نبيل عادل: تأمين السيارات بالمغرب.. تشريح لـ "ريع" مقنن

نبيل عادل: تأمين السيارات بالمغرب.. تشريح لـ "ريع" مقنن نبيل عادل

يُعد‭ ‬الرفض‭ ‬المدوي‭ ‬الذي‭ ‬أبداه‭ ‬مجلس‭ ‬المنافسة‭ ‬للزيادة‭ ‬الموحدة‭ ‬بنسبة‭ ‬5%‭ ‬في‭ ‬أقساط‭ ‬التأمين‭ ‬الإجباري‭ ‬على‭ ‬السيارات‭ ‬منعطفاً‭ ‬تاريخياً‭. ‬فهذا‭ ‬الرفض‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مناوشة‭ ‬إدارية‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تعرية‭ ‬لنظام‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬«تنسيق‭ ‬هيكلي»‭. ‬لقد‭ ‬رفع‭ ‬هذا‭ ‬المنعطف‭ ‬المؤسساتي‭ ‬الستار‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬صادمة:‭ ‬فخلف‭ ‬خطاب‭ ‬«التحوط‭ ‬المالي»،‭ ‬تحمي‭ ‬شركات‭ ‬التأمين‭ ‬المغربية‭ ‬ريعاً‭ ‬متجاوزاً،‭ ‬وتتشبث‭ ‬بأرباح‭ ‬قياسية‭ ‬مع‭ ‬الرفض‭ ‬المستميت‭ ‬لتحديث‭ ‬نظام‭ ‬تسعير‭ ‬يستنزف‭ ‬المستهلك‭. ‬إن‭ ‬استباحة‭ ‬«جيوب»‭ ‬أصحاب‭ ‬السيارات‭ ‬بزيادة‭ ‬عمياء‭ ‬كشفت‭ ‬جوهر‭ ‬هذا‭ ‬القطاع،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يدير‭ ‬مخاطر،‭ ‬بل‭ ‬بات‭ ‬يجبي‭ ‬«ضريبة‭ ‬خاصة»‭ ‬ويراكم‭ ‬ريعاً‭ ‬على‭ ‬التنقل‭. ‬
لقد‭ ‬أظهرت‭ ‬محاولة‭ ‬فرض‭ ‬زيادة‭ ‬موحّدة‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬دون‭ ‬تمييز‭ ‬بين‭ ‬مستويات‭ ‬المخاطر‭ ‬الفردية،‭ ‬أن‭ ‬منطق‭ ‬التسعير‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يقوم‭ ‬أساسًا‭ ‬على‭ ‬قياس‭ ‬الخطر‭ ‬كما‭ ‬تقتضيه‭ ‬قواعد‭ ‬المهنة،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬تأمين‭ ‬توازنات‭ ‬مالية‭ ‬قطاعية‭ ‬في‭ ‬سوقٍ‭ ‬إلزامية‭ ‬بطبيعتها‭. ‬وبذلك‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬التأمين‭ ‬الاجباري‭ ‬على‭ ‬السيارات‭ ‬مجرد‭ ‬آلية‭ ‬لتغطية‭ ‬المخاطر،‭ ‬بل‭ ‬تحوّلت‭ ‬تدريجيًا‭ ‬إلى‭ ‬مورد‭ ‬مالي‭ ‬شبه‭ ‬ثابت‭ ‬تُعاد‭ ‬هيكلته‭ ‬دوريًا‭ ‬عبر‭ ‬زيادات‭ ‬جماعية‭ ‬يتحمّل‭ ‬عبئها‭ ‬المؤمن‭ ‬لهم‭ ‬باعتبارهم‭ ‬قاعدة‭ ‬زبناء‭ ‬أسيرة‭ ‬بحكم‭ ‬القانون‭.‬
والحقيقة‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬التصريح‭ ‬بها‭ ‬دون‭ ‬مواربة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الزيادة‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬ما‭ ‬يسندها‭ ‬بالمنطق‭ ‬الرياضي‭ ‬للتأمين،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬منطق‭ ‬المنافسة‭ ‬الحقيقية‭ ‬- لو‭ ‬كان‭ ‬قائمًا‭ ‬فعلًا - كان‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬معاكسة‭ ‬تمامًا،‭ ‬أي‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬الأقساط‭ ‬نحو‭ ‬الانخفاض،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬رفعها‭.‬

 

