الجمعة 17 سبتمبر 2021
كتاب الرأي

حسن طوالبه: أمريكا باعت العرب واشترت الملالي

حسن طوالبه: أمريكا باعت العرب واشترت الملالي

يوحي عنوان المقالة أنها صفقة تجارية بين طرفين.. حقا إنها صفقة تجارية سعى لها الطرفان، وكل منهما له منافع جمة على حساب العرب. وإذا تصفحنا تاريخ الولايات المتحدة وريثة بريطانيا الاستعمارية، فإنه تاريخ استعماري دموي راح فيه ملايين الضحايا من أبناء دول الجنوب. كما أن بريطانيا خلقت عشرات المشكلات لهذه الدول، وخاصة مشكلات الحدود المشتركة بين الدول التي خضعت للاستعمار.

ليس للولايات المتحدة عهد أو صداقة مع الدول، بل كانت علاقاتها مع الدول علاقة استعلائية تحكمية، ومن السهل عليها أن تتخلى عن عملائها لمجرد زوال مصالحها معهم... والأمثلة عديدة، منها تخليها عن ماركوس رئيس الفلبين، وعن شاه إيران محمد رضا بهلوي، حتى أنها رفضت استقباله عندما أطيح بحكمه عام 1979 عقب ثورة الخميني. وخلال ما سمي بالانتفاضات العربية "الربيع العربي" تخلت الولايات المتحدة عن عملائها في مصرحسني مبارك، وفي تونس زين العابدين بن علي، وفي اليمن علي عبدالله صالح.

من هذه المقدمة لا نستبعد أن تتخلى عن ما يسمون حلفائها في دول الخليج العربي. ومقدمات هذا التخلي وضحت في تصرفات الإدارة الأمريكية، إدارة أوباما ووزير خارجيته جون كيري منذ أن بدأت المفاوضات بين دول الغرب 5+1 وبين نظام ملالي إيران حول الملف النووي الإيراني.

صحيح أن دول الغرب فرضت عقوبات اقتصادية على نظام الملالي.. وقد أثرت تلك العقوبات على الاقتصاد الإيراني، وعلى مستوى معيشة المواطن الإيراني اليومية. إذ ارتفعت الأسعار، وهبط سعر التومان الإيراني مقابل العملات الأجنبية، وخاصة الدولار. وزاد الوضع صعوبة في إيران عقب هبوط سعر النفط إلى ما دون الـ 50 دولارا. ولكن نظام الملالي عوض عن تلك الخسائر المالية بسرقة نفط العراق، وتهريب الدولارات من البنك المركزي العراقي عن طريق عملائه من المليشيات الطائفية التابعة له .

لقد سمعنا في السنوات الماضية تصريحات وتصرفات كانت توحي أن الحرب قادمة بين الولايات المتحدة وبين إيران، ولكننا كنا نؤكد باستمرار أن لا حرب بين الطرفين، رغم رغبة الكيان الصهيوني بضرب المفاعلات النووية في إيران.. ولكن الولايات المتحدة كانت وما زالت تطمئن الصهاينة أن لا خطر على كيانهم من جانب إيران لأكثر من اعتبار. أولها أن نظام الملالي ليست معركته مع الكيان الصهيوني رغم تصريحاته العدائية ضده. وثانيهما أن مصالح نظام الملالي مع اليهود في إيران وفي الولايات المتحدة كبيرة ومتشعبة. إذ يعيش في إيران ألوف اليهود الذين تربطهم مع النظام علاقات ود ومصالح.. وهؤلاء يرتبطون مع يهود الولايات المتحدة في منظمة إيباك الصهيونية ذات النفوذ الكبير في الكونغرس والإدارة الأمريكية. وثالثها: أن نظام الملالي يسعى إلى استعادة مجد الإمبراطورية الفارسية القديم.. وهذا الهدف لا يتحقق مع قوى كبيرة تعوق تحقيقه.. وهذا الهدف يتحقق من خلال قوى ضعيفة مثل الأنظمة العربية التي صنعتها بريطانيا في الربع الأخير من القرن العشرين في كمنطقة الجزيرة العربية والخليج العربي .

