الأربعاء 17 إبريل 2024
كتاب الرأي

المريزق المصطفى: التفاوض الثقافي قبل التفاوض السياسي

المريزق المصطفى: التفاوض الثقافي قبل التفاوض السياسي

 طبل وزمر وهرول العديد من الفاعلين بمختلف ألوانهم وأطيافهم للخطاب الملكي الذي قدمه الملك محمد السادس في 30 يوليوز 2014 بمناسبة عيد العرش الـ 15، والذي دعا فيه العاهل المغربي إلى ضرورة تسليط الضوء على قيمة رأس المال غير المادي للمغرب والتشديد على ضرورة الاستناد عليه كمعيار أساسي لوضع السياسات العامة لكي يستفيد المغاربة من ثرواتهم.

وإذا كانت الخطب الملكية، في العديد من المناسبات، تحمس العديد من الفاعلين في حينها، إلا أن استحضار مضامينها أحيانا، لا يتم إلا من أجل الاستشهاد بها عند الحاجة أو الركوب عليها. وهذا يعكس قمة الانتهازية التي يعتبرها البعض رصيدا لقضاء المآرب أو تلميعا لصورة مزيفة.

فرغم ما يستحقه موضوع الرأسمال غير المادي من أهمية، ورغم ما يطرحه من نقاش عميق علمي وكوني، ورغم الظرفية التاريخية التي جاء فيها خطاب الملك، ظل  (الرأسمال اللامادي المغربي) يبحث عن انتزاع شرعيته من الطموح السياسي والنظري، وظل ينتظر النظر إليه كواقع يومي يهدم المسلمات ويمسح الغبار عن عيون النفاق الاجتماعي، لتشجيع الحوار والنقاش كإحدى الركائز الأساسية في حياتنا اليومية القائمة على فلسفة الحوار.

إن ما نسمعه ونقرأه ونراه من خلال بعض وسائل الأعمال وقنوات التواصل وبعض الفاعلين السياسيين و الجمعويين حول فيلم نبيل عيوش "الزين اللي فيك" وعروض مهرجان موازين، يجعلنا أمام أزمة حقيقية عنوانها الجهل بالتراث الفكري والفلسفي ومعطيات العقلانية والحداثة، وتشجيع الثقافة التقليدية الجمودية والتحريض على الكراهية والعنف.

لقد صدق عالم المستقبليات "بيتر شفارتز" في تعليقه على خيارات المستقبل وتحديات التغيرات القادمة، حين قال: "بالنسبة لأولئك الذين لا يحبون التغيير كان أفضل وقت ليولدوا قبل العام 1800 أو كان عليهم التريث حتى حلول العام 2050".

فعلى ضوء ما حصل من صراع في "السوق السياسية" المغربية حول مطابقة ومماهاة بين الفني والسياسي، يجب الإقرار بالعديد من مواضيع الخلاف والاختلاف التي تطالبنا جميعا بالعودة إلى الحوار، وأقصد الحوار الديمقراطي لضمان تفاوض عادل ومنتج. خاصة وأن المشهد الثقافي والسياسي المغربي بات في الآونة الأخيرة يعيش أزمة حقيقية تتجلى في صمت المثقفين والنخب الأكاديمية المستقلة.

أن الاحتكاك بين الفني والسياسي قيل عنه الكثير في العديد من المناسبات، وهو موضوع قديم قدم الزمن، وشكل قاعدة من قواعد البحث السوسيولوجي والأنثربولوجي لدى العديد من أئمة هذه الميادين، أما المهم هو البحث عن المشترك بين الناس والقبول بالآخر كم هو ومقاربة المفاهيم ومحاكمتها وتصحيحها كي تصبح أداة صحيحة للممارسة، لكي لا نترك الساحة للغوغاء ولمن يبحث عن أنماط الوساطة الرجعية بين فئات الفاعلين الأساسيين في المجتمع.

نعم، قد يختار المثقف الالتزام بهذه القضية أو ذاك، وقد يتمهل في إصدار أحكامه، وقد يصمت، وقد يتهرب..، ولكن هناك ضرورة تاريخية لا تنتظر أي كان ولا تأبى الفراغ. وليس باسم الخوف من "الهيحان" والتوترات الاجتماعية الشديدة الناتجة عن غياب الحوار وقيم التسامح واحترام التعددية الثقافية ومرجعياتها ودعامتها المادية واللامادية، يمكن الانحناء والانبطاح للجهلة وأصحاب المنفعة الحالمين بخلق محاكم التفتيش في المغرب.

نعم، إن رجل السياسة كان دوما غير راض عن الفن والإبداع، وكلما نفذ صبره (الضيق) طالب بالطلاق وبات يشرع المنح والمنع.

إن الخطير في التعاطي مع فيلم نبيل عيوش ومهرجان موازين، هو محاولة إنتاج ماكينة التعصب الفكري أو السياسي بالمغرب، وهو ما يترجم في الواقع من خلال خطاب رديء معادي للمغرب ولرأسماله المادي و اللامادي.

