الأحد 16 يونيو 2019
كتاب الرأي

يوسف لهلالي: هل بإمكان باريس فرض وصايا "قمة الكوكب الواحد" على واشنطن؟

يوسف لهلالي: هل بإمكان باريس فرض وصايا "قمة الكوكب الواحد" على واشنطن؟ يوسف لهلالي

"قمة الكوكب الواحد" بباريس جاءت بمناسبة الذكرى السنوية الثانية للتوقيع على اتفاقية باريس للمناخ (كوب 21)، وبعد سنة عن لقاء مراكش كوب 22 (بالإضافة إلى لقاء بون الأخير بألمانيا)، والذي عكس الضعف الذي تعرضت إليه هذه الاتفاقية الدولية حول المناخ، بعد انسحاب أهم دولة مسئولة عن ارتفاع درجة حرارة الأرض وانبعاث الغازات، وهي الولايات المتحدة الأمريكية التي سهلت الوضع على بلدان أخرى ملوثة، مثل الهند، البرازيل، روسيا، وكندا، مما يجعل أسئلة كبيرة مطروحة بعد هذا الانسحاب الأمريكي، وهل بمقدور باريس وحلفائها فرض توصيات "قمة الكوكب الواحد "على واشنطن، التي اختار رئيسها دونالد ترامب معاكسة هذا التوجه.. بل اعتبر أن كل الأبحاث حول الاحتباس الحراري هي خاطئة، رغم ان خطر التلوث والتحولات المناخية تعاني منها أمريكا نفسها بفعل تعدد الحرائق الضخمة للغابات، وكذلك العواصف التي تضربها كل سنة تقريبا وتخلف خسائر بالملايير في الاقتصاد الأمريكي. ورغم هذا الهروب إلى الأمام، والشعبوية التي ينهجها رئيس البيت الأبيض ضد باقي العالم، فقد حضرت شخصيات أمريكية بارزة مثل وزير الخارجية السابق جون كيري وعمدة لوس أنجلوس السابق شوارزكوف. وعرفت هذه القمة الأممية توصيات على التمويل الأخضر، والذي التزمت به العديد من البنوك منها البنك الدولي.

الصين التي شاركت في هذه القمة بتمثيلية سياسية ضعيفة هي في وضعية خاصة، فقد أخذت مجموعة كبيرة من الإجراءات في اتجاه الحد من عواقب الاحتباس الحراري ومن تلوث المناخ، والذي أصبحت آثاره جلية ببعض أقاليم هذا البلد الذي يشكل به التلوث المنبعث من السيارات ضبابا كثيفا أو من وسائل النقل، وهو ما يهدد حياة الإنسان بشكل كبير وسريع. وهي وضعية تجعلنا بعيدين على أجواء لقاء باريس أثناء الكوب 21، حيث اتفقت نحو 200 حكومة على وقف الاعتماد الكثيف على الوقود الأحفوري والحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض، وساد العالم جو من التفاؤل عكسته تصريحات مختلف البلدان الصناعية الكبرى التي عبرت عن إدراكها للخطر الذي أصبح يهدد الكوكب الأرضي والحياة عليه بصفة عامة، قبل انتخاب رئيس جديد بالبيت الابيض، وهو القادم من عالم آخر لا يرى أي مشكل على الكوكب إلا فتح مجال الربح السريع أمام الرأسمال، ولو اقتضى الامر ذلك تدمير الأرض ومن عليها، والذي انسحب من هذه الاتفاقية، وهو ما جعلها في موقف سياسي ضعيف لثقل وزن واشنطن السياسي ولمسؤوليتها الكبيرة عن التلوث في العالم، ولتأثيرها الكبير على باقي العالم من خلال النظام المالي والسياسي الذي يحكم العالم ويجعل من الولايات المتحدة الأمريكية فألا أساسي وضروريا لأي تغيير على مستوى الممارسات التي تحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض.

الرئيس الفرنسي مند وصوله إلى قصر الإليزي حاول إنقاذ اتفاقية باريس حول المناخ من خلال إطلاق هذا اللقاء الذي حضره أكثر من 60 من قادة العالم، وهو لقاء مشترك مع الأمم المتحدة والبنك الدولي. وبالإضافة إلى قادة الدول، حضر القمة ممثلو المنظمات غير الحكومية ورجال الأعمال والثقافة والفن من أنحاء العالم لرفع التحديات المناخية والبيئية. هذه القمة التي أطلقت بمبادرة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إثر انسحاب واشنطن من اتفاق باريس، تسعى أساسا إلى إيجاد طرق تمويل جديدة لمكافحة الاحتباس الحراري. وهو لقاء خيم عليه غياب بعض البلدان الصناعية الكبرى على رأسها واشنطن.. الرئيس الفرنسي في تصريحاته إلى القناة الأمريكية سي إن إن حاول بعث رسالة مفادها الأمل تجاه الرئيس الامريكي وإمكانية عودة واشنطن إلى مجال الشرعية في المحافظة على الكون الواحد، والذي يعني مصيره الجميع. وعرف هذا اللقاء أيضا ترديد مفاهيم جديدة مثل التمويل الأخضر والمالية الخضراء، وهي كلها مفاهيم جديدة تجعل الأبناك تراعي في المستقبل عملية تمويل المشاريع المقدمة لها قضية الاحتباس الحراري والاهتمام بالمشاريع الصناعية النظيفة. وإذا تميز هذا للقاء بغياب الدول الكبرى المسؤولة عن التلوث، فإنه تميز بحضور زعماء دول تواجه ضررا كبيرا بسبب التغير المناخي، مثل جزيرة مدغشقر وجزر المحيط الهادئ، مالي وتشاد.

هذا اللقاء بين أيضا أهمية توصيات والتزامات لقاء الكوب 22 بمراكش، الذي انعقد السنة الماضية، والذي سعى من خلاله المغرب إلى إثارة الاهتمام حول قضايا الدول الإفريقية وضرورة توفير التمويل والتكنولوجيا لمساعدة دول الجنوب على المساهمة في الحد من الاحتباس الحراري من خلال تكنولوجيات جديدة ونظيفة وتمويل أخضر.

مشاركة المغرب بقمة الكوكب الواحد بباريس كان متميزا بحضور الملك محمد السادس وولي عهده مولاي الحسن، وهي إشارة ملكية لدفع الشباب بالاهتمام بتحديات المناخ، لأن هذه القضية تمس المستقبل وضرورة ترك كوكب أرضي حي للأجيال المقبلة. وهذه المشاركة المتميزة انتبه لها المنظمون ونوه رئيس جلسة المؤتمر بهذه المشاركة الملكية والمجهود الخاص الذي يقوم به المغرب في هذا المجال من أجل إنتاج طاقة نظيفة، وأخذ قضية المناخ بعين الاعتبار في المشاريع المنجزة..

الاهتمام الملكي بقضايا المناخ يجعل من المغرب رائدا ونموذجا بإفريقيا وفي الاقتصاد الأخضر، وهي خبرة يضعها رهن إشارة شركائه الأفارقة، وهو الأمر الذي يؤكده العديد من الخبراء، منهم  الزيتوني ولد داده مدير وحدة التكنولوجيا في برنامج الامم المتحدة بباريس.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حفز في هذا اللقاء الدول الغنية والشركات العالمية اليوم على زيادة التمويل المخصص للمناخ، وهو ما أطلق عليه التمويل الأخضر، والذي يأخذ بعين الاعتبار مدى تأثير هذا المشروع على ارتفاع درجة الحرارة ومدى نظافته، وهي كلها متطلبات وشروط لم تكن تطرح في السابق على أصحاب المشاريع والمقاولات، وذلك لتسريع جهود مكافحة ارتفاع درجة حرارة الأرض ودعم الدول الأكثر فقرا في مواجهة التغيير المناخي.

سعى المسؤول الفرنسي من خلال هذا المؤتمر الدولي إلى إظهار أن هناك تقدما في تحقيق هذه الأهداف الصعبة رغم انسحاب دونالد ترامب من الاتفاقية وتجميده لكل الاستثمارات حول المناخ بعد أن اعتبر أن خطر ارتفاع درجة حرارة الكون مجرد خدعة.. واقترح على أوروبا خطوة طموحة، وهي فرض ضريبة على جميع العمليات المالية في الأسواق الأوروبية من أجل تمويل مشاريع صديقة للبيئة، حيث تمت هذه التجربة بفرنسا وبريطانيا، وتسعى باريس لتعميمها على باقي البلدان الأوروبية وتقديمها كنموذج لباقي بلدان العالم.

