إن آخر بلاغ للمكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، الصادر في 4 مارس 2026، هو بمثابة تمرين رائع في البهلوانية السياسية. فبقراءة هذا النص، المكتظ كبرنامج انتخابي في رمضان، لا يمكن للمراقب المتمرس مثلي، الذي طالما حلل مسار هذا الحزب، إلا أن يرى فيه تأكيدًا لمسار كنا قد شرعناه سابقًا: مسار حزب ممزق بين حمضه النووي التاريخي وتنازلات الواقع، بين موقف الرقيب وحنين التأثير.
البلاغ، بكل تأكيد، يلملم كل الملفات. فهو يريد أن يكون درع الخدمة العمومية، وسدًا أمام شهية السوق، وحارسًا للسيادة الوطنية. لكن خلف البلاغة اللغوية المصقولة، ما هو الجوهر الحقيقي؟ والأهم من ذلك، لمن تتوجه هذه اليقظة المتأخرة للضمير الاجتماعي؟
الصيدلة والجامعة: الاجتماعي كدرع هوية.
في العمق، من الصعب اتهام الحزب بأنه على خطأ. فبرفضه لوصفات الليبرالية الجديدة التي يهمس بها مجلس المنافسة – والتي لا تقترح أكثر من فتح رأسمال الصيدليات أمام صناديق الاستثمار والسلاسل التجارية – يصيب الحزب كبد الحقيقة. إن الدفاع عن "صيدلية القرب"، وعن الدور الاجتماعي للصيدلي، وعن العدالة المجالية في الولوج للدواء، هو نضال مشروع. بل إنه آخر معقل لاشتراكية ميدانية نود أن نؤمن بها.
كذلك، فإن التمرد اللفظي على "التغول" التشريعي (إساءة استخدام الأغلبية) في إصلاح الجامعة، يجد صداه الطبيعي لدى الأساتذة الباحثين، تلك النخبة الفكرية التي غالبًا ما تُركت لتتداعى.
لكن المفارقة مرة، بالنسبة لمن يتابع هذا الحزب لسنوات. فاليوم، يصرخ الحزب ضد "الخوصصة المقنعة" و"الفرض" الحكومي، في وقت أن أسس هذه الليبرالية الجامحة وهذه الأساليب الاستبدادية قد صبت أحيانًا... بمباركته، عندما كان داخل الأغلبية الحكومية أمس. هذه العودة إلى "الاجتماعي" تبدو وكأنها شعور بالذنب ضمني، محاولة يائسة لترميم واجهة بناية كان هو نفسه قد ساهم في إضعاف أساساتها. إنها ليست موقفًا مبدئيًا بقدر ما هي استراتيجية بقاء هوياتية، محاولة منه لإعادة لحم الصدع مع قاعدة حزبية تركها تتآكل.
البهلوانية الدبلوماسية أو الانفصام المعلن.
الفقرة المخصصة للوضع في الشرق الأوسط هي تحفة في... التواء المعاني. فالحزب يدين العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وفي نفس الوقت، يؤكد على عدائه التاريخي لطبيعة النظام الإيراني ومواقفه العدائية من الوحدة الترابية للمغرب. إنها متلازمة "نعم، ولكن".
على مستوى المبادئ، هذا الموقف يمكن الدفاع عنه. إنه يحاول التوفيق بين الأممية (التضامن مع شعب معتدى عليه) والوطنية (الحزم في الثوابت). لكن على أرض الواقع السياسي، هذه الجمبازية الدلالية تشبه إلى حد كبير محاولة لإرضاء جميع الأطراف. فالحزب يريد البقاء وفيًا لحمضه النووي كحزب قضايا، دون أن يجرح الشعور الوطني المقدس. هذا المشي على الحبل، الذي طالما أشرنا إليه، يوضح حالة الارتباك الهوياتي لحزب يعجز عن تحديد خط واضح على الساحة الدولية، ممزقًا بين ردود الفعل الأيديولوجية القديمة وإكراهات السياسة الواقعية المغربية.
2026: تعبئة أم مجرد ابتهال انتخابي؟
أخيرًا، الجزء الأخير من البلاغ، الذي يدعو إلى "دينامية داخلية" وعقد المؤتمرات الإقليمية في أبريل، يبدو وكأنه أمر حشد عام. لكن بالنسبة للقارئ اليقظ، فإن هذا الأمر بالنضال يبدو أجوف.
فمن خلال استنكار تقاعس الحكومة أمام "تجار الأزمات" وغلاء الأسعار في رمضان، يأمل الحزب في احتواء الغضب الاجتماعي. لكنها ليست دينامية فتح، بل هي استراتيجية إنقاذ. يحاول الحزب تحويل عجزه البرلماني إلى موقف مقاومة بطولية. يمكنك أن تشعر بالقلق داخل الحزب، وهو يسعى لطمأنة كوادره عبر التلويح بـ"انضمامات مكثفة" لا يمكن لأحد التحقق من حقيقتها.
الحكم: تحفة صياغة على ظهر سفينة شاردة.
في الختام، هذا البلاغ هو مرآة عاكسة لتناقضات حزب التقدم والاشتراكية في سنة 2026. هو يقول الصواب في بعض الملفات، لكنه يقولها متأخرًا، أو بثقل سياسي ضئيل جدًا لعكس مسار الأمور. يلوح بالمبادئ، لكنه يخفي بصعوبة بالغة ارتباك حزب يبحث عن بوصلته بين ماضيه المجيد كمشاغب ووضعه الحالي كشريك مهمش.
يحاول حزب التقدم والاشتراكية أن يقفز في الهوة التي تفصل بين منطق السوق وحماية المواطن ليردمها. لكننا هنا، في "الكوليماتور"، نعلم جيدًا أنه في ساحة المعركة السياسية لسنة 2026، لم تعد الابتهالات الرنانة والبهلوانيات الدبلوماسية كافية لكبح شهية مفترسي المال العام، ولا لإخفاء تآكل الشرعية.




