أود التذكير بكلمة في حق شيخنا وأستاذنا العلامة الدكتور سيدي محمد يسف، بمناسبة وسمَتْها عنايةُ إمارة المؤمنين بالتقدير والعرفان، وتوشيحه بوسام ملكي سام، تتويجا لمسار علمي حافل بالعطاء والإخلاص في خدمة الثوابت الدينية والوطنية.
لقد ظل شيخنا سيدي محمد يسف نموذجا للعالم الرباني الذي جمع بين الرسوخ في العلم والحكمة في التبليغ، مستلهما ذلك من المدرسة المغربية وخصوصيتها في فهم القرآن والسنة، فأسهم بجهوده في ترسيخ الاعتدال، وصيانة الوحدة المذهبية، لقد أدى رسالته في هدوء العالم، وثبات المصلح.
إن هذا التكريم المولوي ليس فقط احتفاء بشخصه، بل هو إشادة بقيمة العلم وأهله، وتأكيد على المكانة الرفيعة التي يحتلها العلماء في صيانة الهوية الدينية للأمة المغربية تنظيما وممارسة عبر التاريخ.
لم يكن العلامة سيدي محمد يسف مجرد فاعل ضمن بنية المجلس العلمي الأعلى، بل كان صوتا علميا مدافعا عن استقلاليته الأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى ، ساعيا إلى الارتقاء بوظائفها كمؤسسة دستورية تضطلع بدور محوري في توجيه الحقل الديني على أساس من الاختصاص والاجتهاد الرصين والاستقلال الإداري والمالي...
لقد شكل تنظيم الحقل الديني بالمغرب أحد المرتكزات الأساسية لضمان الأمن الروحي وترسيخ الثوابت الدينية للأمة المغربية، ضمن إطار مؤسسة إمارة المؤمنين، وقد عرف هذا التنظيم تطورا ملحوظا من خلال إحداث وتأطير المجالس العلمية بموجب نصوص قانونية متعاقبة، بدءا من ظهير 1981، مرورا بظهير 2004، ودسترة المجلس العلمي الأعلى من خلال دستور 2011 الذي منحه شرعية دستورية تعلو على باقي النصوص التنظيمية، وحصنه من التقلبات التشريعية، تعزيزا لاستقرار السياسة الدينية للأمة المغربية، وصولا إلى (التحيينات) الحديثة لسنة 2023 والتي تثير إشكالية مركزية مفادها: هل توفق المشرع المغربي في تطوير الإطار القانوني للمجالس العلمية بما يواكب التحولات المجتمعية وتعزيز مركزية التشريع التي رسخها دستور 2011 ؟
لا نرى أن تنظيم الشأن الديني بالمغرب تعود إرهاصاته الحديثة إلى ظهير 1912 في سياق نظام الحماية، والذي اتسم بطابع ضبطي يهدف إلى إخضاع المجال الديني لاعتبارات الإدارة الاستعمارية، أكثر من كونه سعى إلى تأطير ديني وطني مستقل، بل نرى انه كانت هناك عبر قرون خلت قواعد مرعية تحكم الشأن الديني بالمغرب، وتحظى باحترام لا نظير له من الأمة المغربية(وفق تعبير شيخنا سيدي محمد يسف).
غير أنه بعد الاستقلال، برزت الحاجة إلى إعادة بناء الحقل الديني على أسس سيادية حديثة، وهو ما تجسد مع صدور ظهير 1981 المنظم للمجالس العلمية، باعتباره أول إطار تشريعي وطني حديث يؤسس لمأسسة التأطير الديني ، وربطه بإمارة المؤمنين، وجاء هذا الظهير في مرحلة كان فيها الحقل الديني يعاني من نوع من التشتت وغياب مركزية التشريع، مما استدعى تدخل الدولة لتنظيمه وضبطه، خاصة في ظل التحديات الفكرية والإيديولوجية.
