samedi 18 avril 2026
مجتمع

أنور الشرقاوي: بين يد ترتعش .....وسماء تلون

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
أنور الشرقاوي: بين يد ترتعش .....وسماء تلون حي اليوسفية بالرباط

كانتا تمشيان ببطء، كأن الزمن نفسه لانَ تحت أقدامهما، وقرر أن لا يعجّل بهما الخطى.

ظلّان ملفوفان في جلابيب تقليدية، إحداهما أوهن جسدًا،
كأنها تميل شيئًا فشيئًا نحو ذاكرة تتلاشى، والأخرى أكثر تماسُكًا، يقِظة، تؤدي دور الدليل الصامت بخشوعٍ يكاد يُرى.

كانت الكبرى ترتجف. 
لا ارتجاف الفزع المفاجئ، بل رجفة خفيفة، متواصلة، عنيدة، كأنها صدى خفيّ يسكن الأعماق ولا يهدأ.
تعلّقت يدها بذراع الشابة بتشبّث يكاد يكون طفوليًا، بثقة كاملة، تلك الثقة التي لا يعرفها إلا من عبر دروبًا طويلة حتى لم يعد في قلبه متّسع للشك.

لم تتبادلا الكلام. لكن العيون كانت تقول ما يعجز عنه اللسان.
كان فيهما بريق خاص، مزيج من تعبٍ قديم ودهشة لا تزال حيّة، كلوحاتٍ عتيقة ينبثق فيها الضوء من العتمة دون أن ينكرها.

كأن كل خطوة كانت انتصارًا صغيرًا، وكل نفس توازنًا هشًّا بين ما يرحل وما يبقى.

وفجأة… توقفتا.
كان التوقف خفيفًا، بالكاد يُلحظ، لكنه مثقل بمعنى عميق، كأن قوة خفية قد شدّتهما إلى الأرض.

رفعتا وجهيهما ببطء، في حركة واحدة منسجمة، كأنهما نغمتان في لحنٍ واحد.
تبعتُ نظراتهما.

هناك، في الأعلى، معلّقة في الهواء كطيفٍ عابر، كانت شابة تعمل.
تقف على منصة رافعة متحركة، ترسم على واجهة بناية أنهكتها السنين، في حي اليوسفية بالرباط، حيث تتراكم الحيوات كما تتراكم الطوابق، وحيث تتشابه الأيام حتى تكاد تفقد ملامحها.

كانت حركتها واثقة، جريئة دون ضجيج.
وكانت الفرشاة ترسم خطوطًا من الألوان، كأنها ترفض استسلام الجدران للرماد، كأن كل ضربة لون احتجاجٌ هادئ على تعب العالم.

لم تكن ترى من ينظر إليها.
كانت غارقة في عملها، مسكونة بطاقة لا تمنحها الحياة إلا للشباب، حين يكون الحلم أقرب من الخوف.

في الأسفل، كانت المرأتان تنظران،
في عيونهما نظرة إعجاب وخوف على هذه الفتاة المعلقة بين السماء والارض.

كان هناك شيء آخر…
شيء يشبه الاعتراف الصامت.
كأنهما، في تلك الجدارية التي لم تكتمل بعد، تلمحان شيئًا منهما… امتدادًا ربما، أو وعدًا خفيًا لا يُقال.

اشتدّت اليد المرتجفة قليلًا على الذراع الحامية.
وأمالت الشابة رأسها برفق، دون أن تصرف نظرها، كأنها تريد أن تحفظ اللحظة كاملة، دون أن يفلت منها شيء.

وفي تلك اللحظة، الهشّة والعظيمة معًا، بدا أن كل شيء يلتقي:
ماضٍ يتداعى، حاضرٌ يسند، ومستقبل يرتفع هناك، في الأعلى، بضربات من لون، متحديًا الثقل والنسيان.

ظلّ الحيّ يتنفس من حولهما.
أما هما، فبقيتا واقفتين، تحدّقان…
كأنهما وجدتا، في هذا المشهد العابر، جوابًا لا تستطيع الكلمات أن تقوله. واكملا سيرهما إلى مسكنهم المتواضع.

 

                                      أنور الشرقاوي 
                                                          فاعل جمعوي 
 

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg