يُعد الرفض المدوي الذي أبداه مجلس المنافسة للزيادة الموحدة بنسبة 5% في أقساط التأمين الإجباري على السيارات منعطفاً تاريخياً. فهذا الرفض ليس مجرد مناوشة إدارية عابرة، بل هو تعرية لنظام قائم على «تنسيق هيكلي». لقد رفع هذا المنعطف المؤسساتي الستار عن حقيقة صادمة: فخلف خطاب «التحوط المالي»، تحمي شركات التأمين المغربية ريعاً متجاوزاً، وتتشبث بأرباح قياسية مع الرفض المستميت لتحديث نظام تسعير يستنزف المستهلك. إن استباحة «جيوب» أصحاب السيارات بزيادة عمياء كشفت جوهر هذا القطاع، الذي لم يعد يدير مخاطر، بل بات يجبي «ضريبة خاصة» ويراكم ريعاً على التنقل.
لقد أظهرت محاولة فرض زيادة موحّدة على الجميع، دون تمييز بين مستويات المخاطر الفردية، أن منطق التسعير لم يعد يقوم أساسًا على قياس الخطر كما تقتضيه قواعد المهنة، بل على تأمين توازنات مالية قطاعية في سوقٍ إلزامية بطبيعتها. وبذلك لم يعد التأمين الاجباري على السيارات مجرد آلية لتغطية المخاطر، بل تحوّلت تدريجيًا إلى مورد مالي شبه ثابت تُعاد هيكلته دوريًا عبر زيادات جماعية يتحمّل عبئها المؤمن لهم باعتبارهم قاعدة زبناء أسيرة بحكم القانون.
والحقيقة التي ينبغي التصريح بها دون مواربة هي أن هذه الزيادة لا تجد ما يسندها بالمنطق الرياضي للتأمين، بل إن منطق المنافسة الحقيقية - لو كان قائمًا فعلًا - كان يفترض أن يقود إلى نتيجة معاكسة تمامًا، أي إلى مراجعة الأقساط نحو الانخفاض، لا إلى رفعها.
تَسليع المخاطر: حين يتحول المُؤمِّن إلى "صندوق استثمار"
يحرص قطاع التأمين، منذ دخول القانون الجديد المتعلق بتعويض الأضرار الجسدية حيّز التنفيذ، على تقديم فرع التأمين على السيارات باعتباره يعيش وضعًا ماليًا ضاغطًا يبرّر مراجعة الأقساط نحو الارتفاع. غير أنّ أرقام سنة 2024 تُضعف هذا الخطاب بشكل واضح؛ إذ بلغت أقساط التأمين على السيارات نحو 14.8 مليار درهم، فيما بلغ الناتج التقني الصافي حوالي 3.1 مليار درهم، وهي مؤشرات ربحية يصعب التوفيق بينها وبين صورة الفرع «المتأزم». والأهم من ذلك أن مصدر هذه الربحية لم يعد قائمًا أساسًا على الكفاءة التأمينية، التي لم تتجاوز مساهمتها حوالي 600 مليون درهم، بقدر ما أصبح مرتبطًا بالعوائد المالية الناتجة عن توظيف السيولة المتراكمة، والتي قاربت 2.5 مليار درهم.
قد يقول قائل إن أرباح سنة 2024 كانت «استثنائية» وأن دخول القانون الجديد المتعلق بتعويض الأضرار الجسدية سيقود حتمًا إلى تآكل هذه الأرباح مستقبلًا. غير أن هذا الطرح يخلط بين معطيين مختلفين: مستوى الربحية الظرفي من جهة، وبنية نموذج الربح من جهة أخرى. فالمؤشرات المتراكمة خلال السنوات 10 الأخيرة تُظهر أن هوامش الربح التقني في تأمين السيارات ظلّت تتجاوز بانتظام عتبة 20% من الأقساط، وهو ما يدل على أن الربحية ليست حادثًا عابرًا مرتبطًا بسنة مالية واحدة، بل نتيجة هيكلية لنموذج تسعير مستقر ومريح. ثم إن جزءًا كبيرًا من هذه الأرباح لا يرتبط مباشرة بمستوى التعويضات، بل بالعوائد المالية الناتجة عن توظيف السيولة التأمينية، وهي عوائد لا تتأثر تلقائيًا بتعديل جداول التعويض بنفس الدرجة التي يُروَّج لها.