تَسليع‭ ‬المخاطر‭: ‬حين‭ ‬يتحول‭ ‬المُؤمِّن‭ ‬إلى‭ "‬صندوق‭ ‬استثمار‭"‬

يحرص‭ ‬قطاع‭ ‬التأمين،‭ ‬منذ‭ ‬دخول‭ ‬القانون‭ ‬الجديد‭ ‬المتعلق‭ ‬بتعويض‭ ‬الأضرار‭ ‬الجسدية‭ ‬حيّز‭ ‬التنفيذ،‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬فرع‭ ‬التأمين‭ ‬على‭ ‬السيارات‭ ‬باعتباره‭ ‬يعيش‭ ‬وضعًا‭ ‬ماليًا‭ ‬ضاغطًا‭ ‬يبرّر‭ ‬مراجعة‭ ‬الأقساط‭ ‬نحو‭ ‬الارتفاع‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬أرقام‭ ‬سنة‭ ‬2024‭ ‬تُضعف‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬بشكل‭ ‬واضح؛‭ ‬إذ‭ ‬بلغت‭ ‬أقساط‭ ‬التأمين‭ ‬على‭ ‬السيارات‭ ‬نحو‭ ‬14.8‭ ‬مليار‭ ‬درهم،‭ ‬فيما‭ ‬بلغ‭ ‬الناتج‭ ‬التقني‭ ‬الصافي‭ ‬حوالي‭ ‬3.1‭ ‬مليار‭ ‬درهم،‭ ‬وهي‭ ‬مؤشرات‭ ‬ربحية‭ ‬يصعب‭ ‬التوفيق‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬صورة‭ ‬الفرع‭ ‬«المتأزم»‭. ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬مصدر‭ ‬هذه‭ ‬الربحية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬قائمًا‭ ‬أساسًا‭ ‬على‭ ‬الكفاءة‭ ‬التأمينية،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬مساهمتها‭ ‬حوالي‭ ‬600‭ ‬مليون‭ ‬درهم،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬أصبح‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بالعوائد‭ ‬المالية‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬توظيف‭ ‬السيولة‭ ‬المتراكمة،‭ ‬والتي‭ ‬قاربت‭ ‬2.5‭ ‬مليار‭ ‬درهم‭.‬
قد‭ ‬يقول‭ ‬قائل‭ ‬إن‭ ‬أرباح‭ ‬سنة‭ ‬2024‭ ‬كانت‭ ‬«استثنائية»‭ ‬وأن‭ ‬دخول‭ ‬القانون‭ ‬الجديد‭ ‬المتعلق‭ ‬بتعويض‭ ‬الأضرار‭ ‬الجسدية‭ ‬سيقود‭ ‬حتمًا‭ ‬إلى‭ ‬تآكل‭ ‬هذه‭ ‬الأرباح‭ ‬مستقبلًا‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬يخلط‭ ‬بين‭ ‬معطيين‭ ‬مختلفين:‭ ‬مستوى‭ ‬الربحية‭ ‬الظرفي‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وبنية‭ ‬نموذج‭ ‬الربح‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬فالمؤشرات‭ ‬المتراكمة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬10‭ ‬الأخيرة‭ ‬تُظهر‭ ‬أن‭ ‬هوامش‭ ‬الربح‭ ‬التقني‭ ‬في‭ ‬تأمين‭ ‬السيارات‭ ‬ظلّت‭ ‬تتجاوز‭ ‬بانتظام‭ ‬عتبة‭ ‬20%‭ ‬من‭ ‬الأقساط،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الربحية‭ ‬ليست‭ ‬حادثًا‭ ‬عابرًا‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بسنة‭ ‬مالية‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬نتيجة‭ ‬هيكلية‭ ‬لنموذج‭ ‬تسعير‭ ‬مستقر‭ ‬ومريح‭. ‬ثم‭ ‬إن‭ ‬جزءًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأرباح‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬مباشرة‭ ‬بمستوى‭ ‬التعويضات،‭ ‬بل‭ ‬بالعوائد‭ ‬المالية‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬توظيف‭ ‬السيولة‭ ‬التأمينية،‭ ‬وهي‭ ‬عوائد‭ ‬لا‭ ‬تتأثر‭ ‬تلقائيًا‭ ‬بتعديل‭ ‬جداول‭ ‬التعويض‭ ‬بنفس‭ ‬الدرجة‭ ‬التي‭ ‬يُروَّج‭ ‬لها‭.‬
بل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬تقديم‭ ‬القانون‭ ‬الجديد‭ ‬كعامل‭ ‬تهديد‭ ‬مباشر‭ ‬للتوازنات‭ ‬المالية‭ ‬يفترض‭ ‬ضمنًا‭ ‬أن‭ ‬القطاع‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬سابقًا‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الربحية‭ ‬الدنيا،‭ ‬وهو‭ ‬افتراض‭ ‬لا‭ ‬تدعمه‭ ‬الأرقام‭. ‬ففي‭ ‬الأنظمة‭ ‬التأمينية‭ ‬الحديثة،‭ ‬تُعدّ‭ ‬مراجعة‭ ‬قواعد‭ ‬التعويض‭ ‬جزءًا‭ ‬طبيعيًا‭ ‬من‭ ‬تطور‭ ‬الإطار‭ ‬القانوني،‭ ‬ويُفترض‭ ‬أن‭ ‬تُقابل‭ ‬بتحسين‭ ‬أدوات‭ ‬التسعير،‭ ‬وتعزيز‭ ‬دقة‭ ‬تقسيم‭ ‬المخاطر،‭ ‬وتسريع‭ ‬الرقمنة،‭ ‬لا‭ ‬باللجوء‭ ‬السريع‭ ‬إلى‭ ‬زيادات‭ ‬موحّدة‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬إلزامية‭. ‬لذلك‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬«خطر‭ ‬مستقبلي‭ ‬على‭ ‬الأرباح»‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬خللا‭ ‬في‭ ‬التوازنات‭ ‬المالية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يبرز‭ ‬محاولة‭ ‬استباقية‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬ربحية‭ ‬مرتفع‭ ‬اعتاده‭ ‬القطاع‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭.‬

 

الغموض‭ ‬التسعيري‭: ‬حين‭ ‬يصبح‭ ‬غياب‭ ‬الشفافية‭ ‬خيارًا‭ ‬لا‭ ‬عجزًا

يُثير‭ ‬استمرار‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬معايير‭ ‬تسعير‭ ‬تقليدية‭ ‬مثل‭ ‬القوة‭ ‬الجبائية،‭ ‬ونوع‭ ‬الوقود،‭ ‬وطبيعة‭ ‬الاستعمال‭ ‬الإداري‭ ‬تساؤلًا‭ ‬مشروعًا‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬2026‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬مواكبة‭ ‬سوق‭ ‬التأمين‭ ‬على‭ ‬السيارات‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬للتحولات‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬صناعة‭ ‬التأمين‭ ‬عالميًا‭. ‬ففي‭ ‬أغلب‭ ‬الأسواق‭ ‬المتقدمة،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬تحديد‭ ‬القسط‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬مؤشرات‭ ‬إدارية‭ ‬عامة،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬أدوات‭ ‬دقيقة‭ ‬مثل‭ ‬التتبع‭ ‬السلوكي‭ ‬والتقييم‭ ‬الديناميكي‭ ‬للمخاطر‭ ‬ونماذج‭ ‬التسعير‭ ‬الفردية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬البيانات‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬فإن‭ ‬بطء‭ ‬إدماج‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬مجرد‭ ‬تأخر‭ ‬تقني،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬استمرار‭ ‬نموذج‭ ‬تسعير‭ ‬جماعي‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬متوسط‭ ‬قسط‭ ‬مرتفع‭ ‬ومريح‭ ‬ويحدّ‭ ‬من‭ ‬التمايز‭ ‬بين‭ ‬مستويات‭ ‬المخاطر‭ ‬الفردية‭.‬
ويترتب‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬كتلة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المؤمن‭ ‬لهم‭ ‬داخل‭ ‬تعريفات‭ ‬شبه‭ ‬موحدة،‭ ‬بدل‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬تسعير‭ ‬أكثر‭ ‬تخصيصًا‭ ‬وعدالة‭. ‬فحين‭ ‬لا‭ ‬يُكافأ‭ ‬السلوك‭ ‬الحذر‭ ‬بما‭ ‬يكفي،‭ ‬ولا‭ ‬يُسعَّر‭ ‬السلوك‭ ‬عالي‭ ‬المخاطر‭ ‬بدقة،‭ ‬يصبح‭ ‬السعر‭ ‬أداة‭ ‬لتحقيق‭ ‬توازنات‭ ‬قطاعية‭ ‬عامة‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬نتيجة‭ ‬مباشرة‭ ‬لقياس‭ ‬الخطر‭ ‬الفردي‭. ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬فقط‭ ‬بمستوى‭ ‬الأقساط،‭ ‬بل‭ ‬بطبيعة‭ ‬الآليات‭ ‬التي‭ ‬تُنتجها‭.‬
وفي‭ ‬العمق،‭ ‬تبدو‭ ‬إشكالية‭ ‬السوق‭ ‬المغربية‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬كونها‭ ‬إشكالية‭ ‬بنية‭ ‬إحصائية‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬مسألة‭ ‬تعريفات‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها‭. ‬إذ‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬قاعدة‭ ‬البيانات‭ ‬المشتركة‭ ‬حول‭ ‬الحوادث‭ ‬محدودة‭ ‬الانفتاح،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬تتوافر‭ ‬مراجع‭ ‬منشورة‭ ‬دقيقة‭ ‬ومستمرة‭ ‬حول‭ ‬مؤشرات‭ ‬التكرار‭ ‬والخطورة،‭ ‬ولا‭ ‬توجد‭ ‬بعد‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة للتسعير‭ ‬السلوكي‭ ‬تسمح‭ ‬بإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الخطر‭ ‬والسعر‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬فردية‭ ‬واضحة‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬يظل‭ ‬التسعير‭ ‬في‭ ‬جزء‭ ‬معتبر‭ ‬منه‭ ‬قائمًا‭ ‬على‭ ‬متغيرات‭ ‬إدارية‭ ‬موروثة‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬على‭ ‬نماذج‭ ‬تنبؤية‭ ‬حديثة‭.‬
ولا‭ ‬يقلل‭ ‬هذا‭ ‬التشخيص‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬الجهود‭ ‬التي‭ ‬بذلتها‭ ‬هيئة‭ ‬مراقبة‭ ‬التأمينات‭ ‬في‭ ‬تحديث‭ ‬إطار‭ ‬الملاءة‭ ‬المالية‭ ‬وفق‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية،‭ ‬وهي‭ ‬خطوة‭ ‬مؤسساتية‭ ‬أساسية‭ ‬لتعزيز‭ ‬صلابة‭ ‬القطاع‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التحدي‭ ‬الأكثر‭ ‬حساسية‭ ‬و‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬توفق‭ ‬فيه‭ ‬لحد‭ ‬الآن‭ ‬يظل‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بتأسيس‭ ‬بنية‭ ‬إحصائية‭ ‬سوقية‭ ‬مشتركة‭ ‬ومتقدمة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬انتقال‭ ‬فعلي‭ ‬نحو‭ ‬تسعير‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬المخاطر‭ ‬الفردية‭. ‬ففي‭ ‬غياب‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات،‭ ‬تبدو‭ ‬التعديلات‭ ‬التعريفية‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬آليات‭ ‬لضبط‭ ‬التوازن‭ ‬المالي‭ ‬العام‭ ‬للقطاع‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬مباشرة‭ ‬لقياس‭ ‬اكتواري‭ ‬دقيق،‭ ‬وهو‭ ‬وضع‭ ‬يجعل‭ ‬استقرار‭ ‬المنظومة‭ ‬يتقدم،‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬على‭ ‬دقة‭ ‬السعر‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمؤمن‭ ‬له‭.‬

