لنتأمل الأرقام التالية: سكان بلدية الدار البيضاء: 3.332.860 نسمة. الكتلة الناخبة: مليونا (2) ناخب. مقاعد المقاطعات 16 بالبلدية: 443 مقعدا. مقاعد مجلس المدينة: 147 مقعدا. الأحزاب المتنافسة: 26 حزبا. المصوتون بالبيضاء في اقتراع 4 شتنبر 2015: 367.534 ناخبا. النسبة العامة للذين صوتوا (لم نحتسب الملغاة): 18.37 في المائة. عمدة الدار البيضاء: عبد العزيز عماري. الحزب: العدالة والتنمية. الأصوات التي حصلت عليها لائحة العمدة: 7121 صوتا. نسبة الأصوات التي حازها العمدة قياسا إلى الكتلة الناخبة بالبيضاء: 0,3 في المائة. نسبة الأصوات التي حصل عليها عمدة الدار البيضاء قياسا إلى عدد السكان: 0.2 في المائة.
السؤال المقلق: هل يحق الحديث عن مشروعية انتخاب عمدة الدار البيضاء، وهو الذي لم يحصل سوى على 0.3 في المائة من أصوات الناخبين؟ أية مصداقية للعملية السياسية والرأي العام يواجه حالة مستفزة تتجلى في كون أكبر مدينة بالمغرب يسيرها عمدة لا يمثل سوى 0,2 في المائة من عدد السكان؟ صحيح، إن الأسئلة الحارقة ليست موجهة للعمدة كشخص، بل كمؤسسة، فصلها المشرع كي تبقى المدينة منفلته من المجتمع. ففي الولاية السابقة كان العمدة فاقدا للمشروعية لأن محمد ساجد صرح بعظمة لسانه أن وزير الداخلية في بداية تطبيق وحدة المدينة هو من اسقطه على الدار البيضاء رغم أنه لم يكن يمثل سوى ستة مقاعد من أصل 147. وفي الوقت الذي كان الرأي العام يتطلع إلى تقطيع انتخابي ونمط اقتراع يراعيان خصوصيات المدن الكبرى بالمغرب أصر المشرع على الإبقاء على نفس الأليات التي تصنع نخبا فاقدة للمشروعية ومحرومة من السند المجتمعي. إذ من العار أن يكون عمدة الدار البيضاء الحائز على 0.3 في المائة من أصوات الناخبين آمرا بالصرف لميزانية 330 مليار سنتيم سنويا.. علما أن العمدة عبد العزيز عماري، هو وزير العلاقات مع البرلمان وهذه الوزارة لا تتعدى ميزانيتها ثلاثة ملايير سنتيم سنويا (30 مليون درهم)، أي أن الوزن المالي لعمدة الدار البيضاء يساوي 110 مرة الوزن المالي للوزير، لكن المفارقة أن العمدة الوزير يخصص 110 في المائة من وقته للوزارة وليس للعمودية. لكن إذا اضفنا الوكالات والمصالح ذات الامتياز التابعة لمدينة الدار البيضاء فإن المبلغ يصل إلى أرقام فلكية (مثلا رقم معاملات قطاع الماء والكهرباء الخاضع لسلطة الرئيس يصل إلى 6 ملايير درهم سنويا، وفي النقل الحضري يصل إلى 3 ملايير درهم سنويا، وهكذا دواليك في المرافق البلدية الأخرى من مجازر وتثليج وغيرهما). ليس هذا فحسب، فعمدة الدار البيضاء هو رابع سلطة رئاسية على الموظفين بالمغرب. فإذا اسقطنا التعليم والجيش والبوليس، نجد أن رابع مرفق موظف بالمغرب في القطاع العام هو بلدية الدار البيضاء حوالي (16 ألف موظف بالبلدية زائد 5000 موظف بالمرافق ذات الامتياز). هذا دون الحديث عن القروض التي تبرم باسم عمدة الدار البيضاء لتمويل المشاريع الضخمة المسطرة، وهي القروض التي تؤخذ إما من صندوق التجهيز الجماعي (FEC) أو من البنك الدولي (حسبنا هنا الاستشهاد فقط بالقرض المزمع أخذه باسم الدار البيضاء من البنك الدولي بقيمة 200 مليون دولار (200 مليار سنتيم) بفائدة 1.2 في المائة لمدة 29 سنة). أبعد كل هذا، هل يحق الإبقاء على نمط اقتراع «مخدوم» وتقطيع انتخابي «ملغوم» لاختيار العمدة لتسيير أكبر مدينة بالبلاد؟ قد ينهض قائل ليقول بأن العمدة لا يختار لذاته بل يختار لهيأته الحزبية؟ هذا قول حق يراد به باطل، لأن الدار البيضاء لا ينبغي التعامل معها كجماعة خميس متوح أو كهف النسور أو الطاح، حيث المداخيل السنوية لمثل هذه الجماعات لا تتعدى بضعة دراهم تستخلص من رسوم الحالة المدنية وساكنة لا تتعدى ساكنة عمارة ببوركون أو فرح السلام بالبيضاء. فحتى باستحضار مجموع أصوات حزب العمدة عماري، نجد أن هذا الأخير لم يحصل سوى على 156.642 صوتا بكل احياء الدار البيضاء. أي أن حزب المصباح الذي «يحكم» في العاصمة الاقتصادية لم يظفر سوى بـ 8.24 في المائة من مجموع ناخبي المدينة. أما إذا اسقطنا عدد اصواته على مجموع سكان الدار البيضاء، فإننا نجده لا يمثل سوى 4,69 في المائة من المجموع العام للساكنة (انظر صفحة 8). بل الأخطر من ذلك أن مجموع الأحزاب التي تنافست على مقاعد الدار البيضاء، وعددها 26 حزبا (انظر ص 6) لم تحصل مجتمعة سوى على 367.534 صوتا، وهو رقم جد هزيل بحكم أن 26 حزبا لا يمثل سوى 18.29 في المائة من مجموع ناخبي البيضاء (للتذكير المغني عبد العزيز ستاتي حشد لوحده في مهرجان سوق الغنم بسيدي البرنوصي ما يقرب من 250 ألف شخص في ليلة واحدة حجوا بطواعية من مختلف الأحياء البيضاوية.) إن الحاجة أضحت ملحة اليوم كي تعكف أطراف الحقل السياسي مجتمعة (وبهدوء) على مراجعة مسارب اختيار النخب السياسية التي تتولى تسيير الشأن العام بالمدن الكبرى (أو على الأقل البدء بالدار البيضاء) لتكون للعمدة المشروعية المجتمعية ولتكون قراراته ترجمة لتطلعات أوسع فئة من سكان المدينة. ولتحقيق ذلك لابد من أن يكون انتخاب عمدة الدار البيضاء بالاقتراع العام المباشر بكل أحياء المدينة. فطبيعة قانون الجماعات المحلية بالمغرب تجعل نظامنا الجماعي نظاما رئاسيا بقوة الممارسة والاختصاص. فلماذا لا نعلنها صراحة ليكون انتخاب عمدة الدار البيضاء اختيارا حرا وفي دائرة واحدة تمثل المدينة ككل؟ ولي اليقين أننا لو اعتمدنا ثورة في أنماط الاقتراع وفي التقطيع سنصل بالتأكيد إلى فتح شهية الناخبين، وآنذاك سنصل إلى نسبة 60 أو 70 في المائة من المصوتين بمدينة الدار البيضاء، وليس 18 في المائة كما هو الحال اليوم، وسيكون العمدة المنتخب (أيا كان لونه السياسي) مسنودا بـ 600 ألف أو 700 ألف صوت وليس بـ 7100 صوت؟ أمام المسؤولين ست سنوات للتفكير بشكل هادئ في أحسن السبل لضمان مشروعية النخب السياسية وإرجاع التوهج للعملية الانتخابية وإرجاع المصداقية للحكم المحلي. وإن لم يتحقق ذلك فالمؤكد أن الانتخابات «المخدومة» ستبقى لازمة، بل ولعنة تطارد المسلسل السياسي بالمغرب.
تفاصيل أكثر تجدونها في عدد أسبوعية "الوطن الآن" المتواجد حاليا بالأكشاك