بل أكثر من ذلك، فإن تقديم القانون الجديد كعامل تهديد مباشر للتوازنات المالية يفترض ضمنًا أن القطاع كان يعمل سابقًا عند حدود الربحية الدنيا، وهو افتراض لا تدعمه الأرقام. ففي الأنظمة التأمينية الحديثة، تُعدّ مراجعة قواعد التعويض جزءًا طبيعيًا من تطور الإطار القانوني، ويُفترض أن تُقابل بتحسين أدوات التسعير، وتعزيز دقة تقسيم المخاطر، وتسريع الرقمنة، لا باللجوء السريع إلى زيادات موحّدة في سوق إلزامية. لذلك يبدو أن الحديث عن «خطر مستقبلي على الأرباح» لا يعكس خللا في التوازنات المالية بقدر ما يبرز محاولة استباقية للحفاظ على مستوى ربحية مرتفع اعتاده القطاع ليس إلا.
الغموض التسعيري: حين يصبح غياب الشفافية خيارًا لا عجزًا
يُثير استمرار الاعتماد على معايير تسعير تقليدية مثل القوة الجبائية، ونوع الوقود، وطبيعة الاستعمال الإداري تساؤلًا مشروعًا في سنة 2026 حول مدى مواكبة سوق التأمين على السيارات في المغرب للتحولات التي عرفتها صناعة التأمين عالميًا. ففي أغلب الأسواق المتقدمة، لم يعد تحديد القسط يقوم على مؤشرات إدارية عامة، بل على أدوات دقيقة مثل التتبع السلوكي والتقييم الديناميكي للمخاطر ونماذج التسعير الفردية القائمة على البيانات. أما في المغرب، فإن بطء إدماج هذه الأدوات لا يبدو مجرد تأخر تقني، بقدر ما يعكس استمرار نموذج تسعير جماعي يحافظ على متوسط قسط مرتفع ومريح ويحدّ من التمايز بين مستويات المخاطر الفردية.
ويترتب عن هذا الوضع الإبقاء على كتلة واسعة من المؤمن لهم داخل تعريفات شبه موحدة، بدل الانتقال إلى تسعير أكثر تخصيصًا وعدالة. فحين لا يُكافأ السلوك الحذر بما يكفي، ولا يُسعَّر السلوك عالي المخاطر بدقة، يصبح السعر أداة لتحقيق توازنات قطاعية عامة أكثر منه نتيجة مباشرة لقياس الخطر الفردي. وهنا لا يتعلق الأمر فقط بمستوى الأقساط، بل بطبيعة الآليات التي تُنتجها.
وفي العمق، تبدو إشكالية السوق المغربية أقرب إلى كونها إشكالية بنية إحصائية أكثر منها مسألة تعريفات في حد ذاتها. إذ ما تزال قاعدة البيانات المشتركة حول الحوادث محدودة الانفتاح، كما لا تتوافر مراجع منشورة دقيقة ومستمرة حول مؤشرات التكرار والخطورة، ولا توجد بعد منظومة متكاملة للتسعير السلوكي تسمح بإعادة تشكيل العلاقة بين الخطر والسعر على أسس فردية واضحة. ونتيجة لذلك، يظل التسعير في جزء معتبر منه قائمًا على متغيرات إدارية موروثة أكثر منه على نماذج تنبؤية حديثة.
ولا يقلل هذا التشخيص من أهمية الجهود التي بذلتها هيئة مراقبة التأمينات في تحديث إطار الملاءة المالية وفق المعايير الدولية، وهي خطوة مؤسساتية أساسية لتعزيز صلابة القطاع. غير أن التحدي الأكثر حساسية و الذي لم توفق فيه لحد الآن يظل مرتبطًا بتأسيس بنية إحصائية سوقية مشتركة ومتقدمة قادرة على دعم انتقال فعلي نحو تسعير قائم على المخاطر الفردية. ففي غياب هذه الأدوات، تبدو التعديلات التعريفية أقرب إلى آليات لضبط التوازن المالي العام للقطاع منها إلى نتائج مباشرة لقياس اكتواري دقيق، وهو وضع يجعل استقرار المنظومة يتقدم، مرة أخرى، على دقة السعر بالنسبة للمؤمن له.