 

الحقيقة‭ ‬المسكوت‭ ‬عنها‭: ‬ريعٌ‭ ‬مقنن‭ ‬يقيّد‭ ‬هامش‭ ‬الإصلاح

بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الخطاب‭ ‬الرسمي‭ ‬الذي‭ ‬يركّز‭ ‬على‭ ‬متطلبات‭ ‬التوازن‭ ‬المالي‭ ‬للقطاع،‭ ‬تبرز‭ ‬حقيقة‭ ‬أكثر‭ ‬إزعاجا‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬بطء‭ ‬تحديث‭ ‬نموذج‭ ‬التأمين‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬يضع‭ ‬سلطة‭ ‬الوصاية‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬صعبة‭. ‬فرغم‭ ‬الصورة‭ ‬المؤسساتية‭ ‬المتماسكة‭ ‬التي‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يعكسها‭ ‬القطاع،‭ ‬يظل‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬توازنه‭ ‬المالي‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بتأمين‭ ‬السيارات،‭ ‬الذي‭ ‬يوفّر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬%70‭ ‬من‭ ‬أرباحه‭ ‬الصافية‭. ‬هذا‭ ‬الاعتماد‭ ‬الخطير‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬تعديل‭ ‬ولو‭ ‬بسيط‭ ‬في‭ ‬آليات‭ ‬التسعير‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬الربحية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بهذا‭ ‬الفرع‭ ‬مسألة‭ ‬حساسة،‭ ‬نظرًا‭ ‬لما‭ ‬قد‭ ‬يترتب‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬العام‭ ‬للقطاع‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬خيار‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬النموذج‭ ‬القائم‭ ‬يظل،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬أقل‭ ‬كلفة‭ ‬مؤسساتية‭ ‬من‭ ‬إطلاق‭ ‬مسار‭ ‬إصلاحي‭ ‬واسع‭ ‬يتطلب‭ ‬استثمارات‭ ‬كبيرة‭ ‬وإعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬فعلية‭ ‬لهوامش‭ ‬الربح‭ ‬وبنية‭ ‬التكاليف،‭ ‬لذا‭ ‬يُفضل‭ ‬«الاقتطاع‭ ‬المباشر»‭ ‬من‭ ‬جيب‭ ‬المؤمن‭ ‬لهم‭ ‬على‭ ‬إصلاح‭ ‬عميق‭ ‬لقطاع‭ ‬أثبت‭ ‬قوته‭ ‬الضاغطة‭ ‬رغم‭ ‬هشاشة‭ ‬نموذجه‭ ‬الاقتصادي‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬الإشكال‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬البنية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬طريقة‭ ‬توزيع‭ ‬آثارها‭. ‬فخلال‭ ‬فترات‭ ‬تحقيق‭ ‬عوائد‭ ‬مالية‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬توظيف‭ ‬السيولة‭ ‬المتأتية‭ ‬من‭ ‬الأقساط‭ ‬-‭ ‬والمرتبطة‭ ‬أساسا‭ ‬بطول‭ ‬فترات‭ ‬انتظار‭ ‬صرف‭ ‬التعويضات‭ ‬-‭ ‬تم‭ ‬توجيه‭ ‬هذه‭ ‬الأرباح‭ ‬إلى‭ ‬المساهمين‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬ربحيات‭ ‬دسمة‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬كلما‭ ‬برزت‭ ‬متطلبات‭ ‬تنظيمية‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬تعديلات‭ ‬في‭ ‬جداول‭ ‬التعويض،‭ ‬عاد‭ ‬النقاش‭ ‬سريعًا‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬مراجعة‭ ‬الأقساط‭ ‬نحو‭ ‬الارتفاع‭. ‬هذا‭ ‬التباين‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬الأعباء‭ ‬والمكاسب‭ ‬يعكس‭ ‬اختلالًا‭ ‬في‭ ‬توازن‭ ‬المخاطر‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬أطراف‭ ‬المنظومة،‭ ‬حيث‭ ‬يتحمّل‭ ‬المؤمن‭ ‬له،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬الدور‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬استيعاب‭ ‬آثار‭ ‬التعديلات‭ ‬عند‭ ‬حدوثها‭ ‬ويتم‭ ‬استدعاءه‭ ‬فوراً‭ ‬ليدفع‭ ‬الفاتورة‭. ‬