لقد تفاهمت الولايات المتحدة مع نظام الملالي في إيران من تحت السجادة في احتلال أفغانستان والعراق، وقد أعلن أكثر من مسؤول إيراني أن نظام الملالي قدم خدمات كبيرة للولايات المتحدة أثناء احتلال هذين البلدين. كما أن الولايات المتحدة أعلنت على لسان مسؤوليها أن التعامل مع الشيعة أفضل من التعامل مع السنة، لأن للشيعة مرجعية موحدة قادرة على فرض إرادتها على العموم دون مناقشة.. فالامتثال لأوامر المرجعية الشيعية كبير جدا، وهذا الأمر غير متوفر في الجانب السني لكثرة الآراء بين المجتهدين وكبار علماء السنة. وهذا الأمر صرح به رامسفيلد عندما كان يلتقي مع السيستاني في النجف.

الولايات المتحدة خلقت داعش للقضاء على ثورة عشائر العراق في المناطق السنية، وحشدت دول العالم في حرب عالمية ثالثة ضدها، وسمحت لنظام الملالي بإدخال جيوشها إلى العراق بشكل علني لكي تخوض معركة ما يسمى تحرير صلاح الدين.. وخلال المعارك في صلاح الدين ظهر الحقد الطائفي ضد سكان هذه المناطق من خلال حرق البيوت وذبح الشباب والأطفال بالسكاكين وقطع الرؤوس، وتلك الأفعال فاقت في بشاعتها ما فعلته داعش.

لا نستبعد أن يتمكن التحالف الدولي من هزيمة داعش، ولكن في زمن طويل نسبيا.. يتم خلال هذه المعارك تدمير البنى التحتية في مناطق العرب السنة وقتل المزيد منهم بدعوى الانتقام من النظام الوطني السابق وتهجير السكان من أراضيهم لإحداث خلل في التركيبة السكانية في المناطق السنية لصالح الأهداف الطائفية التي ينشدها نظام الملالي.

وعقب المعارك سوف تتبدل المعادلة السياسية في العراق، إذ ستبرز استحقاقات جديدة.. فالذين حققوا النصر في الميدان سيطالبون باستحقاقهم السياسي.. فالمليشيات سوف تتصدر المشهد السياسي المقبل وقد تتسلم السلطة كاملة إما من خلال صناديق الاقتراع أو بانقلاب عسكري يصب في صالح نظام الملالي. وإذا تحقق هذا السيناريو سيكون أمام نظام الملالي فرصة لعمل استفتاء في العراق للانضمام إلى إيران في وحدة طائفية، تكون منطلقا للانقضاض على دول الخليج العربي وصولا إلى مكة والمدينة، وهو حلم لم يعد سرا، بل هو علني لملالي إيران وأتباعهم في العراق .

لقد باعت الولايات المتحدة العرب لإيران، وهذا ما أبلغه جون كيري لوزراء دول الخليج العربي مؤخرا عقب لقائه مع وزير خارجية نظام الملالي في جنيف.. أي أنه أبلغهم فحوى الاتفاق المقبل مع إيران بشأن الملف النووي.. وهذا الاتفاق سوف يرفع العقوبات الاقتصادية عن إيران.. أي أن الإدارة الأمريكية الحالية تقر بأحقية إيران بالتمدد على حساب العرب وبدورها الإقليمي إلى جانب تركيا والكيان الصهيوني.

إزاء ما يجري وصار حقائق على الأرض -وهو ما حذرنا منه منذ زمن- ماذا سيفعل الزعماء العرب ليحموا كراسيهم وشعبهم من هذا الخطر الطائفي القادم. نظام الملالي قادم بكل أحقاده الماضية.. وكما كسر العرب إمبراطوريتهم قبل أربعة عشر قرنا، فسوف ينتقمون من العرب ثأرا لما حصل في الماضي. هذا هو الواقع المأساوي. وللأسف ما زال الزعماء العرب يثقون بالولايات المتحدة وينفذون أوامرها. وإلا كيف يتنادى وزراء الخارجية العرب في دول الخليج العربي للالتقاء مع كيري ليملي عليهم ما تريده إدارته.

ما زالت الفرصة مواتية أمام العرب الرسميون، بتحالفات جديدة وبتوافق عربي فاعل بعيدا عن الأنانية والخوف على أموالهم التي ستسرق من قبل دول الغرب.. ومطلوب من العرب الانتقال من حالة الدفاع إلى حالة التعرض، والحد من نفوذ نظام الملالي، بدعم القوميات المضطهدة، وخاصة العرب والأكراد التي تعاني من عنف نظام الملالي واضطهاده لها.