ورغم أهمية هذه الخطوة في إرساء اللبنات الأولى للتنظيم، إلا أن النص اتسم بالغموض في تحديد الاختصاصات، وضعف الفعالية الميدانية، وغياب تصور استراتيجي شامل، وغياب هيكلة مؤسساتية متكاملة مع ضعف آليات التنسيق المركزي.
وشكلت سنة 2004 نقطة تحول مفصلية مع صدور ظهير 2004 المتعلق بإعادة تنظيم المجالس العلمية، وإعادة هيكلة الحقل الديني، وتعزيز دور مؤسسة إمارة المؤمنين، وإحداث المجلس العلمي الأعلى، وتوسيع اختصاصات المجالس العلمية المحلية، وتوحيد الفتوى داخل مؤسسة رسمية وإدماج المرأة في الحقل الديني.
ورغم الطابع المتقدم لهذا الإصلاح، إلا أنه يثير عدة ملاحظات أبرزها ضعف انفتاح المجالس العلمية المحلية على القضايا المجتمعية المعاصرة ومحدودية الأثر التواصلي بوجه عام، ومع فئات الشباب بوجه خاص. وكان شيخنا سيدي محمد يسف كلما جمعتنا به مناسبة يتساءل: أين وصل ميثاق العلماء ؟ وأين أثره؟ وماذا عن التواصل مع الشباب؟ وغيرها من الأسئلة ... التي هي في حقيقتها لون من ألوان التوجيه الراقي، يقصد به استنهاض الهمم وتحفيز العزائم، لا النيل من المقامات، إنها أخلاق العلماء.
ثم جاء ظهير 2023 بتعديلات طرحت إشكالات أبرزها غياب تعزيز استقلالية الأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى، ماليا وإداريا ، وغموض بعض مقتضياته وصعوبة ضبطها، والحاجة إلى تقييم فعلي للأثر الواقعي.
يتضح من خلال هذا المسار التاريخي أن المشرع المغربي انتقل من مرحلة التأسيس 1981، إلى إعادة الهيكلة 2004 ، ثم دسترة مؤسسة المجلس العلمي الأعلى2011، وصولا إلى تعديل 2023، غير أن هذا التطور، رغم أهميته، لا يخلو من نقائص تتعلق أساسا بفعالية الأداء، ومدى التفاعل مع التحولات المجتمعية.
وعليه، فإن تطوير المجالس العلمية يظل رهينا بإعادة النظر في تعديلات 2023، وملاءمتها مع روح دستور 2011، وتوسيع مجال الاستقلالية الوظيفية للأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى، وتكريس مرجعية إمارة المؤمنين داخل البناء الدستوري، بما يضفي على الحقل الديني طابعا مؤسساتيا قائما على الثبات والشرعية الدستورية، وتحصينه من التقلبات الظرفية والتجاذبات السياسية، والانفتاح على قضايا المجتمع ، وتقييم السياسات العمومية في المجال الديني.
وحاصل ما تقدم أن المَكسب الدستوري لم يجد ترجمة تشريعية منسجمة معه في ظهير 2023 ، الذي بدا معيبا من حيث الصياغة والمضمون، إذ اتسم بضعف في البناء المعياري ، فضلا عن منحه سلطة وازنة للوزير الوصي، سلطة إدارية ومالية..على حساب الاستقلال الوظيفي للأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى، بما يطرح إشكالا حقيقيا في مدى احترام مبدأ التوازن بين السلطة الدينية المؤطَّرة دستوريا، والسلطة التنفيذية المتمثلة في وزارة الأوقاف، ويؤشر على نوع من التراجع التشريعي الذي قد يُفرغ دسترة المجلس العلمي الأعلى من محتواها العملي ويحدّ من فعاليته في تأطير الشأن الديني.
أحمد الوجدي: أستاذ التعليم العالي، رئيس شعبة القانون الخاص، كلية الحقوق تطوان