 

الانغلاق‭ ‬المنظم‭: ‬حين‭ ‬تحمي‭ ‬حواجز‭ ‬الدخول‭ ‬‮«‬الريع‮»‬‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الابتكار

جوهر‭ ‬الاختلال‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬التأمين‭ ‬على‭ ‬السيارات‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بمستوى‭ ‬الأسعار‭ ‬أو‭ ‬بهوامش‭ ‬الربح،‭ ‬بل‭ ‬بطبيعة‭ ‬البنية‭ ‬التنافسية‭ ‬نفسها‭. ‬فالسوق‭ ‬يبدو،‭ ‬عمليًا،‭ ‬محاطًا‭ ‬بحواجز‭ ‬دخول‭ ‬قوية‭ ‬تجعل‭ ‬ظهور‭ ‬نماذج‭ ‬جديدة‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬وأقل‭ ‬تكلفة‭ ‬أمرًا‭ ‬بالغ‭ ‬الصعوبة‭. ‬تبدأ‭ ‬هذه‭ ‬الحواجز‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬الولوج‭ ‬التنظيمي،‭ ‬حيث‭ ‬تؤدي‭ ‬متطلبات‭ ‬الرسملة‭ ‬المرتفعة‭ ‬وتعقيد‭ ‬مساطر‭ ‬الاعتماد‭ ‬إلى‭ ‬تكريس‭ ‬موقع‭ ‬الفاعلين‭ ‬التاريخيين،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تحتاج‭ ‬فيه‭ ‬السوق،‭ ‬نظريًا‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬إلى‭ ‬دخول‭ ‬فاعلين‭ ‬رقميين‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬تخفيض‭ ‬التكاليف‭ ‬وتحسين‭ ‬جودة‭ ‬التسعير‭. ‬ومن‭ ‬المفارقة‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الشروط‭ ‬تُقدَّم‭ ‬دائمًا‭ ‬باعتبارها‭ ‬ضمانة‭ ‬للاستقرار،‭ ‬لكنها‭ ‬تؤدي‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬أيضًا‭ ‬وظيفة‭ ‬أقل‭ ‬إعلانًا:‭ ‬حماية‭ ‬التوازن‭ ‬القائم‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬منافسة‭ ‬مزعجة‭.‬
ولا‭ ‬يتوقف‭ ‬الإغلاق‭ ‬عند‭ ‬المستوى‭ ‬التنظيمي،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬التوزيع‭ ‬نفسها‭. ‬فاستمرار‭ ‬الاعتماد‭ ‬شبه‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬شبكات‭ ‬الوسطاء‭ ‬والوكلاء‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬نموذج‭ ‬تسويق‭ ‬ثقيل‭ ‬الكلفة،‭ ‬ويجعل‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬البيع‭ ‬المباشر‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬قنوات‭ ‬رقمية‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬انتقالًا‭ ‬بطيئًا‭ ‬ومحدودًا‭. ‬واللافت‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬التقليدي‭ ‬ينسجم‭ ‬بطبيعته‭ ‬مع‭ ‬تسعير‭ ‬مبسّط‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬مؤشرات‭ ‬عامة،‭ ‬لا‭ ‬مع‭ ‬نماذج‭ ‬خوارزمية‭ ‬دقيقة‭ ‬تتطلب‭ ‬بيانات‭ ‬تفصيلية‭ ‬وتفاعلًا‭ ‬رقميًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬مع‭ ‬المؤمن‭ ‬لهم‭. ‬وهكذا،‭ ‬يصبح‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬أدوات‭ ‬تسعير‭ ‬تقليدية‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬تأخر‭ ‬تقني،‭ ‬بل‭ ‬شرطًا‭ ‬ضمنيًا‭ ‬لاستمرار‭ ‬نموذج‭ ‬قائم‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬-‭ ‬نموذج‭ ‬أثبت،‭ ‬لحسن‭ ‬حظه،‭ ‬قدرة‭ ‬لافتة‭ ‬على‭ ‬مقاومة‭ ‬الزمن‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬أثبت‭ ‬قدرة‭ ‬مماثلة‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭.‬
أما‭ ‬الحلقة‭ ‬الثالثة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإغلاق‭ ‬النسقي‭ ‬فتتجسد‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬تكافؤ‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬البيانات‭. ‬إذ‭ ‬تحتفظ‭ ‬الشركات‭ ‬القائمة‭ ‬بأرشيفها‭ ‬التاريخي‭ ‬حول‭ ‬الحوادث‭ ‬والخسائر‭ ‬باعتباره‭ ‬موردًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬خاصًا،‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬قاعدة‭ ‬معرفية‭ ‬سوقية‭ ‬مشتركة‭ ‬في‭ ‬احترام‭ ‬تام‭ ‬للمعطيات‭ ‬الشخصية،‭ ‬تدعم‭ ‬تطوير‭ ‬التسعير‭ ‬الفردي‭ ‬وتحسين‭ ‬شفافية‭ ‬المنافسة‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬تتحول‭ ‬البيانات‭ ‬-‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬محركًا‭ ‬للتحديث‭ ‬التسعيري‭ ‬-‭ ‬إلى‭ ‬جدار‭ ‬صامت‭ ‬يحمي‭ ‬الوضع‭ ‬القائم‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬دخول‭ ‬جديد‭. ‬والنتيجة‭ ‬أن‭ ‬المستهلك‭ ‬يجد‭ ‬نفسه،‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬داخل‭ ‬سوق‭ ‬جامدة‭ ‬وخاملة…‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تشعر‭ ‬بأي‭ ‬استعجال‭ ‬لأن‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬عدالة‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬ابتكارًا‭.‬