الحقيقة المسكوت عنها: ريعٌ مقنن يقيّد هامش الإصلاح
بعيدًا عن الخطاب الرسمي الذي يركّز على متطلبات التوازن المالي للقطاع، تبرز حقيقة أكثر إزعاجا مفادها أن بطء تحديث نموذج التأمين في المغرب يضع سلطة الوصاية أمام معادلة صعبة. فرغم الصورة المؤسساتية المتماسكة التي يحاول أن يعكسها القطاع، يظل جزء كبير من توازنه المالي مرتبطًا بتأمين السيارات، الذي يوفّر أكثر من %70 من أرباحه الصافية. هذا الاعتماد الخطير يجعل أي تعديل ولو بسيط في آليات التسعير أو في مستويات الربحية المرتبطة بهذا الفرع مسألة حساسة، نظرًا لما قد يترتب عنه من آثار على التوازن العام للقطاع. وفي هذا السياق، يبدو أن خيار المحافظة على النموذج القائم يظل، في كثير من الأحيان، أقل كلفة مؤسساتية من إطلاق مسار إصلاحي واسع يتطلب استثمارات كبيرة وإعادة هيكلة فعلية لهوامش الربح وبنية التكاليف، لذا يُفضل «الاقتطاع المباشر» من جيب المؤمن لهم على إصلاح عميق لقطاع أثبت قوته الضاغطة رغم هشاشة نموذجه الاقتصادي.
غير أن الإشكال لا يتوقف عند حدود البنية الاقتصادية، بل يمتد إلى طريقة توزيع آثارها. فخلال فترات تحقيق عوائد مالية مهمة من توظيف السيولة المتأتية من الأقساط - والمرتبطة أساسا بطول فترات انتظار صرف التعويضات - تم توجيه هذه الأرباح إلى المساهمين في شكل ربحيات دسمة. وفي المقابل، كلما برزت متطلبات تنظيمية جديدة أو تعديلات في جداول التعويض، عاد النقاش سريعًا إلى ضرورة مراجعة الأقساط نحو الارتفاع. هذا التباين في توزيع الأعباء والمكاسب يعكس اختلالًا في توازن المخاطر بين مختلف أطراف المنظومة، حيث يتحمّل المؤمن له، في كثير من الحالات، الدور الحاسم في استيعاب آثار التعديلات عند حدوثها ويتم استدعاءه فوراً ليدفع الفاتورة.
الانغلاق المنظم: حين تحمي حواجز الدخول «الريع» على حساب الابتكار
جوهر الاختلال في سوق التأمين على السيارات لا يرتبط فقط بمستوى الأسعار أو بهوامش الربح، بل بطبيعة البنية التنافسية نفسها. فالسوق يبدو، عمليًا، محاطًا بحواجز دخول قوية تجعل ظهور نماذج جديدة أكثر كفاءة وأقل تكلفة أمرًا بالغ الصعوبة. تبدأ هذه الحواجز من مستوى الولوج التنظيمي، حيث تؤدي متطلبات الرسملة المرتفعة وتعقيد مساطر الاعتماد إلى تكريس موقع الفاعلين التاريخيين، في وقت تحتاج فيه السوق، نظريًا على الأقل، إلى دخول فاعلين رقميين قادرين على تخفيض التكاليف وتحسين جودة التسعير. ومن المفارقة أن هذه الشروط تُقدَّم دائمًا باعتبارها ضمانة للاستقرار، لكنها تؤدي في الواقع أيضًا وظيفة أقل إعلانًا: حماية التوازن القائم من أي منافسة مزعجة.
ولا يتوقف الإغلاق عند المستوى التنظيمي، بل يمتد إلى بنية التوزيع نفسها. فاستمرار الاعتماد شبه الكامل على شبكات الوسطاء والوكلاء يحافظ على نموذج تسويق ثقيل الكلفة، ويجعل الانتقال إلى البيع المباشر أو إلى قنوات رقمية واسعة النطاق انتقالًا بطيئًا ومحدودًا. واللافت أن هذا النموذج التقليدي ينسجم بطبيعته مع تسعير مبسّط قائم على مؤشرات عامة، لا مع نماذج خوارزمية دقيقة تتطلب بيانات تفصيلية وتفاعلًا رقميًا مباشرًا مع المؤمن لهم. وهكذا، يصبح الحفاظ على أدوات تسعير تقليدية ليس مجرد تأخر تقني، بل شرطًا ضمنيًا لاستمرار نموذج قائم منذ عقود - نموذج أثبت، لحسن حظه، قدرة لافتة على مقاومة الزمن أكثر مما أثبت قدرة مماثلة على مواكبة التحول الرقمي.
