أخي عبد النبي،
يمضي هذا الوجع الهائل نحو روحك المحمّلة برائحة الورس، كأن الكلام كله أخذ على حين غرة حين قيل لنا إنك "تدفأت". فهل يكفي أن ننازل الألم في عقر نصاله ونمضي؟ هل يكفي أن نستعيد كلماتك التي فتحت لنا، ذات غبطة، أبواب حساسية أخرى على مصاريعها؟ هل يكفي أن نشهد بأنك جعلت القصة (لا الحكاية) فضاء نابضا بتفاصيل الهامش الذي نقيم فيه منذ الأزل؟
هل يكفي أن نقول: مات عبد النبي.. وكان.. وكان؟ هل يكفي أن نغرق جباهنا المتغضنة في كأس أو بحر أو يأس مؤجل.. ونقول: فات الأوان؟
يا صديق الحرف، يا من جعلت من "رائحة الورس" عتبة عبور نحو عوالم سردية ثرية، ظلت نصوصك كلها، التي ازدردتها وأنا غض طري العود وفي مقتبل الكلام، ومضات سينمائية تنبض بالشعر المصفى وحركة الصورة وحرارة اللقطة. نصوص تعرف كيف تمنح القارئ شعورا بأنه يجلس في قاعة عرض سرية، يشاهد شريطا من حيوات صغيرة تتوهج في العتمة. ثم جاءت "لا أحد ينتظرني" مثل نداء داخلي يحمل حساسية عالية، يلتقط ارتجاف اللحظة ويمنح الألم والفقد والموت هيئة مشهدية لمعنى أن تكون "مفردا وسط العدد"، وأعزل في حقل من المناجل.
في "لا أحد ينتظرني"، تلصصت عليك، وتواطأت معك، ورأيت كل تلك الأشباح التي تحوم حولك. رأيتها في أثاث روحك، في ما يملأ عينيك، في ما لا يجف من مشاعر في قلبك، ورأيتك وأنت تحول "الحكاية" كلها إلى حقل تأمل واسع، تصوغ المشهد وتبني اللقطة وتمنح الضوء دورا خفيا في صناعة المعنى. أقصد كل تلك الأفلام الكبيرة التي تحتشد بها ذاكرتك.
أكتب إليك اليوم وأنا أجلس في مقهى "موريطانيا" بالحبوس على بعد أمتار من "دار الثقافة"، ذلك الركن الذي احتضن لقاءاتك مع أصفيائك، حيث كانت القهوة تفوح بعطر الحكايات، وكان الشاي ينساب مثل خيط حديث ممتد. صورتك هناك هنا، في هذا المزاج العتيق، ما زالت حيّة في الخيال. ابتسامة رحبة تسبق كلماتك، وعينان تفتحان مساحات رهيبة للإنصات. ولهذا، كل من جالسك أو رافقك أو نادمك شعر بدفء شاسع. دفء إنسان موغل في إنسانيته، يحمل قلبا واسعا يسع الأصدقاء والكتب والأحلام.
نعم، لقد كنت تستعد للاحتفال وسط أحبتك في مدينة الدار البيضاء، وكنت تستعد للعناق الكبير مع "انثيالاتك" في معرض الرباط، وكان كل صديق يحمل في قلبه وردة يهديها إليك.. أليس كذلك يا حسن، ويا حميد، ويا أنيس، ويا عمر، ويا حفيظة؟
حديثك عن الكتب كان يمتد في كل الأرجاء والأزمنة مثل مكتبة بورخيس، وذكرك للأصدقاء المشتركين كان دائما يحمل نبرة وفاء تجعل حضورهم حولك أشبه بالتفاف عائلة من الأرواح المتآلفة.
يا عبد النبي، حضورك في تخوم "الحساسية والتأمل" (انثيالات) منح نصوصك نبرة فائقة التميز وسط زحام الأصوات، لأنك صوت سردي يقظ وماهر في تحويل التفاصيل الصغيرة إلى لحظات إنسانية كبيرة.
أراك الآن، ومكتبات "الحبوس" تحاصرني من كل الجهات، في ذاكرة الأدب المغربي مثل فارس يترجل في هدوء مهيب، فيترك خلفه أثرا عميقا على رمال الحكاية، ليقود القادمين نحو منابع جديدة للجمال.
روحك يا صديقي تظل قريبة من صفحاتك؛ فنم في معترك الكلمات التي طالما أحببتها، واترك يقظتك تسري فينا مثل نهر هادئ يحمل الضوء نحو آفاق بعيدة.. نم يا صديقي بكل الهدوء الذي تستحقه، وبكل الشجاعة التي أكدت انتماءك المشروع لفصيلة المقاومين..




