعض هذه المؤسسات في بلادنا "شاردة" لا تظهر إلا في المناسبات الاحتفالية.    

اليوم نريد إلا نبقى حبيسي هذه الوضعية بل الأمر يتطلب تحريك عجلة هذا المجلس بما يعني  مشاركة مختلف  مكونات المجتمع المهاجر  مـن مثقفين ومواطنين ,رجال ونـسـاء فـي صنع السياسات  الرئيسية، ومـن أبـرزهـا  المشاركة السياسية المبنية على ثقافة الاختلاف و التعددية والـحـوار.. ؛ فالمقاربة التشاركية في الحقل السياسي تعد عنصرا أساسيا في تفعيل وتجويد العمل المؤسساتي وتدعيم أسس الدولة الحديثة .

في هذا السياق نود أن نفهم المقترح الذي تقدم به فريق العدالة والتنمية إلى مجلس النواب لتفعيل مجلس الجالية . وأريد أن أشير إلى ملاحظتين:اولا الجالية ترحب بكل المقترحات الرامية الى حلحة وضعية الركود وبعث الروح من جديد في جسد مريض، أما الملاحظة الثانية فان هذا الترحاب لا يعني دائما القبول بكل شئ لان الديمقراطية تحتاج الى مؤسسات متمرسة في الحكم والتنظيم تجعل منها معيارا لخدمة المواطن.

خلال السنوات العشر المنصرمة طرأت تحولات مهمة على الوضع  في المغرب  لذلك اصبحت الحاجة ملحة أن يعاد التفكير في وظيفة وطبيعة وتكوين المجلس  ، إلا انه عند البحث في دور المجلس الذي يسعى مقترح القانون إلى إعادة تفعيله، يتضح من خلال الديباجة انه لم يشر إلى أهم المعطيات الجديدة التي لم تكن واردة قبل دستور 2011 خاصة الفصول16,17,18 التي تكرس الحقوق وتعزز مفهوم المواطنة بالنسبة للجالية, كما ان  المقترح لم يحدد الآليات اللازمة لتتبع أعمال المجلس طبعا دون المساس بخصوصيته الاستشارية وبالاستقلالية, ودون ان يفهم ذالك على انه خارج عن الرقابة . ان مفهوم التشارك المفروض تجسيده في المجلس كمساحة للحوار والتشاور لا يعكسه مقترح القانون ما دام رئيس المجلس هو صاحب الحل والعقد(انظر مواد نص المقترح) فهو كل شئ في الوقت الذي لا يتمتع فيه مكتب المجلس الا بصلاحية السمع, وكان الأنسب ان ينقل جزء من صلاحيات الرئيس الى هذا الجهاز في اطار الادارة الجماعية لهذه المؤسسة،   ومن المفارقات نجد ان المجلس مطالب بتقديم رأيه في القضايا المطلوبة منه من لدن الحكومة او البرلمان بغرفتيه في أجل محددة وهو أمر معقول يساير اختصاصات المجلس لكن لم نعثر في المقترح على إلزام طالبي الاستشارة  تبرير الأسباب التي قد تحول دون الأخذ بها اذا حصل الأمر في بعض الاحيان.

إن من حسنات ما ورد تبقى مسألة تمثيل اطارات المجتمع المدني بالخارج عن طريق الاقتراع بالائحة لكن لا تفهم دوافع رفع عدد اعضاء المجلس لأن الأمر لن يكون عاملا مساعدا على حلحلة الوضع الذي يوجد عليه المجلس، وبالتالي فالخطوة لا يمكن فهمها إلا في اطار إرضاء الخواطر،  ثم كيف يمكن أن نرفع هذا العدد في الوقت الذي ظل فيه المجلس الحالي "يشتغل" ب 37عضوا؛ فقط بدل اكثر من خمسين حددهم ظهير2007 ، وهل الميزانية المعتمدة تسمح بهكذا خطوة علما ان الدول التي سبقتنا في هذا المجال  اصبحت مطالبة من طرف مواطنيها بإلغاء هذه المجالس بهدف ترشيد النفقات وتخفيف العبء على موارد البلاد.

بالعودة الى اعضاء المجلس فان الأعضاء المعينين لصفتهم يشترط في تعيينهم طريقة موضوعية وشفافة  ويحبذ مشاركة عدة سلطات في طريقة الاختيار والهدف هو تفادي تسييس وانتهاك استقلالية المجلس ,وان تعطى لهم مدة ولاية كافية ومحددة لتأمين التجديد الدوري للأعضاء مع الأخذ بعين الاعتبار عدم توافق المدة مع ولاية السلطة التي قامت بالتعيين .

بناء على ما أوردناه أعلاه فان أهمية تنزيل مقتضيات الدستور تبقى رهينة بمدى قدرة الجهاز التنفيذي والمؤسسة التشريعية على تصريف مفهوم المواطنة بعيدا عن الحسابات السياسوية انسجاما مع قوة النص الدستوري الذي لم يأت للتعامل معه بانتقائية، وبهذه الطريقة يمكن للمهاجر المغربي أن يحتل مكانته في الدستور.

عبدالله جبار، باحث في قضايا الهجرة مقيم بايطاليا