المغرب لم يسقط في هذا الواقع صدفة. السبب الرئيسي يكمن في خيارات سياسية متعاقبة اتخذتها النخب الحاكمة منذ عقود، لم تكن أبدا محايدة اقتصاديا، بل كانت سياسية بالأساس، تخدم مصالح محددة على حساب المصلحة العامة.
التحول من الدولة المنتجة إلى الدولة المستوردة
في الستينيات والسبعينيات، كان المغرب يصدر الحبوب والزيوت النباتية والخضراوات. اليوم؟ نستورد لحوم البقر من البرازيل والأرجنتين، والأغنام من أستراليا، والحليب المجفف من أوروبا، وحتى البصل من هولندا ومصر. هذا التحول لم يحدث لأننا أصبحنا غير قادرين على الإنتاج، بل لأن الدولة قررت أن الاستيراد أرخص وأكثر راحة من الإنتاج المحلي.
هذا القرار له جذور في عقد التسعينيات، عندما دخل المغرب في برامج التقويم الهيكلي مع البنك الدولي. شعارها كان "التقشف" و"تحرير الاقتصاد"، لكن التطبيق كان انتقائيا: تم تفكيك الدعم عن الفلاح الصغير بينما احتفظت الشركات الكبرى بامتيازاتها. تم فتح الحدود أمام المنتجات الأجنبية دون حماية للإنتاج المحلي، بينما استمر دعم الصادرات الزراعية (الحوامض، الزيتون) لأنها تدر العملة الصعبة على النخب المقربة من السلطة.
"المغرب الأخضر" وجه آخر من وجوه الفشل
عندما أُطلق "المغرب الأخضر" عام 2008، بُوشر بالضجة الإعلامية المعتادة. لكن الحقيقة أنه كان مشروعا طبقيا بامتياز: 70% من الميزانية ذهبت للقطاع السقوي (13% فقط من المساحة الزراعية)، بينما ترك القطاع البوري المعتمد على التساقطات المطرية (87% من الفلاحين) يعاني الجفاف والإهمال. النتيجة؟ ازدهرت مزارع العنب والزيتون للتصدير، بينما تآكلت حقول القمح والشعير التي يأكل منها المواطن العادي.
المفارقة المرة أن المغرب اليوم يصدر زيت الزيتون بأسعار مرتفعة إلى أوروبا، وفي نفس الوقت يستورد زيت نباتي رخيص من الخارج لأن المواطن المغربي لا يقدر على شراء زيته الوطني. هذا ليس اقتصادا، هذه جريمة اجتماعية منظمة.
لماذا لا يُؤخذ ملف السيادة الغذائية على محمل الجد؟
الإجابة ببساطة: لأن الأزمات تُدار لا تُحل. النظام السياسي المغربي متمرس في التعامل مع الأعراض لا الأسباب.
منطق "المخزون الاستراتيجي" الوهمي
عندما جاءت كورونا، وقبلها أزمة 2008، وبعدها حرب أوكرانيا، كان الرد دائما واحدا: نستورد أكثر ونخزن. لكن المخزون، كما أشرتم، حل مؤقت وخطير. أولا، تكلفته باهظة (التخزين، الحماية، التلف). ثانيا، يخلق شعورا زائفا بالأمان يؤجل الإصلاح الحقيقي. ثالثا، والأخطر، فهو يجعل الدولة رهينة للموردين الذين يعرفون أن المغرب "مضطر" للشراء بأي ثمن.
اليوم، مع توترات الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز الذي قد يطول، قد نجد أنفسنا أمام أزمة غذاء حقيقية لا يمكن تداركها بالمخزون. ماذا لو توقفت الملاحة في المتوسط؟ ماذا لو فرضت دول الاتحاد الأوروبي حصارا اقتصاديا غذائيا؟ المخزون سيُنفذ في أسابيع، والمجاعة ستكون سيناريو واقعي محتمل.
والسبب، هو أن النخبة المغربية لا تأكل ما يأكله الشعب. فعلى مدار الفصول تدخل الخضر واللحوم المستوردة مباشرة إلى مطابخ الأغنياء، بينما يتكفل "الدعم" بإرضاء الفئات الشعبية بكميات قليلة من السكر والدقيق المدعوم. هذا التمييز الغذائي الطبقي يجعل أصحاب القرار بمنأى عن تبعات سياساتهم.
خارطة الطريق: نحو استعادة السيادة الغذائية
لا أملك وصفات سحرية، بل مسارا واقعيا يتطلب إرادة سياسية حقيقية وتضحيات موزعة عادلا.
ـ أولا: إعادة التوازن بين الصادرات والاستهلاك المحلي
يجب أن نعترف بخطأ استراتيجي جوهري: المغرب يصدر الماء الافتراضي. عندما نصدر البرتقال والطماطم والزيتون السقويين، نصدر في الحقيقة الماء النادر الذي نحتاجه لزراعة القمح. الحل الأني ليس وقف التصدير، بل فرض رسوم تصدير تتناسب مع القيمة الاستراتيجية للماء المستنزف. عائدات هذه الرسوم تُوجه حصريا لتطوير الري بالتنقيط في المناطق البورية ودعم أصناف القمح المقاومة للجفاف.
