الجمعة 25 يونيو 2021
كتاب الرأي

السفير عبد القادر زاوي: التأسلم السياسي هل هو قدر محتوم؟

السفير عبد القادر زاوي: التأسلم السياسي هل هو قدر محتوم؟

بعد أزيد من أربع سنوات على اندلاع ثورات الربيع العربي واحتجاجاته ما تزال المنطقة ملتهبة وتغلي على صفيح ساخن يأخذ أكثر من صورة واحدة. صورته الأولى اقتتال أعمى في بعض الساحات يحصد الأرواح دون رحمة ولا مبرر، مهدرا طاقات كبيرة، وصورته الثانية توترات سياسية واجتماعية متباينة الحدة في ساحات أخرى تعرقل أي انطلاقة تنموية حقيقية، فيما تتمظهر الصورة الثالثة في شكل تهديدات إرهابية عبر أكثر من ساحة. تهديدات تتطلب يقظة أمنية تحد كثيرا من مبادرات التنمية، وتستنزف موارد يفترض أن ترصد لاستثمارات الإقلاع الاقتصادي.

والقاسم المشترك بين الفاعلين في كل الساحات هو الاحتماء بالدين ومحاولة استلهام الشرعية منه، شرعية السلطة كما شرعية الثورة أو الاحتجاج في ثنائية طاغية على ما عداها. ثنائية تعبر بدرجة كبيرةعن إفلاس حقيقي لكل الإيديولوجيات القومية والبعثية واللبرالية وغيرها ممن تعاقب على الأنظمة والمجتمعات العربية، لدرجة لم تعد معها بعض الأحزاب ذات المرجعية الشيوعية ترى غضاضة في الانضمام إلى حكومات تقودها تيارات ذات مرجعية إسلامية أو حتى الانضواء للقتال تحت رايتها كما حصل مع الحزب الشيوعي اللبناني مؤخرا، إذ أعلن انضمام متطوعيه للقتال إلى جانب ميليشيات حزب الله على الحدود اللبنانية السورية.

ورغم أن مفجري الثورات والاحتجاجات كانوا في معظمهم من أجيال شابة حداثية وتقدمية النوايا. أجيال تسعى إلى إرساء ديمقراطية حقة، وعدالة اجتماعية تضمن الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، متطلعة إلى الاسترشاد بنماذج القيم الغربية اللبرالية، فإن حضور البعد الديني كان الطاغي في الساحات العربية، وتجاوز بكثير ذلك الشباب الحالم، كما تجاوز القوى الوطنية اللبرالية النفس أيضا، بما فيها تلك التي اضطرت لحمل السلاح كما هو الشأن مع الجيش السوري الحر.

ولم يأت ذلك من فراغ أبدا، وإنما فرضته القوى الإسلاموية من خلال دقة تنظيمها وقوة تمويلها مستفيدة من دعم مباشر وغير مباشر تلقته من بعض الأنظمة في المنطقة برغم اختلاف مذاهب هذه الأنظمة وغاياتها.وفي بعض الأحيان تم ذلك بتنسيق مع دوائر استخباراتية غربية في سعي محموم إلى محاولة إسباغ الصحوة الإسلامية على تلك الثورات والاحتجاجات كي يسهل فيما بعد احتواؤها بالنسبة لأنظمة المنطقة، وتلغيمها بغية تنفير الدول والمجتمعات الغربية في أوروبا وأمريكا عن دعمها بالنسبة لأجهزة الاستخبارات الغربية.

ولهذا يلاحظ أنه باستثناء الطموحات الكردية في كل من العراق وسوريا التي تريد تأكيد استفرادها بحكم مناطقها باستقلالية شبه كاملة توطئة للحلم الكردي بتأسيس دولة كردية مستقلة متكاملة الأركان، ومتواصلة الأراضي؛ فإن كل الصراعات التي اندلعت على امتداد خريطة العالم العربي ارتدت بسرعة طابعا دينيا مذهبيا سنيا / شيعيا أو حتى داخل المذهب الواحد السني بصفة خاصة حيث استدعى المتصارعون بالسلاح أو بالفكر كل تسميات الفرق والملل القديمة.

