في حوار مع الكاتب والمناضل اليساري عبد الصادقي بومدين، ينفي انقراض اليسار المغربي معتبرا إياه حساسية فكرية وسياسية موجودة رغم ضعفه العالمي والمحلي الناتج عن التشتت والانشقاقات التاريخية.
معتبرا أن الوحدة لم تتحقق أبدا بسبب التعالي والرفض للحوار، وأن الوحدة التنظيمية أو الميدانية أداة أساسية للتأثير رغم بعدها اليوم..
هل انقرض اليسار بالمغرب؟
يصعب وصف واقع اليسار بالانقراض، فالانقراض يشير إلى الانتهاء تماما والانتماء للماضي، والحال أن اليسار، بأطيافه المختلفة، موجود كحساسية فكرية وإيديولوجية وسياسية في الواقع المغربي...
اليسار لا يعني بالضرورة أحزابا أو منظمات، إنه توجه وقناعات ومقاربات توجد طبعا في المنظمات السياسية لكن أيضا في فضاءات آخرى غير سياسية، وكذلك لدى أفراد مستقلين عن أي تنظيم أو فعل سياسي أو مدني...
بهذا المعنى لا يمكن الحديث عن انقراض، ربما يمكن الحديث عن ضعف وخفوت أو محدودية التأثير.. لكن هذا ليس سمة مغربية خالصة، بل إشكالية يعيشها اليسار على المستوى العالمي في الوقت الراهن..
هل ما زال المغرب بحاجة ماسة إلى يسار يوازن بين الدولة والمجتمع في ظل هيمنة النيوليبرالية المتوحشة؟
أولا أتحفظ من تعبير هيمنة النيوليبرالية المتوحشة بالمغرب..
أظن أن هناك فعلا هيمنة للنيولبرالية ليس فقط في المغرب بل على المستوى العالمي.. لكن صفة التوحش هذه لا أستسيغها من جهة، ومن جهة أخرى فالمغرب يحافظ، رغم كل ما يقال، على جانب من تدخل الدولة في الاقتصاد وفي الحياة الاجتماعية (الدولة أكبر مستثمر في المغرب) مع وجود مؤسسات اقتصادية ومالية في ملك أو تحت إشراف الدولة.. وللمغرب قوانين تمكن الدولة من التدخل لضبط الأسعار مثلا أو للتخفيف من التضخم (يتعين فقط تفعيلها)، ووجود خدمات اجتماعية تضمنها الدولة (جودتها وشموليتها موضوع آخر لكنها موجودة).. كل ذلك لا يتوفر في بلد تهيمن عليه فعلا الليبرالية المتوحشة التي تعني السوق الحرة بالمطلق، ورفع الدولة يدها بالكامل عن الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية الأخرى، والدولة هي مجرد منظم ومنسق وليست فاعلا كما هو الحال في المغرب..
الحاجة إلى اليسار للحفاظ على التوازن، ليس بين الدولة والمجتمع فقد يحدث أن يصبح اليسار جزءا من الدولة، وبالتالي هو نفسه بحاجة الى وساطات مع المجتمع. لدينا في المغرب تصور ميتافزيقي عن الدولة، كان الدوله كائن فوق المجتمع ومعزول تماما.. والحال أن الدولة ليست هي رئاسة الدولة بل مجموع مؤسسات، حكومة، برلمان، مؤسسات دستورية إلخ… والأحزاب اليسارية كما غيرها يحدث أن تكون موجودة في كل هذه المستويات من الدولة.. كما أن اليسار منبثق من المجتمع وموجود في المجتمع.
إذن الصحيح، في نظري، هو دور اليسار في خلق أو حماية التوازن بين طموح الرأسمال في الربح الكثير والهيمنة المطلقة على الاقتصاد والمجتمع وبين حاجيات المجتمع والحق في التوزيع العادل للثروة…
وما يعنيه ذلك من حماية لحقوق العمال والشغيلة عموما والدفاع عنها وتوسيعها، حماية الخدمات الاجتماعية العمومية وتوسيعها، مما يفرض انتزاع حقوق ومكاسب بصفة مستمرة.. وهذا ما يخلق التوازن وهو في نهاية المطاف لصالح الرأسمال نفسه الذي لا يمكن أن يتوسع إلا في ظل الاستقرار في المجتمع وفي السياسة.. وأظن أن هذا كان هو الدور الأساس لليسار على المستوى الدولي منذ عقود كثيرة، فبفضل نضال اليسار تحققت مطالب ومكتسبات للشغيلة كما للمجتمع وتوسع الاستهلاك الذي يليه توسع الانتاج والمقاولات.. علاوة على خلق الاستقرار، ولو نسبيا، يساعد على التطور والنمو…
من هذا المنطلق فإن وجود يسار قوي وفاعل ومؤثر أساسي للتوازن في الاقتصاد والمجتمع والسياسة.
مع تفككه الداخلي هل يمتلك اليسار اليوم القدرة على بناء هذا التوازن؟
أتحفظ على كلمة تفكك، فالتفكك يحدث لشيء موحد واليسار في المغرب لم يكن أبدا في تاريخه موحدا، إنه مشتت منذ البداية وبالتالي فهو لم يتفكك بل تشتت..