 

الزيادة‭ ‬الموحدة‭: ‬استخلاص‭ ‬للأرباح‭ ‬في‭ ‬لبوس‭ ‬‮«‬التضامن‮»‬

تُقدَّم‭ ‬مراجعة‭ ‬جدول‭ ‬تعويض‭ ‬ضحايا‭ ‬حوادث‭ ‬السير‭ ‬اليوم‭ ‬كسبب‭ ‬كافٍ‭ ‬لتبرير‭ ‬زيادات‭ ‬مرتقبة‭ ‬في‭ ‬تعريفات‭ ‬التأمين،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬دخول‭ ‬هذا‭ ‬الإصلاح‭ ‬حيّز‭ ‬التنفيذ‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬حديثًا‭ ‬جدًا‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬-‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الاحصائية‭ ‬الصارمة‭ ‬-‭ ‬ببناء‭ ‬نماذج‭ ‬تسعير‭ ‬دقيقة‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬آثاره‭ ‬الفعلية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬مجرد‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬الإصلاح‭ ‬كان‭ ‬كافيًا‭ ‬لإطلاق‭ ‬نقاش‭ ‬واسع‭ ‬حول‭ ‬ضرورة‭ ‬الرفع‭ ‬من‭ ‬الأقساط،‭ ‬بل‭ ‬ان‭ ‬بعض‭ ‬شركات‭ ‬التأمين‭ ‬شرعت‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬الأقساط‭. ‬وهنا‭ ‬تبدأ‭ ‬المفارقة:‭ ‬بدل‭ ‬انتظار‭ ‬البيانات،‭ ‬تم‭ ‬تقديم‭ ‬الفاتورة‭ ‬مسبقا‭.‬
الأكثر‭ ‬دلالة‭ ‬أن‭ ‬الزيادة‭ ‬المقترحة‭ ‬تُطرح‭ ‬بصيغة‭ ‬موحدة‭ ‬تقريبًا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتناقض‭ ‬مع‭ ‬جوهر‭ ‬مهنة‭ ‬التأمين‭ ‬نفسها،‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬نظريًا‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬مستويات‭ ‬المخاطر‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬تعميمها‭. ‬فالزيادة‭ ‬غير‭ ‬المتمايزة‭ ‬تعني‭ ‬عمليًا‭ ‬أن‭ ‬السائق‭ ‬الحذر‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬تمويل‭ ‬كلفة‭ ‬السائق‭ ‬عالي‭ ‬المخاطر،‭ ‬وأن‭ ‬السلوك‭ ‬المسؤول‭ ‬يتحول‭ ‬-‭ ‬بهدوء‭ ‬شديد‭ ‬-‭ ‬إلى‭ ‬آلية‭ ‬تضامن‭ ‬غير‭ ‬معلن‭ ‬مع‭ ‬الاختلالات‭ ‬الهيكلية‭ ‬للنظام‭. ‬ومن‭ ‬حسن‭ ‬حظ‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬أنه‭ ‬يحقق‭ ‬مساواة‭ ‬مثالية:‭ ‬الجميع‭ ‬يدفع،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عمن‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬المشكلة‭ ‬أصلًا‭.‬
وعندما‭ ‬تُطبَّق‭ ‬زيادة‭ ‬عامة‭ ‬داخل‭ ‬سوق‭ ‬إلزامية‭ ‬مثل‭ ‬التأمين‭ ‬على‭ ‬السيارات،‭ ‬فإنها‭ ‬تفقد‭ ‬تدريجيًا‭ ‬طبيعتها‭ ‬الاحصائية‭ ‬لتقترب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬أداة‭ ‬تمويل‭ ‬استقرار‭ ‬قطاعي‭ ‬هش‭. ‬ففي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬الهدف‭ ‬الأساسي‭ ‬إعادة‭ ‬تسعير‭ ‬الخطر‭ ‬بدقة،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬ضمان‭ ‬انتقال‭ ‬أي‭ ‬كلفة‭ ‬إضافية‭ ‬محتملة‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬قاعدة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المؤمن‭ ‬لهم‭ ‬والذين‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬-‭ ‬بحكم‭ ‬إلزامية‭ ‬التأمين‭ ‬-‭ ‬إمكانية‭ ‬حقيقية‭ ‬لتأجيل‭ ‬الدفع‭ ‬أو‭ ‬رفضه‭. ‬وهكذا‭ ‬يتحول‭ ‬«الحق‭ ‬في‭ ‬القيادة»‭ ‬إلى‭ ‬اشتراك‭ ‬سنوي‭ ‬في‭ ‬توازنات‭ ‬القطاع،‭ ‬يُطلب‭ ‬أداؤه‭ ‬مسبقًا…‭ ‬تحسبًا‭ ‬لما‭ ‬قد‭ ‬يحدث‭ ‬لاحقًا‭.‬
 

