ما كان الوطن عند عبد الجليل لفظا تلوكه الشفاه إذا ذكر الحنين، ولا صورة من الصور تعرض في الخيال ساعة ثم تنطوي، ولا منزلا من منازل الأرض يخرج منه المرء كما يخرج من سائر الأمكنة، ثم لا يجد في نفسه من أثره إلا ما يجده العابر من أثر الطريق. ولكنه كان عنده شيئا أعمق من ذلك وألصق بالنفس؛ كان سرا من أسرار قلبه، وعنصرا من عناصر روحه، حتى ليخيل إلى من عرفه أن هذا الرجل ما كان يحمل وطنه في صدره، بل كان وطنه هو الذي يحمله، ويقيمه، ويشد أوصال نفسه إذا همت الدنيا أن تبددها.
فلما ساقته ضرورة العيش إلى الرحيل، لم يكن راحلا عن أرض فقط، بل كان كأنما ينتزع انتزاعا من معنى قديم قامت عليه نفسه، وشبت في ظله عاطفته، واستراحت إليه روحه. خرج في صباح كأن الفجر فيه قد أفاق على وجع، فلا ضوؤه ضوء المسرور، ولا نسيمه نسيم الآمن، ومضى في الأزقة التي عرفته طفلا يلهو، وفتى يحلم، ورجلا يطوي أيامه بين السعي والرجاء؛ فكان كل موضع فيها يرد إليه نفسا من أنفاس ماضيه، وكل جدار يبعث في قلبه رجع ذكرى، حتى خيل إليه أن البلدة كلها قد وقفت تودعه وداعا صامتا، فيه من العتب الرقيق أكثر مما فيه من الرضا، كأنها أم رأت ابنها يمضي إلى سبيل لا تملك رده عنه، ولكنها لا تملك كذلك أن تسلم له قلبها.
ثم أفضى إلى الغربة، فإذا هي عالم قد استوثق نظامه، وفسدت ألفته، واتسع بناؤه، وضاق صدره، وكثر ناسه، وقل أنيسه. رأى الوجوه فيها مشرقة المحاجر، خامدة العواطف، وسمع الأصوات تجري في سمعه جريان الألفاظ في أذن النائم: يبلغ الحس منها شيء، ولا يبلغ القلب منها شيء. وهناك تعلم عبد الجليل فنا من فنون الشقاء لا يعرفه إلا المبتلون بالبعد: أن يبتسم والوحشة تأكل جوانحه، وأن يجيب الناس بوجه هادئ، وفي صدره ضجيج لا يسكن، وأن ينهض كل يوم إلى عمله كما تنهض الآلة إلى حركتها.
ومضت به الأيام، فما زال يجد ويكدح ويصابر، حتى اجتمع له من أسباب النجاح ما تتطاول إليه الأعناق: مال يفيض، ومسكن فسيح، ومنزلة ترفع ذكره. غير أن نفسه، على هذا الامتلاء من خارجها، كانت من داخلها تزداد فراغا ووحشة، كأنما امتلأت يداه من الدنيا حتى آخرهما، وبقي قلبه وحده مفلسا لا يملك من السعادة إلا اسمها. وكان يرى الناس من حوله يحسدونه على ما نال، وهو يحسد أفقرهم إن كان يجد في صدره ما لا يجد هو: ذلك الرضا الخفي، وذلك الأنس الساكن، وذلك الإحساس العجيب بأن المرء في موضعه الذي خلق له.