اليسار، بالمعنى الذي تحدثت عنه أعلاه أي غير منحصر في تنظيمات سياسية بعينها بل كتيار في المجتمع (منظمات سياسية، نقابات، جمعيات، مثقفون، أفراد مستقلون إلخ..) يمتلك دائما هذه القدرة وهي معنى وجدوى وجوده، السؤال يبقى في مدى هذه القدرة ومدى فعاليتها، ونسبة التأثير والفعالية.. فيسار موحد يكون قويا وتأثيره أكثر والعكس صحيح..
ما هي أدوات اليسار الحالي وإمكانياته للعب دور فعال في تشكيل المشهد السياسي؟
الأداة الأساسية هي وحدته، ليس بالمعنى التنظيمي بالضرورة، بل أيضا بمعنى وحدة المواقف ووحدة العمل الميداني، وإن فقط على مستوى ملفات وقضايا محددة لا يمكن لأي تنظيم كسب معركة فيها أو انتزاع مكاسب بالعمل بمفرده.. وتبقى الوحدة التنظيمية التي لا تعني بالضرورة الاندماج هي الشكل الأرقى والأنجع. والوحدة التنظيمية قد تكون عبارة عن جبهة او أي إطار آخر يمتلك برنامجا سياسيا مرحليا موحدا وأهدافا مرحلية محددة وأشكالا من العمل موحدة.. على غرار الكتلة الديمقراطية مثلا، وإن كانت الكتلة لم تكن إطارا يساريا لتواجد حزب الاستقلال ضمن مكوناتها.. أقصد الإطار وليس التجربة بعينها.
منذ الاستقلال سعى اليسار إلى الوحدة بين فصائله عبر محطات تاريخية، فلماذا يبدو هذا الطموح بعيدا اليوم؟
لا أظن أنه كان هناك سعي حقيقي وجدي الى الوحدة بين فصائل اليسار، لا نملك من معطيات التاريخ سوى سعي الحزب الشيوعي المغربي (سلف حزب التقدم والاشتراكية) في الستينات من القرن الماضي ودعوته إلى وحدة اليسار بل والتعبير عن استعداده لحل نفسه لتأسيس حزب يساري واحد، لكن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (سلف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) الذي كانت توجه له نداءات الوحدة كان يرفضها ويقدم نفسه على أنه هو حزب اليسار وحزب القوات الشعبية ومن يرغب في وحدة اليسار عليه الالتحاق بصفوفه فقط.. طبعا ما كان لمثل هذه المقاربة المتعالية أن تقود إلى وحدة اليسار، لأن الموضوع أكبر من مجرد انخراط في حزب قائم بل بإعادة تشكيل وإعادة صياغة المقاربات والبرامج وأشكال العمل.. وهذا يتطلب نقاشا وحوارا ومسلسلا سياسيا وتنظيميا لم يكن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية مستعدا له آنذاك... كما بقيت نداءات حزب التقدم والاشتراكية منذ سنة 1975 لتشكيل جبهة وطنية تقدمية بدون أي تفاعل إيجابي من فصائل يسارية أخرى..
أما تجربة الكتلة الديمقراطية فلم تكن إطارا يساريا بل كانت تضم أيضا حزب الاستقلال الذي ليس حزبا يساريا كما هو معلوم..
العكس هو الذي حصل منذ أواسط الستينات من القرن الماضي، أي التشتت عوض الوحدة.. هكذا خرجت من الحزب الشيوعي جماعة شكلت لاحقا منظمة إلى الأمام التي ستصير في النهاية، أو جزء منها، حزب النهج الديمقراطي اليوم. وانفصلت مجموعة من الاتحاد الوطني لقوات الشعبية لتشكل لاحقا منظمة 23 مارس والتي ستتحول إلى منظمة العمل الديمقراطي الشعبي ثم الحزب اليساري الموحد ثم الحزب الاشتراكي الموحد اليوم بعد اندماج الوفاء للديمقراطية المنشق عن الاتحاد الاشتراكي…
وعرف الاتحاد الاشتراكي انشقاقات مثل حزب الطليعة والمؤتمر الوطني الاتحادي..
وهناك انشقاقات اخرى: انشقاق عبد المجيد بوزوبع عن الاتحاد الاشتراكي وتاسيس الحزب الاشتراكي المغربي، وانشقاق عبد الكريم بن عتيق وتأسيس الحزب العمالي، وانشقاق محمد الساسي عن الاتحاد الاشتراكي وتأسيس جمعية الوفاء للديمقراطية، وانشقاق عيسى الودغيري عن منظمة العمل الديمقراطي الشعبي وتأسيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وانشقاق التهامي الخياري عن حزب التقدم والاشتراكية وتأسيس جبهة القوى الديمقراطية…
فتاريخ اليسار في المغرب هو تاريخ انشقاقات وتشتت ولم يكن أبدا تاريخ وحدة…
المحاولة الوحيدة التي سعت إلى توحيد بعض فصائل اليسار (التي نتجت اصلا من عمليات انشقاق!) هي تشكيل فدرالية اليسار وهي المحاولة التي فشلت في النهاية بعد "انشقاق" الحزب الاشتراكي الموحد عنها…انشقاق مرة أخرى!
وإن كان طموح الوحدة بعيدا اليوم، فهو كان كذلك دوما وليس أمرا جديدا على اليسار بالمغرب.