وطالب الرئيس الفرنسي "بتعبئة أكبر وسط الشركاء".. وأضاف في تصريح لجريدة "لومند": "إننا مازلنا بعيدين عن هدف اتفاقية باريس بالحد من درجة ارتفاع درجات الحرارة إلى ما دون درجتين مئوتين."

وقالت الأمينة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ "باتريسيا إسبينوزا" إن التحرك السياسي "لن يكون كافيا إذا لم نحدث ونعيد إطلاق البنية المالية العالمية ونجعل جميع أشكال التنمية منخفضة الانبعاثات ومرنة ومستدامة".

ولطالما شكلت المسائل المالية نقطة خلافية في خطط الأمم المتحدة المتعلقة بالمناخ، حيث تصر الدول النامية على الحصول على مساعدة مالية لتتمكن من سد كلفة التحول إلى مصادر طاقة أقل تسببا للتلوث ولمواجهة العواصف والجفاف والفيضانات الناجمة عن التغير المناخي.

قضية التمويل هي عمق من هذا التحول الذي يسعى له العالم في التعامل مع الكوب ونهج سياسة مختلفة عما كان عليه الأمر في السابق وإقحام القطاع الخاص والمقاولات في هذا المسلسل، كما تقول الأمينة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ باتريسيا إسبينوزا "إن التحرك السياسي لن يكون كافيا إذا لم نحدِّث ونعيد إطلاق البنية المالية العالمية ونجعل جميع أشكال التنمية منخفضة الانبعاث مرنة ومستدامة".. وأضافت "أخذ المناخ بعين الاعتبار يجب أن يشكل الآن جزءا من جميع قرارات القطاع الخاص". وهو ما يعني ان قضية التمويل هي ضرورية من أجل التحفيز في السوق المالية العالمية بصفة عامة، وكذلك ضرورة إدماج جميع الفاعلين في هذا المسلسل خاصة القطاع الخاص، ليأخذ قضية المناخ بعين الاعتبار في مجال الاستثمار.

بعد لقاء باريس مازالت  توصيات الكوب 22 بمراكش مطروحة، وهي ضرورة مواكبة  الدول المتقدمة والالتزام كذلك بما تم التوافق عليه بمراكش، وذلك من خلال توفير 100 مليار دولار سنويا بحلول عام 2020 من موارد عامة، وخاصة على حد سواء لمساعدة الدول النامية في التحول من الوقود الأحفوري إلى مصادر طاقة نظيفة والتكيف مع آثار التغير المناخي. وهو ما يجعل الطريق طويلا نحو هذا الهدف، وضرورة إشراك الرأي العام الدولي والمجتمع المدني من أجل تحقيق هذه الأهداف، والتظاهرة التي شهدتها باريس لدعم قرارات القمة الدولية حول المناخ كانت محتشمة وحضرها بضعة مئات من الاشخاص.

رغم أن أهداف اللقاء التي تجلت بصفة عامة في أهداف محددة، وهي العمل بشكل واقعي وجماعي، خاصة أن الحلول موجودة، وضرورة اللجوء إليها على المستوى الكوني والمحلي، في أسرع وقت. التجديد يعني أنه علينا أن نكون مبدعين، لتكييف أنظمتنا مع التحولات التكنولوجية التي يمكن أن تكون في خدمتنا. بالإضافة إلى التضامن، وهو ما يعني أننا نعيش في كوكب واحد والتحولات التي يشهدها تمسنا جميعا.

مستقبل البشرية كان هو الرهان الأساسي لقمة الكوكب الواحد، والذي دعا إليه الرئيس الفرنسي إيمانييل ماكرون، وهو ما يعني أن مسؤولية الكوكب الذي نعيش عليه هي مسؤولية جماعية، والحفاظ عليها هو واجب جماعي لكل دول العالم لتسليم كوكب نظيف وحي للأجيال المقبلة، من خلال تشجيع تكنولوجيا وتمويل أخضر.. وهو رهان على المستقبل دخلت إليه أغلب بلدان العالم، منها المغرب الذي أصبح نموذجا بالقارة السمراء وباعتراف دولي.