في ظل تصاعد الجدل داخل هيئة المحامين بالمغرب بشأن مشروع قانون مهنة المحاماة، برز تلويح مكتب جمعية هيئات المحامين باستقالة جماعية للنقباء كأقصى ورقة احتجاجية للدفاع عن استقلالية المهنة وثوابتها، وسط تحذيرات من أن هذه الخطوة قد تكون سلاحا ذا حدين إذا لم تُحسن قراءتها وتقدير مآلاتها.
وتأتي هذه التطورات بعد تصريحات متباينة داخل الجسم المهني بين من يرى أن الاستقالة الجماعية قد تشكل رسالة قوية في وجه ما يعتبرونه مساسا بمكانة النقباء وبتوازنات المهنة، وبين من يعتبر أن الانسحاب من مواقع التأثير المؤسسي قد يفتح الباب أمام تمرير اختيارات مصيرية في غياب الفاعل المهني الأساسي، بما قد يضعف قدرة المحامين على التأثير في مسار الإصلاح.
وفي هذا السياق، حذر عدد من المحامين من أن الاستقالة الجماعية في هذه الظرفية قد تنطوي على مخاطر تنظيمية ومؤسساتية، لأنها قد تفرغ الهيئات من أطرها التمثيلية وتؤثر على السير العادي للمجالس وعلى تدبير ملفات التمرين والشكايات وتحديد الأتعاب، وهي من المهام المركزية التي يضطلع بها النقباء. واعتبروا أن قوة هذا النوع من الأوراق النضالية لا تقاس بمجرد الإعلان عنها، بل بقدرتها على إحداث ضغط تفاوضي فعلي دون أن تتحول إلى خطوة ترتد سلبا على المهنة نفسها.
وفي المقابل، شدد محامون آخرون على أن الموقف يجب أن يقرأ في ضوء ما وصفوه بمحاولة إضعاف موقع النقيب والتقليل من رمزيته داخل المنظومة المهنية، معتبرين أن أي مساس بمؤسسات التمثيل المهني يوجب رص الصفوف والتماسك خلف النقباء والقيادة المهنية. وذهب هؤلاء إلى أن الحفاظ على المكتسبات يقتضي موقفا موحدا في مواجهة ما يعتبرونه استهدافا ممنهجا لثوابت المهنة، وليس الاكتفاء بردود فعل متفرقة.
وتزايدت حدة النقاش بعد أن تحدثت أصوات مهنية عن تناقض واضح بين أجواء التهدئة التي قيل إنها سادت خلال الحوار مع رئيس الحكومة، وبين التصعيد الذي تلاها داخل مسار مناقشة المشروع، ما دفع إلى طرح أسئلة حول مآل الحوار وحدود التفاهمات السابقة. واعتبر منتقدو خيار الاستقالة أن أي خطوة نضالية ينبغي أن تكون محسوبة النتائج، وأن تُقاس بما يمكن أن تضيفه فعلا إلى معركة الدفاع عن الاستقلالية والحصانة وتوسيع مجالات الاشتغال.
كما برزت دعوات داخل المهنة إلى تحكيم العقل وتغليب الحكمة في لحظة دقيقة، مع التأكيد أن جوهر الخلاف لا ينبغي أن ينحصر في رهانات انتخابية ضيقة أو في إعادة ترتيب التمثيليات، بل في حماية موقع المحاماة داخل منظومة العدالة وصون تنظيمها الذاتي. وفي هذا الإطار، رأى بعض المحامين أن الاحتجاج يجب أن يستند إلى وضوح الأهداف ودقة الوسائل، حتى لا يتحول إلى مكسب ظاهري يكلّف المهنة خسائر أكبر على المدى القريب والبعيد.
وبينما يواصل مكتب الجمعية التلويح بخطوات احتجاجية جديدة، يبقى خيار الاستقالة الجماعية مطروحا داخل نقاش مهني حاد بين من يراه ورقة ضغط ضرورية، ومن يحذر من أثره العكسي على قوة المهنة وموقعها التفاوضي. وفي انتظار ما ستسفر عنه الجموع العامة الاستثنائية المرتقبة، يبدو أن معركة المحامين مع مشروع القانون المنظم لمهنتهم دخلت مرحلة أكثر حساسية، عنوانها الدفاع عن الثوابت، لكن بأدوات لا تضعف الجسم المهني أكثر مما تدافع عنه.