هياكل‭ ‬«مترهلة»‭ ‬تحميها‭ ‬إجبارية‭ ‬التأمين
من‭ ‬بين‭ ‬أكثر‭ ‬المفارقات‭ ‬وضوحًا‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬التأمين‭ ‬على‭ ‬السيارات‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬التسيير‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬26%‭ ‬من‭ ‬حجم‭ ‬الأقساط،‭ ‬وهو‭ ‬مستوى‭ ‬يصعب‭ ‬تفسيره‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬صناعة‭ ‬تعرف‭ ‬عالميًا‭ ‬تسارعًا‭ ‬قويًا‭ ‬في‭ ‬الرقمنة‭ ‬وتخفيضًا‭ ‬مستمرًا‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬التشغيل‭. ‬ففي‭ ‬بيئة‭ ‬تنافسية‭ ‬رقمية‭ ‬فعلية،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬الأتمتة،‭ ‬والبيع‭ ‬المباشر،‭ ‬ومنصات‭ ‬الخدمة‭ ‬الذاتية‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬هذه‭ ‬النسبة‭ ‬تدريجيًا‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬المحلي،‭ ‬فيبدو‭ ‬أن‭ ‬المؤمن‭ ‬له‭ ‬يواصل‭ ‬-‭ ‬بقدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الانضباط‭ ‬-‭ ‬تمويل‭ ‬استمرار‭ ‬شبكة‭ ‬توزيع‭ ‬تقليدية‭ ‬كثيفة،‭ ‬وهياكل‭ ‬تنظيمية‭ ‬ثقيلة،‭ ‬ونموذج‭ ‬تشغيلي‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬الوثيقة‭ ‬تُكتب‭ ‬بالقلم‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تُحسب‭ ‬بالخوارزمية‭.‬
وفي‭ ‬سوق‭ ‬اختيارية،‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الكفاءة‭ ‬التشغيلية‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬مواقع‭ ‬الفاعلين،‭ ‬حيث‭ ‬تخرج‭ ‬النماذج‭ ‬الأعلى‭ ‬كلفة‭ ‬تدريجيًا‭ ‬لصالح‭ ‬نماذج‭ ‬أكثر‭ ‬رشاقة‭ ‬وابتكارًا‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬إلزامية‭ ‬مثل‭ ‬التأمين‭ ‬على‭ ‬المسؤولية‭ ‬المدنية‭ ‬للسيارات،‭ ‬فالأمر‭ ‬يسير‭ ‬بطريقة‭ ‬أكثر‭ ‬استقرارًا:‭ ‬لا‭ ‬تختفي‭ ‬الكلفة،‭ ‬بل‭ ‬تنتقل‭ ‬بسلاسة‭ ‬إلى‭ ‬جيب‭ ‬المؤمن‭ ‬له‭. ‬وهكذا‭ ‬لا‭ ‬يُطلب‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬أقل‭ ‬كلفة،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يُطلب‭ ‬من‭ ‬السائق‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الاستيعاب‭ ‬-‭ ‬استيعاب‭ ‬الكلفة،‭ ‬واستيعاب‭ ‬التأخر‭ ‬في‭ ‬التحديث،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬أيضًا‭ ‬استيعاب‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬الرقمنة‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬يومًا‭ ‬ما…‭ ‬عندما‭ ‬تنتهي‭ ‬الأقساط‭ ‬أولًا‭ ‬من‭ ‬تمويل‭ ‬هياكل‭ ‬مترهلة‭.‬

 

الوصاية‭ ‬تحت‭ ‬التأثير‭: ‬متلازمة‭ ‬الاستقرار‭ ‬بأي‭ ‬ثمن

ما‭ ‬تزال‭ ‬مواقف‭ ‬سلطة‭ ‬الوصاية‭ ‬مكبلة‭ ‬بعقدة‭ ‬الإفلاسات‭ ‬التي‭ ‬هزت‭ ‬القطاع‭ ‬في‭ ‬التسعينيات؛‭ ‬هذا‭ ‬الرعب‭ ‬المزمن‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬ولد‭ ‬عقيدة‭ ‬رقابية‭ ‬تضع‭ ‬منع‭ ‬انهيار‭ ‬أي‭ ‬فاعل‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬أولوياتها،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الثمن‭ ‬هو‭ ‬التضحية‭ ‬بمصالح‭ ‬المؤمَّن‭ ‬لهم‭. ‬
إن‭ ‬هذا‭ ‬الخيار‭ ‬أنتج‭ ‬أثراً‭ ‬عكسياً‭ ‬ومنظومياً‭ ‬مدمراً:‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬خنق‭ ‬المنافسة‭ ‬السعرية‭ ‬الحقيقية،‭ ‬وتعطيل‭ ‬التطور‭ ‬الاكتواري‭ ‬في‭ ‬تقسيم‭ ‬المخاطر،‭ ‬بل‭ ‬وصار‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬«الرقمنة»‭ ‬كتهديد‭ ‬وجودي‭ ‬للفاعلين‭ ‬في‭ ‬القطاع‭. ‬