كذلك، يجب إلزام المستثمرين الأجانب في القطاع الفلاحي بتخصيص نسبة من إنتاجهم للسوق المحلي. اليوم، مزارع الدلاح الفرنسية والإسبانية في المغرب تصدر 100% من إنتاجها، بينما نستورد الدلاح من الولايات المتحدة. هذا جنون اقتصادي وسياسي.
ـ ثانيا: ثورة في الفلاحة البورية
87% من الفلاحين بالمغرب يزرعون بالاعتماد على المطر. هذا ليس عيبا، بل ثروة وطنية إذا أحسنا إدارتها. المطلوب:
· التوقف عن استيراد بذور القمح الفرنسية التي تموت بمجرد تأخر المطر أسبوعا. استثمار 10 سنوات في بحث وطني لتطوير أصناف مغربية خالصة تتحمل الجفاف والملوحة.
· تعميم الزراعة المحافظة التي تحافظ على رطوبة التربة وتقلل من الحاجة للماء. وتطوير تقنيات جديدة ومبتكرة فالتجارب في تونس وبلدان أخرى تعد ناجحة، لكن هناك تأخر في المغرب.
· إنشاء صندوق وطني للكوارث الفلاحية يعوض الفلاحين في سنوات الجفاف، بدلا من تركهم لمصيرهم ثم الاستيراد بأسعار مضاعفة.
ثالثا: إصلاح منظومة الدعم
الدعم الحالي عكسي يستفيد منه الغني قبل الفقير. المطلوب تحويل الدعم من إلى الفلاح نفسه: دعم مباشر للفلاحين الصغار (أقل من 5 هكتارات) مقابل التزامهم بزراعة محاصيل استراتيجية تباع بثمن محدد وفي المتناول. هذا يضمن أن المال يصل للمستحق، ويحفز الإنتاج المحلي. كذلك، يجب إلغاء الإعفاءات الضريبية للشركات الفلاحية الكبرى التي تربح ملايير الدراهم وتدفع ضرائب رمزية. هذه الأموال تكفي لتمويل تحول زراعي حقيقي.
رابعا: تقليص الاستيراد التدريجي
لا يمكن قطع الاستيراد فجأة، لكن يمكن تنظيمه استراتيجيا عبر:
- تحديد كميات استيراد المنتجات التي يمكن إنتاجها محليا (الطماطم، البصل، الفلفل) خلال موسمها الطبيعي، والسماح بالاستيراد فقط خارج الموسم.
- التوجه نحو إفريقيا جنوب الصحراء بدلا من أوروبا. موريتانيا والسنغال ومالي يمكن أن تكون بدائل لتزويدنا باللحوم والحبوب، مع بناء علاقات استراتيجية طويلة المدى.
- بدلا من استيراد اللحم الجاهز، استيراد العجول الصغيرة وتربيتها محليا. هذا يخلق عملا ويقلص الفاتورة.
خامسا: التربية والغذاء
السيادة الغذائية تبدأ من العقل والمعدة معا. المغاربة يستهلكون 250 كيلوغراما من القمح سنويا، بينما يكفي 150 كيلوغراما للصحة. هذا الاستهلاك المفرط ناتج عن:
- يجب إعادة إحياء المطبخ المغربي التقليدي القائم على الشعير والذرة والكسكس، وتقليل الاعتماد على الخبز الأبيض.
- التوعية المدرسية بتدريس الأجيال الجديدة قيمة الغذاء المحلي وخطورة التبعية.
- التحكم في الأسعار بمنع المضاربة في الأساسيات الغذائية عبر تفعيل المراقبة الفعلية للأسواق.
خلاصة القول : قرار سيادي أم خيار استسلام؟
المغرب اليوم يقف عند مفترق طرق بين خيارين : الأول، يتمثل في الاستمرار في نفس النهج، وهو ما يعني المزيد من التبعية، والمزيد من الفقر الريفي، والمزيد من الهشاشة تجاه الصدمات العالمية. والثاني يتطلب قرارا سياديا جريء بإعادة بناء القدرة الإنتاجية الوطنية، حتى لو كان مكلفا في المدى القصير.
التاريخ يعلمنا أن الدول التي حققت السيادة الغذائية (كوريا الجنوبية، الصين، تركيا) لم تفعل ذلك بالصدفة، بل بـإرادة سياسية حديدية واستثمارات ضخمة على مدى عقود. المغرب يملك الموارد (الأرض، الماء - وإن كان محدودا -، الأيدي العاملة)، لكنه يفتقر إلى الإرادة السياسية الحقيقية. الأمل الوحيد يكمن في أن الأزمات المتتالية (كورونا، أوكرانيا، الشرق الأوسط) قد تُفضي أخيرا إلى يقظة ضمير لدى صناع القرار، أو - وهذا الأرجح – إلى ضغط اجتماعي متزايد من فلاحين وشباب عاطلين ومواطنين متضررين من غلاء الأسعار.
السيادة الغذائية ليست رفاهية، بل شرط بقاء. والسؤال اليوم: هل سنتعلم قبل فوات الأوان؟
عادل بوهوش، الكاتب العام الوطني للشبيبة العاملة المغربية