ومعلوم أن كل عمل فني أو أدبي كيفما كان نوعه، يستحق النقد والنقاش والحوار، وليس الإدانة والسب والشتم والتكفير. فلا ينفي اليوم أحد أن القيم الثقافية التي خلقتها البروتستانية، يرجع لها الفضل في خلق الرأسمالية التي خلقت الثروة واقتصاد السوق. ولا يخفى علينا كذلك، أن القيم الثقافية هي التي أسست العقلانية الاقتصادية والحداثة الديمقراطية، أو كما يقول أنصار الأنثروبولوجية الثقافية: "إن الثقافة هي قياس كل الأشياء".

قد يكون من المجدي ترك الفرصة للنقاد السينمائيين وللمهتمين والضالعين في الفن السابع أن يقولوا كلمتهم، وأن يجيبوا على الأسئلة التالية: من كتب السيناريو؟ هل هو نبيل عيوش؟ أم المجتمع المغربي في لحظة تاريخية تحتوي وقائع وأحداث وظواهر إجتماعية مغربية؟

لقد قال يوما ما السينمائي إيزنشتاين: "لسنا نحن الذين نصنع سينمانا، لكن الزمن الثوري هو الذي يصنعها، ويصنعنا".

ولهذا في انتظار الجواب عن هذه الأسئلة من طرف ذوي الاختصاص، لن نلوم الدهماء إذا تكلمت، ولن نحاسب المرجئة على إيمانها، ولن نسائل المتنطع على ذكائه الزائد، ولن نجاحد الناصح المغفل في كلامه.

لكن، ربما آن الأوان ليرجع المثقف من منفاه الاختياري لوطنه لنبني معا المستقبل الوضاء لشعبنا، لأنه لا يستحق التدجين بالترغيب أو بالترهيب.

إن ما عاشه المغاربة في زمن الجمر والرصاص، جعل أهل الثقافة والفكر في "حرب استنزاف" مستمرة مع السلطة نظرا لتواجدهم في مقدمة جبهة المدافعين عن القضايا العادلة. ورغم ذلك، كانوا (أهل الثقافة والفكر) من بين من وضعوا اللبنات الأولى لمغرب الحداثة والديمقراطية، وهو ما جعل أجيالا بكاملها أمام امتحان عسير تدور أسئلته حول روح الابتكار والتربية على الحرية وإقامة المجتمع السياسي على التعاقد بين إرادات أفراد أحرار.

واليوم، يعتبر تراث هذه المرحلة جزءا من الذاكرة الجماعية وخزانا من مخازن الرأسمال اللامادي في المغرب! ولكن من أجل الإسراع بوتيرة وبتقوية آليات الحماية في مجال حقوق الإنسان ومسار النضال التطوعي من أجل حرية التعبير والرأي والصحافة، وإشراك المجتمع المدني في أوراش التغيير، ونبذ مختلف أنواع العنف الاجتماعي، لا بد من التفاوض الجاد والمسؤول حول ما يتسم به المجتمع المغربي من وحدة وتنوع ثقافي. وتعتبر الثقافة كفكر إنساني وكأسلوب الحياة مدخلا حقيقيا وضروريا للمصالحة مع المجتمع، لأنها (الثقافة) تحولنا إلى يشر وترتقي بنا إلى المستوى الإنساني. بل أكثر من ذلك، هناك من السوسيولوجيين من يعتبر أنه من غير الثقافة لن تكون لنا لغة نعبر بها عن أنفسنا.

من الطبيعي أن نتوقف عند سؤال الثقافي وعلاقته بالسياسي، في ظل واقع أزمة المشروع السياسي المجتمعي العاجز على إعادة المشروع الثقافي بعد انهياره اليوم.

قد نخطئ في الإجابة، لأننا نعيش شروط أزمة ناتجة عن عدم القدرة على إخضاع الرأسمال اللامادي إلى مساءلة تقويمية، حتى نعرف أسباب العجز والمرض. كما قد نعجز عن الإجابة عندما تدفن الأسئلة الحقيقية في ضباب الصراع، وحين تغيب الأسئلة التي تحاول الاقتراب من السببية الاجتماعية التي تولد الأزمة.

أخيرا، إلى جانب الآثار المباشرة التي خلقها النقاش العقيم بخصوص ظاهرة فيلم "الزين اللي فيك" وظاهرة موازين، تبرز اليوم مخاوف عديدة من التيارات السياسية المحافظة التي تحاول الانقضاض على مكتسبات فئات واسعة من فئات الشعب المغربي، وفي مقدمتها الدعاية العملية  للتحريض المباشر (أحيانا) ضد النساء والتشجيع على خلق هيئة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" بدل التشجيع على التربية والتعليم ومحاربة الجهل باعتباره العدو الرئيسي الذي يفتح الباب للعودة إلى الجاهلية.