 

خلاصة

إن‭ ‬التعريفة‭ ‬الحالية‭ ‬للتأمين‭ ‬الإجباري‭ ‬على‭ ‬السيارات‭ ‬بالمغرب‭ ‬ليست‭ ‬سعراً‭ ‬ناتجاً‭ ‬عن‭ ‬دراسة‭ ‬رياضية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬«ميثاق‭ ‬عدم‭ ‬اعتداء»‭ ‬بين‭ ‬فاعلين‭ ‬يحتمون‭ ‬بوصاية‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬مسكونة‭ ‬بصدمة‭ ‬تاريخية‭ ‬مريرة‭. ‬فبين‭ ‬تكاليف‭ ‬تسيير‭ ‬متضخمة‭ ‬«تلتهم‭ ‬26%‭ ‬من‭ ‬رقم‭ ‬المعاملات»‭ ‬وهامش‭ ‬ربح‭ ‬تقني‭ ‬(يصل‭ ‬إلى‭ ‬21%)،‭ ‬نكتشف‭ ‬أن‭ ‬قرابة‭ ‬نصف‭ ‬قسط‭ ‬التأمين‭ ‬الذي‭ ‬ندفعه‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬إطلاقاً‭ ‬بمخاطر‭ ‬الحوادث،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ضريبة‭ ‬صامتة‭ ‬لتمويل‭ ‬العجز‭ ‬الابتكاري‭ ‬للقطاع‭. ‬في‭ ‬سوق‭ ‬سليم،‭ ‬متحرر‭ ‬من‭ ‬شوائبه‭ ‬وكسله،‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬تنخفض‭ ‬أقساط‭ ‬السائقين‭ ‬المنضبطين‭ ‬إلى‭ ‬النصف‭.‬
تثبت‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الإجباري‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬«إقطاعية‭ ‬ريعية»؛‭ ‬فلو‭ ‬استلهم‭ ‬المغرب‭ ‬نماذج‭ ‬الكفاءة‭ ‬-‭ ‬كالنموذج‭ ‬العام‭ ‬الكندي‭ ‬أو‭ ‬المنافسة‭ ‬المطلقة‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬-‭  ‬لتغير‭ ‬المشهد‭ ‬جذرياً‭. ‬عندها،‭ ‬سيصبح‭ ‬القسط‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بالسلوك‭ ‬الفعلي‭ ‬«عبر‭ ‬أنظمة‭ ‬التتبع‭ ‬وتاريخ‭ ‬الحوادث‭ ‬الشخصي»‭ ‬لا‭ ‬بالورقة‭ ‬رمادية‭ ‬وبإلغاء‭ ‬«ضريبة‭ ‬عدم‭ ‬الكفاءة»‭ ‬وهامش‭ ‬الريع‭ ‬المبالغ‭ ‬فيه،‭ ‬لن‭ ‬تتوقف‭ ‬الأقساط‭ ‬عن‭ ‬الارتفاع‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تنخفض‭ ‬فاتورة‭ ‬التأمين‭ ‬بالنسبة‭ ‬للسائق‭ ‬المغربي‭.‬
إن‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬المنظومة‭ ‬الحالية‭ ‬ليس‭ ‬ضرورة‭ ‬اقتصادية‭ ‬لضمان‭ ‬الاستقرار،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬خيار‭ ‬لتحصين‭ ‬تكتل‭ ‬مالي‭ ‬يقتات‭ ‬على‭ ‬غياب‭ ‬المنافسة‭ ‬الحقيقية‭. ‬لقد‭ ‬توقف‭ ‬قطاع‭ ‬التأمين‭ ‬المغربي‭ ‬عن‭ ‬إنتاج‭ ‬الأمان‭ ‬ليتفرغ‭ ‬لإدارة‭ ‬«تبعية»‭ ‬المؤمن‭ ‬لهم‭ ‬كمجرد‭ ‬وعاء‭ ‬لتمويل‭ ‬عجزه‭ ‬الابتكاري‭. ‬وطالما‭ ‬ظل‭ ‬تأمين‭ ‬السيارات‭ ‬«أصلاً‭ ‬مالياً‭ ‬مقنناً»‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬خدمة‭ ‬تقنية،‭ ‬فستظل‭ ‬التعريفة‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬«استخلاص‭ ‬هوامش‭ ‬ربح‭ ‬غير‭ ‬مبررة»‭ ‬من‭ ‬أموال‭ ‬المواطنين‭. ‬لقد‭ ‬فتح‭ ‬مجلس‭ ‬المنافسة‭ ‬ثغرة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجدار؛‭ ‬وحان‭ ‬الوقت‭ ‬لفرض‭ ‬تحرر‭ ‬حقيقي‭ ‬يعيد‭ ‬التأمين‭ ‬إلى‭ ‬جوهره‭ ‬كمهمة‭ ‬لإدارة‭ ‬المخاطر،‭ ‬لا‭ ‬ريعاً‭ ‬محمياً‭ ‬بقوة‭ ‬القانون‭.‬

د. نبيل عادل، أستاذ باحث في الاقتصاد والعلاقات الدولية وعضو المجلس الوطني للحركة الشعبية