mercredi 6 mai 2026
مجتمع

فكري سوسان: الحسيمة… الأزمة ليست في ما ينقصنا، بل في ما لا نراه

فكري سوسان: الحسيمة… الأزمة ليست في ما ينقصنا، بل في ما لا نراه فكري سوسان ومشهد من الحسيمة

بين ضجيج الأرقام عن المشاريع التنموية وصمت المسافات التي تفصل بين الفاعلين، تبرز الحسيمة كحالة تستدعي التفكير أكثر مما تستدعي التوصيف. في هذا النص، ليس الهدف رصد ما شُيّد من أسمنت، بل تتبع ما تآكل من ثقة، وما تراكم من ذاكرة. من خلال حوار هادئ مع صديق قديم، نحاول أن نرى المدينة لا كخريطة مشاريع، بل كبنية علاقات معقدة، لنطرح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل أزمتنا في ماذا ننجز، أم في كيف نفكر ونتواصل؟

التقيتُ به صدفة، أو هكذا بدا لي؛ صديق قديم من الحسيمة لم أره منذ مدة. لم نطل في المجاملات، وسرعان ما دخلنا في صلب السؤال الذي يؤرق المدينة.

قال لي: «نحن نعيد طرح الأسئلة نفسها منذ سنوات، لكننا لا نتقدم». ثم أضاف: «نتحدث كثيرًا عن المشاريع والتنمية والتهميش، لكننا نادرًا ما نسأل أنفسنا: ماذا لو كان الخلل في مكان آخر؟ ماذا لو كان في طبيعة العلاقة؟«.

توقفت عند الكلمة. "العلاقة" هنا ليست تفصيلًا لغويًا، بل مفتاح قراءة. قال: «علاقتنا ببعضنا، وعلاقتنا بما هو خارجنا. هناك شيء غير مستقر يجعل كل شيء يبدو هشًا«.

سألته: هل تقصد أزمة ثقة؟
أجاب: «نعم، لكن ليس فقط بين المجتمع والدولة، بل بيننا نحن أيضًا. لا نثق بما يكفي لنشتغل معًا«.

ثم طرح سؤالًا أكثر إزعاجًا:
»من يحمل اليوم أي فكرة في الحسيمة؟ لدينا أفكار، لكننا نفتقد إلى من يلتقطها ويحوّلها إلى مسار فعل. بدون هذا “الحامل”، تبقى المبادرات معزولة، وتظل النوايا معلقة«.

عند هذه النقطة، طرحتُ عليه فكرة الوساطة.
فكر قليلًا قبل أن يقول: «ليست المشكلة فقط أننا لا نملك وسطاء… بل ربما أننا لم نعد نثق في معنى الوساطة نفسه. لم تعد تُرى كجسر، بل كقناة محتملة للالتفاف أو لإعادة إنتاج المسافة«.

ثم أضاف: «في غياب الوساطة، لا يحدث صدام مباشر، لكن لا يحدث أيضًا توافق. ما يتشكل هو مسافة صامتة تتسع باستمرار«.

سكت لحظة، ثم قال بنبرة مختلفة: «ربما نخطئ حين نرى المشكل فقط فيما ينقصنا.
الإمكان موجود… لكنه معطل، أو أننا لا نراه«.
ثم أشار بيده وكأنه يرسم المشهد: «هذا البحر، وهذا الجبل… ليسا فقط منظرين جميلين. يمكن أن يكونا حياة كاملة. لكننا نعيشهما كفصل صيف قصير«.
وتابع: «حتى المهجر… كأن المدينة موزعة على ضفتين، لكن دون جسر حقيقي بينهما. نملك روابط، نملك طاقات، نملك تجارب… لكننا لم ننجح بعد في ربطها«.
ثم ختم بسؤال أثقل: «نملك أشياء كثيرة… لكن هل نعرف كيف نجعلها تشتغل معًا؟«.

في صلب هذا التوتر، يبرز أيضًا سؤال المخاطبة مع الدولة. فليست الإشكالية فقط أن الدولة لا تفهم دائمًا، بل أيضًا أننا لم نعد نعرف كيف نخاطبها: بأي لغة؟ وبأي وسائط؟ هذا الاضطراب في قنوات الخطاب، رغم أنه لا يلغي اختلال التماثل بين الطرفين، يضاعف المسافة ويُربك إمكان بناء أرضية مشتركة.

في هذا المستوى تحديدًا، يظهر ما يمكن تسميته بـأزمة ثقة مركبة.
ليست فقط أزمة بين المجتمع والدولة، بل أيضًا بين الفاعلين المحليين أنفسهم، حيث يغيب الحد الأدنى من الأرضية المشتركة التي تسمح بـالاشتغال الجماعي.

ورغم هذا التشخيص الذي قد يبدو قاتمًا، لم يرَ صديقي الصورة سوداء بالكامل. قال: «هناك ذكاء جماعي كامن. الناس يفهمون، يقرؤون الواقع، ويدركون ما لا يشتغل… لكن هذا الذكاء لا يجد شروط الاشتغال«.

وأضاف: «نحتاج إلى فضاءات هادئة، إلى نقاشات تنطلق من الواقع لا من القوالب الجاهزة، وإلى إمكانية اللقاء دون أحكام مسبقة«.

ثم توقف عند فئة يراها حاسمة:
«الأغلبية الصامتة. لا تتصدر النقاش، لكنها تحدد في العمق اتجاهه. إذا تجاهلناها، سنبقى ندور في الحلقة نفسها.
هي التي ترسم الاتجاه… بصمت.
لكن متى يتحول هذا الصمت إلى فعل؟ ومتى تصبح الذاكرة التي تشدّها إلى الوراء موردًا يدفعها إلى الأمام؟».

لم يكن ممكنًا تجاهل ثقل الذاكرة في حديثه. قال: «الذاكرة هنا ليست ماضيًا فقط، بل حضور مستمر في الحذر، في التوجس، وفي طريقة قراءة كل مبادرة».

ثم أضاف: «هناك أيضًا إحساس بالمظلومية، له ما يبرره. لكن حين تتحول المظلومية إلى الطريقة الوحيدة التي نرى بها أنفسنا، فإنها لا تفتح أفقًا، بل تعيد إنتاج الشعور نفسه… وتحبس الفعل داخل قالب يصعب الخروج منه «.

هكذا تتغذى الأزمة من طبقات متداخلة:
ذاكرة تُثقل التمثلات، ومظلومية حين تنغلق تُعطّل الوساطة، وقنوات خطاب مضطربة تُعمّق فقدان الثقة.

قبل أن نفترق، طرح صديقي سؤالًا أخيرًا:
»في ظل تحولات جهوية تعيد رسم الخريطة، أين نقف نحن؟ السؤال ليس فقط ماذا يحدث حولنا… بل أين موقعنا داخل ما يحدث«.

لم يقدم وصفة، بل قال بهدوء:
»نحتاج أن نشتغل بشكل مختلف… بهدوء، بتدرج، وبدون ادعاء تمثيل أحد«.

فجأة نهض، وكأنه أنهى ما جاء من أجله.
غادر وهو يتمتم: «هل ننتظر أن تتغير الأمور من خارجنا… أم نبدأ بتغيير الطريقة التي نفكر بها في أنفسنا؟«.