وكان إذا ضاقت عليه نفسه، خرج في المساء إلى نهر قريب من منزله، فيجلس إلى شاطئه واجما، ويرسل بصره في الماء الجاري، كأنما يلتمس في اضطرابه صورة اضطرابه، أو يسائل في جريانه سر أيامه التي تمضي ولا تبقي في صدره إلا الإعياء. وفي ليلة من ليالي الشتاء، وقد اشتد برد الهواء، وأشد منه برد القلب، أطال النظر إلى صفحة الماء، فرأى صورته فيها مرتجفة متكسرة، فقال في نفسه: أهذه صورتي حقا؟ أم هذه بقايا رجل ترك روحه وراءه، ثم مضى يطلب لنفسه حياة لا روح فيها؟
وبينما هو كذلك، إذا شيخ وقور قد دنا منه، ثم جلس غير بعيد، ونظر إليه نظرة أحس معها عبد الجليل كأن هذا الرجل قد قرأ صحيفة نفسه في عينيه، ثم قال له في صوت خفيض:
“يا بني، إن في عينيك حزن غريب لا أراه حزن رجل ضاقت به معيشته، بل حزن رجل ضاق به بعده.”
فنظر إليه عبد الجليل نظرة من أصيب في موضع الداء، وقال:
“جئت أطلب من الدنيا سعة أعيش بها، فوجدتها تضيق علي كلما اتسعت من حولي. تركت أشياء كنت أظن أني أملك الصبر عنها، فلما نلت ما نلت، علمت أن بعض الفقد لا يسده شيء، وأن المرء قد يربح من الدنيا ما شاء، ثم يخسر في سبيله نفسه.”
فتبسم الشيخ تبسم العارف، وقال:
“لأن القلب لا يخدعه ما يخدع العين. قد يسكن الجسد حيث شاء، أما الروح فلا تسكن إلا حيث تعرف.”
فنزلت الكلمة من نفسه منزلة الحقيقة التي طالما عرفها وهرب منها. ثم جاءه في الغد ما حسبه الناس خاتمة الظفر: ترقية سامية، وبيت يطل على النهر، وحياة ممهدة الأسباب. فوقف أمام هذا العرض وقوف المتنازع بين صوتين: صوت الدنيا وهي تعرض عليه زينتها، وصوت القلب وهو يسترد حقه القديم بعد طول اغتراب. وكان العرض في عينه كجواد عربي كريم، لو امتطاه بلغه منازل المجد؛ غير أنه أحس أن هذا الجواد لا يستطيع أن يحمله إلى الشيء الوحيد الذي يطلبه، لأنه يسرع به إلى بعيد، ولا يرجعه إلى أصله.
وهنا ثارت في قلبه صورة الوطن دفعة واحدة: تراب الحي إذا أصابه المطر، وصوت أمه إذا دعته باسمه، وعتبة البيت، وضحكات الرفاق، ووجوه الناس التي كانت بسيطة في ظاهرها، عظيمة في معناها؛ لأنها كانت تمنحه ذلك الإحساس الذي لا يشترى: إحساس الانتماء. عندئذ علم أن الوطن ليس نعمة من نعم العيش فحسب، بل هو شرط من شروط اكتمال النفس.
فرد العرض، ثم شد رحاله عائدا. فلما وطئت قدماه أرض بلده، أحس كأن صدره قد انفسح بعد ضيق، وكأن أنفاسه قد ردت إليه ردا بعد طول اغتراب. ولم يكن في استقباله موكب ولا صخب، ولكن كانت هناك الألفة. رأى الطريق كأنها تعرف خطاه، والهواء كأنه يدخل رئتيه دخول الشيء إلى موضعه، والبيت القديم كأنه لم يفقده قط، وإنما كان ينتظره انتظار الصابر الواثق بالرجوع.
وجلس على عتبة داره، مطرقا في سكينة عميقة، ثم أدرك أن في الحياة أشياء لا تحمل على ظهور الخيل، ولا تنال بوفرة المال، ولا يقوم مقامها شيء مهما حسنت به البدائل وازدان. وأيقن أن الوطن إذا غاب عن المرء لم يغب عنه مكان فقط، بل غاب عنه وجهه الذي يعرف به نفسه؛ فإذا عاد إليه، عاد إليه ذلك الوجه، وعاد معه السلام.
فتبسم، وقال في سره:
“ليس كل ما ينجي يبقي، ولا كل ما يرفع يكمل؛ فقد يحمل الجواد صاحبه إلى المجد، ولكنه لا يحمله دائما إلى قلبه.”