أما الحلقة الثالثة في هذا الإغلاق النسقي فتتجسد في عدم تكافؤ واضح في الولوج إلى البيانات. إذ تحتفظ الشركات القائمة بأرشيفها التاريخي حول الحوادث والخسائر باعتباره موردًا استراتيجيًا خاصًا، بدل أن يتحول إلى قاعدة معرفية سوقية مشتركة في احترام تام للمعطيات الشخصية، تدعم تطوير التسعير الفردي وتحسين شفافية المنافسة. وبهذا المعنى، تتحول البيانات - التي يفترض أن تكون محركًا للتحديث التسعيري - إلى جدار صامت يحمي الوضع القائم من أي دخول جديد. والنتيجة أن المستهلك يجد نفسه، مرة أخرى، داخل سوق جامدة وخاملة… إلى درجة أنها لم تعد تشعر بأي استعجال لأن تصبح أكثر عدالة أو أكثر ابتكارًا.
الزيادة الموحدة: استخلاص للأرباح في لبوس «التضامن»
تُقدَّم مراجعة جدول تعويض ضحايا حوادث السير اليوم كسبب كافٍ لتبرير زيادات مرتقبة في تعريفات التأمين، رغم أن دخول هذا الإصلاح حيّز التنفيذ ما يزال حديثًا جدًا بحيث لا يسمح - من الناحية الاحصائية الصارمة - ببناء نماذج تسعير دقيقة على أساس آثاره الفعلية. ومع ذلك، يبدو أن مجرد الإعلان عن الإصلاح كان كافيًا لإطلاق نقاش واسع حول ضرورة الرفع من الأقساط، بل ان بعض شركات التأمين شرعت بالفعل في رفع الأقساط. وهنا تبدأ المفارقة: بدل انتظار البيانات، تم تقديم الفاتورة مسبقا.
الأكثر دلالة أن الزيادة المقترحة تُطرح بصيغة موحدة تقريبًا، وهو ما يتناقض مع جوهر مهنة التأمين نفسها، التي تقوم نظريًا على التمييز بين مستويات المخاطر لا على تعميمها. فالزيادة غير المتمايزة تعني عمليًا أن السائق الحذر يشارك في تمويل كلفة السائق عالي المخاطر، وأن السلوك المسؤول يتحول - بهدوء شديد - إلى آلية تضامن غير معلن مع الاختلالات الهيكلية للنظام. ومن حسن حظ هذا النموذج أنه يحقق مساواة مثالية: الجميع يدفع، بغض النظر عمن تسبب في المشكلة أصلًا.
وعندما تُطبَّق زيادة عامة داخل سوق إلزامية مثل التأمين على السيارات، فإنها تفقد تدريجيًا طبيعتها الاحصائية لتقترب أكثر من كونها أداة تمويل استقرار قطاعي هش. ففي هذه الحالة، لا يبدو الهدف الأساسي إعادة تسعير الخطر بدقة، بقدر ما يبدو ضمان انتقال أي كلفة إضافية محتملة مباشرة إلى قاعدة واسعة من المؤمن لهم والذين لا يملكون - بحكم إلزامية التأمين - إمكانية حقيقية لتأجيل الدفع أو رفضه. وهكذا يتحول «الحق في القيادة» إلى اشتراك سنوي في توازنات القطاع، يُطلب أداؤه مسبقًا… تحسبًا لما قد يحدث لاحقًا.
هياكل «مترهلة» تحميها إجبارية التأمين
من بين أكثر المفارقات وضوحًا في سوق التأمين على السيارات ارتفاع تكاليف التسيير إلى ما يقارب 26% من حجم الأقساط، وهو مستوى يصعب تفسيره في سياق صناعة تعرف عالميًا تسارعًا قويًا في الرقمنة وتخفيضًا مستمرًا في تكاليف التشغيل. ففي بيئة تنافسية رقمية فعلية، كان من المفترض أن تؤدي الأتمتة، والبيع المباشر، ومنصات الخدمة الذاتية إلى تقليص هذه النسبة تدريجيًا. أما في السياق المحلي، فيبدو أن المؤمن له يواصل - بقدر كبير من الانضباط - تمويل استمرار شبكة توزيع تقليدية كثيفة، وهياكل تنظيمية ثقيلة، ونموذج تشغيلي يعود إلى زمن كانت فيه الوثيقة تُكتب بالقلم أكثر مما تُحسب بالخوارزمية.
