الجمعة 4 إبريل 2025
كتاب الرأي

يونس مجاهد: الإعلام والتواصل في يد البروليتاريا الرثة

يونس مجاهد: الإعلام والتواصل في يد البروليتاريا الرثة يونس مجاهد
حضرت اجتماعا موسعا في باريس، يوم الإثنين 31 مارس الأخير، منظم من طرف نقابة الصحافيين، في الكونفدرالية العامة للشغل (CGT)، في إطار الحملة التي أطلقتها للدفاع عن الخدمة العمومية، في وسائل الإعلام، بعد أن شرعت الحكومة الفرنسية في إطلاق مشروع تجميع وسائل الإعلام العمومية في هولدينغ، بهدف اندماجها مستقبلا، الأمر الذي اعتبرته هذه النقابة ضربا للتعددية وللمكتسبات التي تحققت بفضل نضالات القوى السياسية اليسارية والنقابات وجمعيات المجتمع المدني.
 
وشارك في هذا الاجتماع عدد من قادة الرأي والفكر والباحثين وكبار الصحافيين، في فرنسا، بالإضافة إلى عدد من النواب في البرلمان، الذين أكدوا ضرورة حماية الإعلام العمومي، من تهديد التدخل الحكومي، ومحاولة سيطرة اليمين، باعتبار أن هذه الإعلام مازال ينتج الجودة ويعكس التعددية، ويلعب دورا طليعيا في التصدي للتضليل الإعلامي ونشر العنصرية وقيم الكراهية، وتفاهة ما يمرر في بعض منصات التواصل الاجتماعي.
 
وقام مناضلات ومناضلو الحزب الشيوعي الفرنسي بتوزيع مطوية من أربع صفحات تحذر من خطورة الاستخدام السيء لتكنولوجيات التواصل الحديثة، خاصة مع ما يتيحه الذكاء الاصطناعي من جميع أشكال التضليل، إذا كان هذا الاستخدام غير مقنن وغير مؤطر، وإذا لم تتم حماية مهنة الصحافة، مما يعني، حسب المنشور، أن الديمقراطية ستكون في خطر، لذلك "لا يمكننا قبول هذا، ونطالب بتحرك موحد بين المواطنات والمواطنين وكل أولئك الذين يشتغلون في مهن الثقافة والإبداع الحر والإعلام الجاد، بالتحرك، خدمة للعقل والفكر النقدي".
 
ولم يكن الحزب الشيوعي وحده الذي شارك في هذا التجمع، بل كل التنظيمات السياسية اليسارية، بمختلف تلاوينها، كلها أجمعت على ما تشكله الثورة الرقمية من خطر على الديمقراطية، إذا استعملت من طرف القوى اليمينية والميركانتيلية. وهو الموضوع الذي خصص له منشور الحزب الشيوعي فقرات، من بينها أن "الثورة الرقمية مكنت من تداول هائل للمضامين على صعيد كوني، فالمنصات وشبكات التواصل الاجتماعي أصبح لها تأثير كبير على المعلومة وعلى الصحافة، ومع الهواتف الذكية التي يقضي فيها المواطنون حوالي أربع ساعات في اليوم، أصبحت هذه المنصات والشبكات المصدر الأول للمعلومة، خاصة لدى الشباب، بهذا أصبح مالكو هذه التكنلوجية يلعبون دور الناشر دون ان يتحملوا الالتزامات والأخلاقيات، وأساسا التمييز بين المعلوم المدققة وغير المدققة".
 
أصبح العالم أمام ناشرين جدد، أي ما تسمح به المنصات العالمية، على مختلف تطبيقاتها، وهو ما أتاح الفرصة للكثير من الناس بأن يتحولوا إلى منتجي محتوى، وإذا كان هذا في حد ذاته إيجابي لحرية التعبير والإبداع، فإن وقوعه في أيادي البعض تحول إلى نقمة حقيقية، نظرا لاستغلاله من طرفهم في إنتاج محتويات فاسدة، واستخدامه في التشهير والابتزاز والتجارة الرخيصة.
 
أن هذه الفئات من الناس، ليست جديدة في المجتمعات، وقد أطلق عليها كارل ماركس وفردريك إنجلز في العديد من كتاباتهما، إسم "البروليتاريا الرثة"، التي هي خليط من المنحرفين واللصوص والمجرمين، والمومسات والوسطاء، وغيرهم من هذه الفئات المهمشة، التي هي ضحية للفوارق الاجتماعية، تستغل ضعفها وتتلون مع كل شيء، هدفها هو الاسترزاق، وتكون أداة في خدمة الفاشية والرجعية، لذلك حذرت منها كل التيارات اليسارية واعتبرتها خطرا على الثورة والديمقراطية والتقدم.
 
وفي المغرب، تمكنت بعض من هذه البروليتاريا الرثة من استغلال الإعلام والتواصل، فأنتجت محتويات فاسدة، حيث تحرك فيها منحرفون، يعملون على نشر التضليل والتشهير، مستفيدين من المكتسبات القانونية والحقوقية التي تحققت بفضل النضالات التي خاضتها الأحزاب الديمقراطية والنقابات المناضلة وجمعيات المجتمع المدني الجادة، في الوقت الذي لم يكن يظهر لهؤلاء أي أثر، ولم يساهموا في التضحيات التي بذلت لتحقيق هذه المكتسبات.
 
بل أكثر من ذلك، إنهم هم الذين يهددون هذه المكتسبات، لأنهم يستغلون ما حقق غيرهم، بهذا الشكل المنحرف، وهو الوضع الذي يدفع إلى التفكير في كيفية صيانتها من هذا الاستخدام الفاسد. وقد نشرت منظمة اليونسكو تقريرا، في 9 دجنبر 2022، جاء فيه أن هناك توجها في الكثير من بلدان العالم، للتعامل مع التشهير بموجب القانون الجنائي، حيث تشير البيانات أن 39 من بين 47 دولة في إفريقيا، و38 من بين 44 دولة في آسيا والمحيط الهادي، تعتبر التشهير جريمة جنائية.
وفي أوروبا الوسطى والشرقية، هناك تزايد في اللجوء إلى القوانين الجنائية المتعلقة بالتشهير، والتي لا تزال سارية في 15 من بين 25 دولة في المنطقة، بينما لا تزال جرائم التشهير قائمة في 29 من بين 33 دولة في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، أما في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، فلا تزال قوانين التشهير الجنائي سارية في 20 من بين 25 دولة.
 
وتعتبر اليونسكو أن قوانين التشهير ينبغي أن تكون خالية من العقوبات السالبة للحرية، لكن عندما يسقط الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في يد البروليتاريا الرثة، فإن كل القيم التي ناضلت من أجلها أجيال من الشرفاء، تتعرض للعبث بها، ويتم تمريغها في الوحل.