vendredi 15 mai 2026
كتاب الرأي

فكري سوسان: الريف… هل يستطيع الجرح أن يُنتج لؤلؤه؟

فكري سوسان: الريف… هل يستطيع الجرح أن يُنتج لؤلؤه؟ فكري سوسان

ليست كل الجراح لعنةً خالصة. بعضُها، حين يمرّ عبر الزمن والصبر والوعي، يتحوّل إلى شكلٍ آخر من أشكال القوة. هكذا يشرح المفكر الفرنسي بوريس سيرولنيك مفهوم “الريزيليانس” أو القدرة على تحويل الألم إلى معنى. وربما لا توجد منطقة في المغرب تختزن هذه الفكرة بعمقٍ معقّد مثل الريف، الذي عاش طويلاً بين قسوة الذاكرة وإرادة الاستمرار، محاولاً أن يصنع من حبّة الرمل التي آلمته شيئاً يشبه اللؤلؤ.

يستعمل المفكر والطبيب الفرنسي بوريس سيرولنيك  Boris Cyrulnik مفهوم "الريزيليانس"   (résilience) لوصف تلك القدرة العجيبة التي يمتلكها الإنسان على النهوض من داخل الجرح، لا من خارجه. وهو مفهوم لا يعني مجرد التحمّل أو التكيّف النفسي كما قد توحي بعض الترجمات العربية، بل يشير إلى قدرة أعمق وأكثر تعقيداً: أن يتحوّل الألم نفسه إلى قوة داخلية، وأن يصبح الانكسار بدايةً لإعادة بناء المعنى والحياة.

ولشرح فكرته، يستعيد سيرولنيك صورةً شديدة البساطة والجمال في آن واحد: حبّةُ رملٍ صغيرة تتسلّل إلى داخل المحارة  (l'huître) فتؤلمها وتُربك توازنها. لا تستطيع المحارة التخلص منها، ولا تستطيع أيضاً أن تستسلم لذلك الألم الصغير الذي يسكن داخلها. فتبدأ، بصبرٍ طويل وغامض، في تغليف تلك الحبة طبقةً بعد أخرى، حتى تتحول، مع الزمن، إلى لؤلؤة.

ليست اللؤلؤة إذن إلغاءً للجرح، بل شكلاً راقياً من أشكال تحويله.

وأحياناً، لا تختصر هذه الصورة حياة الأفراد فقط، بل تختصر أيضاً سيرة مناطق بأكملها.

ولعلّ الريف واحدٌ من تلك الأمكنة التي عاشت طويلاً وفي داخلها حبّة الرمل تلك: تاريخٌ مثقل بالقسوة، وذاكرةٌ جماعية متعبة، وإحساسٌ مزمن بأن الجغرافيا لم تكن دائماً عادلة مع أهلها. فمنذ عقود طويلة، والريف يعيش على إيقاع علاقة معقدة مع المركز، ومع السياسة، ومع التنمية، وحتى مع صورته داخل المخيال الوطني نفسه.

ومع ذلك، لم يكن الريف أرضاً للاستسلام.

لقد حاول دائماً، بطريقته الخاصة، أن يحوّل الجرح إلى قدرة على الاستمرار. حوّل العزلة إلى نوع من الاعتداد الصامت بالنفس، وحوّل الهجرة إلى طاقة اقتصادية واجتماعية هائلة، وحوّل قسوة الطبيعة إلى ثقافة تشبث بالحياة. وربما لهذا السبب بالذات ظلّ الريف، رغم كل شيء، قادراً على الوقوف كلما ظنّ كثيرون أنه تعب أو انطفأ.

غير أن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي منطقة هو أن تتحول جراحها إلى هوية مغلقة.

فالألم، حين يتحول إلى إقامة دائمة داخل الوعي الجماعي، لا يعود ينتج إلا مزيداً من التعب والشك وفقدان الثقة. والمجتمعات، مثل الأفراد، لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد داخل منطق الجرح، حتى لو كان جرحاً حقيقياً وعميقاً.

الريف اليوم لا يحتاج فقط إلى استعادة ذاكرته، لأن أبناءه لم ينسوا شيئاً أصلاً. الذاكرة حاضرة بقوة، أحياناً أكثر مما ينبغي. لكنه يحتاج، ربما، إلى شيء آخر أكثر صعوبة: أن يتحرر من فكرة أنه مجرد ضحية للتاريخ.

فالاختزال الدائم لأي مجتمع في صورة الضحية يُفقِده، مع الوقت، القدرة على تخيّل المستقبل. ويحوّل الوعي الجماعي من طاقة للبناء إلى مجرد ردّ فعل دائم على الماضي.

لهذا تبدو فكرة “الريزيليانس” عند سيرولنيك مهمة بالنسبة إلى الريف. لأنها لا تدعو إلى نسيان الألم، ولا إلى تجميل الجراح، بل إلى تحويلها إلى وعي جديد بالحياة. أي إلى القدرة على إنتاج معنى جديد من داخل المعاناة نفسها.

فالريف لا يحتاج فقط إلى مشاريع وبنيات تحتية، رغم أهميتها القصوى، بل يحتاج أيضاً إلى إعادة بناء الثقة: الثقة في المدرسة، وفي الثقافة، وفي العمل الجماعي، وفي السياسة النظيفة، وفي إمكانية النجاح دون غضب دائم، ودون شعور مستمر بالمواجهة مع العالم.

لقد أظهر الريف، عبر تاريخه الطويل، قدرة نادرة على الصمود. لكن الصمود وحده لا يكفي لبناء المستقبل. فالإنسان لا يعيش فقط لكي يتحمّل، بل لكي يحلم أيضاً، ولكي يبدع، ولكي يشعر أن للحياة معنى يتجاوز مجرد النجاة.

وربما لهذا السبب تبدو صورة المحارة واللؤلؤة أكثر من مجرد استعارة أدبية. إنها دعوة هادئة للتفكير في معنى التحول نفسه. فحتى اللؤلؤة ليست تمجيداً لحبّة الرمل، بل انتصارٌ صامت عليها.

وربما آن الأوان لكي يتوقف الريف قليلاً عن عدّ جراحه فقط، وأن يبدأ أيضاً في التفكير في نوع الضوء الذي يريده داخل بيته الكبير.

فالبيوت لا تعيش بالذاكرة وحدها، بل بالنوافذ المفتوحة أيضاً.