وفي سوق اختيارية، غالبًا ما يؤدي هذا النوع من عدم الكفاءة التشغيلية إلى إعادة ترتيب مواقع الفاعلين، حيث تخرج النماذج الأعلى كلفة تدريجيًا لصالح نماذج أكثر رشاقة وابتكارًا. أما في سوق إلزامية مثل التأمين على المسؤولية المدنية للسيارات، فالأمر يسير بطريقة أكثر استقرارًا: لا تختفي الكلفة، بل تنتقل بسلاسة إلى جيب المؤمن له. وهكذا لا يُطلب من الشركات أن تصبح أقل كلفة، بقدر ما يُطلب من السائق أن يصبح أكثر قدرة على الاستيعاب - استيعاب الكلفة، واستيعاب التأخر في التحديث، وأحيانًا أيضًا استيعاب فكرة أن الرقمنة قد تصل يومًا ما… عندما تنتهي الأقساط أولًا من تمويل هياكل مترهلة.
الوصاية تحت التأثير: متلازمة الاستقرار بأي ثمن
ما تزال مواقف سلطة الوصاية مكبلة بعقدة الإفلاسات التي هزت القطاع في التسعينيات؛ هذا الرعب المزمن من عدم الاستقرار ولد عقيدة رقابية تضع منع انهيار أي فاعل على رأس أولوياتها، حتى لو كان الثمن هو التضحية بمصالح المؤمَّن لهم.
إن هذا الخيار أنتج أثراً عكسياً ومنظومياً مدمراً: حيث تم خنق المنافسة السعرية الحقيقية، وتعطيل التطور الاكتواري في تقسيم المخاطر، بل وصار يُنظر إلى «الرقمنة» كتهديد وجودي للفاعلين في القطاع.
خلاصة
إن التعريفة الحالية للتأمين الإجباري على السيارات بالمغرب ليست سعراً ناتجاً عن دراسة رياضية، بل هي «ميثاق عدم اعتداء» بين فاعلين يحتمون بوصاية ما تزال مسكونة بصدمة تاريخية مريرة. فبين تكاليف تسيير متضخمة «تلتهم 26% من رقم المعاملات» وهامش ربح تقني (يصل إلى 21%)، نكتشف أن قرابة نصف قسط التأمين الذي ندفعه لا علاقة له إطلاقاً بمخاطر الحوادث، بل هو ضريبة صامتة لتمويل العجز الابتكاري للقطاع. في سوق سليم، متحرر من شوائبه وكسله، من المفترض أن تنخفض أقساط السائقين المنضبطين إلى النصف.
تثبت التجارب الدولية أن النظام الإجباري لا يجب أن يتحول إلى «إقطاعية ريعية»؛ فلو استلهم المغرب نماذج الكفاءة - كالنموذج العام الكندي أو المنافسة المطلقة في بريطانيا - لتغير المشهد جذرياً. عندها، سيصبح القسط مرتبطاً بالسلوك الفعلي «عبر أنظمة التتبع وتاريخ الحوادث الشخصي» لا بالورقة رمادية وبإلغاء «ضريبة عدم الكفاءة» وهامش الريع المبالغ فيه، لن تتوقف الأقساط عن الارتفاع فحسب، بل يجب أن تنخفض فاتورة التأمين بالنسبة للسائق المغربي.
إن الإبقاء على المنظومة الحالية ليس ضرورة اقتصادية لضمان الاستقرار، بل هو خيار لتحصين تكتل مالي يقتات على غياب المنافسة الحقيقية. لقد توقف قطاع التأمين المغربي عن إنتاج الأمان ليتفرغ لإدارة «تبعية» المؤمن لهم كمجرد وعاء لتمويل عجزه الابتكاري. وطالما ظل تأمين السيارات «أصلاً مالياً مقنناً» بدلاً من خدمة تقنية، فستظل التعريفة نوعاً من «استخلاص هوامش ربح غير مبررة» من أموال المواطنين. لقد فتح مجلس المنافسة ثغرة في هذا الجدار؛ وحان الوقت لفرض تحرر حقيقي يعيد التأمين إلى جوهره كمهمة لإدارة المخاطر، لا ريعاً محمياً بقوة القانون.
د. نبيل عادل، أستاذ باحث في الاقتصاد والعلاقات الدولية وعضو المجلس الوطني للحركة الشعبية