ولم يعد مستهجنا في هذا السياق استخدام مصطلحات مستلهمة من التاريخ القديم بكل ما يحمله من ندوب وثارات مثل تشبيه داعش ومن على شاكلتها بخوارج العصر الحديث، وتسمية الأغلبيات الصامتة بالمرجئة. ومعلوم أن كلمصطلح من هذه المصطلحات، وكذا التي تقف في وسطها تدعي انفرادها بالشرعية والمشروعية، والأحقية بالحديث نيابة عن "الأمة"، مكفرة الآخرين أو في أحسن الأحوال مخطئة إياهم.

والواضح من ضراوة الصراعات المسلحة الجارية ومن حدة الاستقطابات الدينية الحاصلة في الساحات غير الملتهبة والمتميزة بإسهال شديد في الفتاوى وتضاربها؛ فإن النفق الذي دخله العالم العربي والإسلامي ما يزال طويلا ومعتما، وربما لسنا سوى في بدايته، حيث لا إرهاصات تشي بوجود إمكانية وقف النزيف أو معالجة الكراهية المتنامية. أكثر من ذلك رغم الإجماع الدولي والإقليمي على رفض التطرف الديني في أقصى صوره "داعش"، إلا أن الجميع حاول بشكل أو بآخر استعماله أو الاستفادة منه، بعضهم بحثا عن توازن جغرافي بكسر الهلال الشيعي في واسطة عقده، والبعض الآخر للترهيب والمزيد من التعبئة ضد من أمعن في نعتهم بالإرهابيين التكفيريين.

وفي سياق كهذا لم يكن مستغربا أن يبشرنا الرئيس الأمريكي باراك أوباما بأن محاربة داعش كقوة عسكرية قد تستغرق أزيد من ثلاث سنوات. وهاهي دولة الخلافة المزعومة بعد سنة من دخول الموصل لم تتأثر كثيرا بالضربات الجوية الموجهة لها، مؤكدة بالمعارك التي تخوضها أنها باقية وتتمدد، بل وبدأت تتحول في مناطق أخرى إلى فكرة وقدوة مثل تنظيم القاعدة من قبل تستهوي أفئدة الكثيرين عبر العالم، مؤسسة جاذبيتها على أنها بديل عملي للفرقة والتشرذم بخلافتها القافزة على حقائق التاريخ، وجغرافيا الحدود الموروثة عن الاستعمار.

وفي المعلومات، فإن حسابات بعض دول الخليج العربية للتعامل مع تداعيات الثورات والاحتجاجات لدرئها أو التحكم في مسارها تتحدث عن استعداد للمواجهة لعشر سنوات أو أكثر، وأن الميزانيات العامة يجري إعدادها على هذا الأساس. فالتداعيات تطرق أبواب دول الخليج بالدماء، مهددة استقرار مجتمعاتها، والتماسك الاجتماعي داخلها، مؤثرة أيضا على سياساتها التنموية في ظل ظرفية اقتصادية غير مواتية سيما مع انخفاض أسعار الطاقة. فالشحن الطائفي في المنطقة بلغ الذروة ويقود إلى اقتتال لا محدود ما لم تنهك أطرافه المتنازعة أو أحدها على الأقل، وهو أمر مستبعد جدا في الوقت الراهن.

إن هذا التمدد، الذي أصبحت بموجبه داعش تسيطر على حوالي 40% من مساحة العراق، ونصف الأراضي السورية، إضافة إلى ولايات منعزلة في ليبيا في المناطق الغنية بتروليا، أثبت أن تنظيم الدولة الإسلامية ظهر لسد فراغ سياسي وفكري لن تنتهي الخلافة المزعومة وتتلاشى إلا بزواله. وبما أن ذلك غير حاصل حاليا، فإن التنظيم يوسع نفوذه، وقد تمكن من زرع خلايا نشطة في معظم الدول العربية استطاعت أن تضرب في المملكة العربية السعودية، وفي تونس والكويت واليمن، بل وفي القارة الأوروبية نفسها.

ولا يختلف اثنان في أن هذا الفراغ يعود إلى مجموعة أسباب أهمها:

*فشل الدولة الوطنية القطرية الناشئة بعد الاستقلال في تحقيق التنمية الموعودة وإهدار العديد من الفرص لانطلاقة اقتصادية حقيقية خلافا لما حصل في دول جنوب شرق آسيا التي كانت اقتصاديا في الستينات في مستوى الدول العربية أو أقل من بعضها، وباتت اليوم من أكبر الاقتصاديات العالمية.

*إخفاق النخب التي تولت الحكم في ترسيخ مفهوم المواطنة وبناء مؤسسات دستورية وإدارية تضمن الاستمرارية بعيدا عن الشخصانية، عاملة على تكريس التسيير المزاجي بشكل أريد له أن يكون أبويا متأثرا بأهواء الحكام ومصالح البطانة الملتفة حولهم. 

والمأساة أنه بعد كل ما جرى ويجري، فلا أحد يسعى جديا لتعبئة هذا الفراغ المهول في شتى أوجهه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والروحية أيضا، ما جعله يتسع يوما بعد يوم ليصبح هو السائد في عموم المنطقة، سيما في ظل مقاربات سطحية وذات طبيعة فولكلورية له وللانعكاسات التي تنجم عنه. مقاربات لم تملك الجرأة لحد الساعة في سبر أغوار إشكالية العلاقة الثلاثية بين الحاكم والمحكوم ومفهوم الوطن. فالمحكوم يرى الوطن باعتباره الملاذ الأخير أكبر من الأشخاص، فيما بعض الحكام يختزل الوطن في شخصه ؛ الأمر الذي يولد التذمر والإحباط والحقد لدى المحكوم، الذي برهنت التجارب أنهلن يتوانى في استغلال أول فرصة سانحة لتفجير تذمره وسخطه.

وغير خاف على أحد أن السخط والتذمر كانا إلى جانب استشراء الفساد وتغول الاستبداد جزءا أساسيا من محركات ثورات الربيع العربي واحتجاجاته. وقد استثمرت التيارات الإسلاموية فيهما كثيرا لاستقطاب المقاتلين والمناصرين والمريدين كل حسب درجة الاعتقاد والإيمان الذي لديه، مستغلة عقما غريبا لدى القوى المدعية للحداثة على استشراف المستقبل، وانجرارها نحو تيار فكري جارف يسود الساحة و يجذب النقاش نحو اجترار الماضي واستحضاره، بل والعمل على تطويعه أملا في ترويض المجتمع على تقبل مفاهيمه دون تمحيص.

فهل التأسلم السياسي قدر محتوم؟

إنه يبدو كذلك خاصة بعد أن ساهم كثيرا في تفجير حمم براكين الطائفية والمذهبية التي تملك القدرة على منع أي محاولة لبلورة فهم مشترك للدين يقرب بين الناس استنادا على الآية الكريمة "إنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا.." ولا شك أن وضعا كهذا يثير مخاوف رهيبة يمكن أن تستشف بوضوح من ردود الأفعال المسجلة على أي تصرف أو سلوك من القوى المتشحة بأسمال دينية سواء أكان ذلك السلوك دمويا أم اجتماعيا.

ولكن في الحقيقة الأمر غير ذلك بتاتا، فالذي يجعل التأسلم السياسي يبدو كالقدر الجاثم هو بؤس وتقاعس التيارات الأخرى التي استمرأت فتات السلطة، فاقدة جاذبيتها، راكنة على الرف شعاراتها عما كانت تسميه مجتمعات الحداثة والديمقراطية التي طالما تشدقت بها، فيما هي عاجزة عن تعبئة الناس لصالح أطروحتها مفضلة انتظار من يخوض المعركة بدلا منها، غير قادرة على طرح بدائل عملية ، ناهيك عن أن تجاهر بما تحلم به من فصل للدين عن السياسة وللسياسة عن الدين، وهي التي تدرك أن هذا الفصل تحصين لطهارة الدين وقداسته من نجاسة السياسة وألاعيبها.

ويا لطف الله الخافي / الطف بنا فيما جرات به لقدار

عجل بدواك الشافي / وارحم ضعف الأمة الغارقة في لوزار.